بقلم/ وليد الزبيدي

- التسلل عبر الحدود
- خطر التهريب.. من الآثار إلى الأموال
- الخطر الثالث.. آفة المخدرات

لم تضع الولايات المتحدة مسألة الحدود العراقية ضمن أجندتها أثناء مرحلة الاستعداد لاحتلاله، ولم تنتبه إلى خطورة هذه القضية إلا بعد عدة أسابيع من بداية الاحتلال، ومنذ ذلك الحين بذلت ومازالت تبذل الكثير من الجهود في محاولة لسد ثغرات الحدود، التي تحولت من مجرد منعرجات على الخريطة إلى حدود ملتهبة، لدرجة أنها باتت تمثل تهديدا خطيرا يتربص بالقوات الأميركية ويحسب له المسؤولون في واشنطن والبنتاغون ألف حساب.

فما قصة هذه (الحدود الملتهبة)؟ وما حقيقة الأخطار التي تتجول بصمت على مسافة آلاف الكيلومترات، وهي طول الحدود العراقية، مع ست دول تحيط به هي (إيران وتركيا وسوريا والأردن والسعودية والكويت).

إن أكثر ما يشغل العواصم المعنية بالأمر في ما يتعلق بالحدود العراقية هو موضوع تسلل الأجانب، أو ما يطلق عليهم (المقاتلون الأجانب)، وبقدر ما تهتم الإدارة الأميركية بهذه القضية وتجد أنها تحتاج إلى قدر أكبر من المتابعة والاهتمام فإن ثمة أخطارا أخرى تتحرك بحرية تامة على حدود العراق، دون أن يتحرك أحد لوضع حد لها أو الحد من خطورتها على أقل تقدير.

وإذا كان الخطر الأول يهدد حياة الجنود والضباط الأميركيين والقوات المتحالفة معها، فإن الخطر الثاني يهدد آثار ومقتنيات وموجودات خاصة بالعراق وتاريخه، إذ تم فتح الحدود لأكبر وأوسع عمليات تهريب في التاريخ الحديث، أما الخطر الثالث فيهدد شرائح كبيرة من العراقيين، كما أنه يهدد بعض دول الجوار، لكن وكما قلنا فإن الحديث عن أخطار الحدود العراقية ينسحب على واجهة واحدة ويتم التعتيم أو التجاهل المقصود على جوانب أكثر خطورة.

التسلل عبر الحدود


بعد عشرة أشهر من التصريحات واللقاءات والاجتماعات السرية والعلنية لم تتمكن الإدارة الأميركية من الوصول إلى علاج لمسألة المتسللين عبر الحدود العراقية لوقف الخطر الذي يهدد قوات الاحتلال
لم يتم التركيز على موضوع الحدود العراقية في الأيام الأولى للاحتلال عندما عمت الفوضى وجرت عمليات النهب والسلب وما تبعها من قصص وحقائق، كانت الحدود العراقية شاهدة على الكوارث التي حصلت، لكن ما أن بدأت الأخبار والمعلومات تتدفق إلى البيت الأبيض والبنتاغون عن سقوط قتلى وجرحى بين الجنود والضباط من الجيش الأميركي في العراق وتعرض دورياته ومقراته لهجمات عنيفة حتى أخذ الاهتمام بموضوع الحدود مساحة واسعة من اهتمام الدوائر السياسية، واتجهت وسائل الإعلام صوبه واهتمت به.

لم يتوقف الأمر عند الحديث عن مسألة (التسلل) عبر الحدود، بل تجاوز ذلك إلى اتهامات وجهتها الإدارة الأميركية إلى دول جوار العراق، متهمة البعض بعدم إيلاء ضبط الحدود الأهمية المطلوبة، كما وصل الأمر إلى اتهام دول أخرى بالمشاركة بصورة أو بأخرى بتسهيل دخول المتسللين الأجانب إلى العراق، مع التأكيد على دور هؤلاء في تنفيذ الهجمات ضد أفراد ودوريات ومقرات الجيش الأميركي.

توقف المحللون عند هذه المسألة، وتحديدا عند الحشد السياسي الواسع للمسؤولين الأميركيين والتركيز عليها في وسائل الإعلام، وتم تفسير ذلك من خلال النقاط التالية:

1- أن القناعة التي دخلت بها الإدارة الأميركية العراق واحتلاله كانت مستندة إلى قناعة تامة بأن العراقيين لن يتعرضوا للقوات الأميركية، بل إن غالبيتهم سيرمون الزهور عليهم.

2- أن التركيز على وجود أجانب، وهم الذين ينفذون تلك الهجمات سوف يسهم في إبعاد قضية (المقاومة) عن أذهان العراقيين، الأمر الذي يضعهم بعيدا عن هذه المسألة الحساسة والخطيرة.

3- لدفع قطاعات من العراقيين للحنق على العرب والأجانب الذين يشك بأنهم ينفذون تلك الهجمات ومن ثم الإبلاغ عنهم، وتسليمهم للقوات الأميركية، خاصة أن الخطاب الذي استخدمه المسؤولون الأميركيون ظل يؤكد أن المتسللين يعملون على تدمير العراق ولا يريدون لتجربته (الجديدة) النجاح.

4- أرادت الولايات المتحدة استخدام ما تسميه ورقة (المتسللين الأجانب) لتمارس المزيد من الضغوط على كل من إيران وسوريا، إذ تم توجيه الاتهام لهاتين الدولتين بصورة مباشرة بهذا الخصوص.

إن جميع هذه الأوراق حاولت واشنطن أن تضعها على طاولة الملعب السياسي، على أمل تحقيق أكثر من هدف واحد وفي آن واحد، لكن بعد عشرة أشهر من التصريحات واللقاءات والتوجيهات والاجتماعات السرية والعلنية لم تتمكن الإدارة الأميركية من الوصول إلى علاج لهذه المسألة، ما اضطر السفير بول بريمر إلى الإعلان عن تخصيص مبلغ 60 مليون دولار لحماية الحدود العراقية مع جيرانه، كما أغلق 19 منفذا حدوديا مع إيران وكثفت المراقبة على الحدود السورية.

ومنذ ازدادت الاتهامات ضد المتسللين عبر الحدود، وتحديدا بعد تفجير السفارة الأردنية ومقر الأمم المتحدة في بغداد مطلع أغسطس/ آب الماضي، لم يعلن عن اعتقال أشخاص يندرجون تحت هذه التسمية، وتسربت معلومات عن إلقاء القبض على عدة مجموعات، لكن لم تطلع وسائل الإعلام على مثل هذه المعلومات، أي أنها بقيت في حدود التسريبات ولم تخرج إلى الرأي العام، لتثبت مجمل الطروحات والاتهامات الأميركية التي تم تداولها على نطاق واسع.


الخطر الحدودي المتمثل في نهب الآثار والمقتنيات مازال ينهش في الجسد التاريخي والثقافي والحضاري للعراق، ولم تتحرك أي جهة لوضع حد لمثل هذه الأخطار أو تقليلها
ومع ازدياد الهجمات التي تستهدف القوات الأميركية وبعض مقرات ودوريات القوات المتحالفة معها أخذ الحديث يزداد عن خطورة الحدود مع دول الجوار، من جانبها واصلت كل من سوريا وإيران نفيهما القاطع لمثل تلك المعلومات، ويستطيع المراقبون التأكد وبما لا يقبل الشك من أن جميع الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة وجميع الضغوط التي تمارسها لم تصبّ في المجرى الحقيقي.

والدليل على ذلك أنها احتفلت بمرور عام على احتلال بغداد في التاسع من أبريل/ نيسان بارتفاع عدد القتلى بين قواتها إلى أعداد كبيرة لم تشهدها الأشهر الماضية، استنادا إلى البيانات العسكرية وتصريحات كبار قادة الجيش الأميركي في العراق.

لذلك يمكن القول إن جميع الأحاديث والتصريحات والنقاشات التي بحثت في الحلول المقترحة لإيجاد حل لأخطار الحدود العراقية التي تهدد قوات الاحتلال لم تحقق أيا من أهدافها.

خطر التهريب.. من الآثار إلى الأموال
آثار ومقتنيات خاصة بالمتحف العراقي الذي نهب وسرق أمام جنود المارينز، وصلت طلائع تلك المسروقات إلى الحدود الأردنية غربا والحدود الكويتية جنوبا، بعد أقل من 36 ساعة ولم تكن هناك سلطات عراقية، لكن معلومات رشحت إلى وسائل الإعلام من النقاط الحدودية لتلك الدول.

ومع أننا لسنا بصدد الحديث عن قصة سرقة المتحف الوطني العراقي ودار المخطوطات العراقية، التي نجم عنها فقدان ما يصل إلى 50 ألف قطعة، استنادا إلى المعلومات التي أوردها المسؤولون عن هذه الدوائر، إلا أن جميع شهود العيان يؤكدون أن عصابات متخصصة جاءت مع قوات الاحتلال أو تحت مظلته، ووصلت إلى الأشياء الثمينة والنادرة، وكانت تلك القطع النادرة والتاريخية موجودة في أماكن خاصة.

ويعني هذا أن خطة متكاملة قد وضعت لتهريب هذه الكنوز الآثارية الكبيرة، ويقول عراقيون يسكنون قرب مناطق أثرية شهيرة مثل أور وبابل، إن عصابات متخصصة تجري عمليات حفر واسعة في التلال والمواقع الآثارية، وهربت بصورة منظمة عبر حدود العراق.

الملاحظ أن عمليات السرقة، وإن توقفت في المتحف الوطني العراقي بعد أن أفرغ من أهم محتوياته، فإنها ماتزال مستمرة في مناطق كثيرة من العراق، ووسط الاهتمام المتصاعد والخطير للإدارة الأميركية بموضوع الحدود العراقية، إلا أننا لم نسمع عن خطط وجهود ومشاورات بهذا الشأن بادرت سلطات الاحتلال لاتخاذها.

أما الحقائق على أرض الواقع فتؤكد أن حدود العراق مع جميع دول الجوار قد شهدت ومازالت تشهد تهريب الكثير من الآثار والكنوز والمقتنيات الفنية. أما الأشهر القليلة الماضية فقد شهدت أوسع عمليات تهريب للعملة العراقية وتناقلت وسائل الإعلام العالمية تفاصيل بعض تلك العمليات.

لذلك فإن هذا الخطر الحدودي مازال ينهش في الجسد التاريخي والثقافي والحضاري للعراق، ولم تتحرك أي جهة لوضع حد لمثل هذه الأخطار أو تقليلها.

الخطر الثالث.. آفة المخدرات
لم يعتد العراقيون على تداول أخبار ومعلومات عن المخدرات، وكل ما يعرفونه أن القوانين العراقية تحكم بالإعدام على الذين يتعاملون مع المخدرات، وخلال الـ20 سنة الماضية صدرت عدة أحكام على بعض الأشخاص، غالبيتهم من جنسيات غير عراقية، إلا أن الحديث عن المخدرات أخذ حيزا مثيرا للانتباه في أوساط العراقيين، إضافة إلى ما تتناقله الصحف ووسائل الإعلام الأخرى.


تشكل المخدرات آفة حقيقية تهدد العراق ودول الخليج, ولا أمل بالحد منها أو تقليلها، خاصة أن أجهزة الشرطة لم تتمكن من الإمساك بالخيوط الأساسية، كما أن الانفلات في تزايد مستمر
وبينما ذكرت معلومات عن إلقاء القبض على أجانب يحملون المخدرات قرب مراقد دينية، فإن الحديث عن وجود شبكات متخصصة تقوم بتهريب المخدرات عبر الأراضي العراقية آخذ في الازدياد، ويتحدث مواطنون من مناطق في جنوب العراق عن قصص كثيرة تؤكد أن المخدرات تمر بكميات هائلة عبر الأراضي العراقية.

وما يدق ناقوس الخطر أن غالبية العاملين في هذه العصابات من العراقيين الذين وجدوا فرص عمل في وقت وصلت فيه البطالة إلى أرقام قياسية، ويجري حديث عن تسلل هذه الآفة إلى أعداد من العراقيين، ويحدث هذا بعد أن تم تسريح جميع العاملين في الأجهزة الأمنية، وكانت هناك جهات متخصصة بشؤون المخدرات ومتابعتها، الأمر الذي حال دون انتشارها قبل وقوع العراق في قبضة الاحتلال الأميركي.

طبعا ليست هناك أي أرقام عن حجم المخدرات التي توزع داخل العراق، أو الكميات التي تتخذ من العراق ممرا لها لتغزو عدة دول وتحديدا دول الخليج، لكن الذي نعرفه ومن خلال ما يتداول أن الكميات كبيرة، وبالتالي فإنها تشكل آفة حقيقية، وأنها ستتسع ولا أمل بالحد منها أو تقليلها، خاصة أن أجهزة الشرطة لم تتمكن من الإمساك بالخيوط الأساسية في الأمن، كما أن الانفلات والفوضى يتجه تصاعديا وبمؤشرات مخيفة.

من هنا تبقى أخطار الحدود العراقية متشعبة ومتعددة، ومن الصعوبة التحرك بالاتجاه المضاد لهذه الأخطار، أما سلطة الاحتلال فقد تركت جميع الأخطار وظلت متمسكة بالخطر الذي يحتمل أن يلحق بها بعض الأذى، ولا أحد يعلم المدد التي ستبقى بها الحدود العراقية ملتهبة ولا بأي اتجاه ومن سيطاله لهيبها.
ــــــــــــــــــ
كاتب عراقي

المصدر : غير معروف