بقلم/ نبيل شبيب

- هجوم نوعي مكثف
- أسلوب دفاع قاصر
- التحدي الثقافي

كتب مؤخرا أحد المسؤولين في منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان يزعم أن لما أسماه "ثقافة التعذيب" جذورا تاريخية في الثقافة العربية الإسلامية، وعزا آخر ضعف روح النقد الذاتي وعدم تقبل نقد الآخر في المجتمعات العربية والإسلامية إلى أن الثقافة الإسلامية "نبذت" علم الفلسفة وهو حاضنة روح النقد ومناهجه.

وكثير من المقولات الأخرى سبق أن رسخت في أذهان كثير من المسلمين -بمن فيهم الأشد حرصا على ثقافته الإسلامية- ما يمسخ التاريخ وينسخ إمكانية الاستفادة من 14 قرنا مضت بدعوى التركيز على 42 عاما هي الحقبة النبوية وحقبة الراشدين الأنصع والأقوم من سواها. والأمثلة من هذا القبيل كثيرة، حتى لَيصدق على أوضاع "جسدنا الثقافي" قول الشاعر: تكسرت النصال على النصال.

هجوم نوعي مكثف


كنا نرصد إلى وقت قريب تعميم التصنيف الغربي للإسلاميين ما بين "معتدلين ومتطرّفين"، أمّا الآن فغاب هذا التصنيف واقعيا، وبات يدور الحديث عن "الإسلاميين" بصيغة تعميم الاتهام
أصحاب تلك المقولات عرب قوميا، ومسلمون عقديا أو انتماء حضاريا، ولو كان حديثهم من قبيل طرح مقولة أو رأي للنقاش لأمكن الحوار بالحجة والبرهان، إنما أصبحت مقولاتهم تطرح بلهجة توحي بأن "التهمة" ثابتة سلفا كالبدهية المطلقة، فمجرد رفضها يعرض لتهمة إضافية بالتعسف أو التعصب أو سواه.. ثم يأتي البناء عليها.

وغالبا ما يدور حول أحد محورين:
1- المطالبة بتغييرٍ في أسلوب نظرتنا "التقديسية" –المزعومة- إلى تصوراتنا الثقافية العربية الإسلامية، وكأنما خلا إسلامنا وخلت ثقافتنا إطلاقا من روح النقد الذاتي وممارسة المحاسبة البصيرة.
2- العمل على تبرير أوضاع سياسية وثقافية مفروضة، حتى ليرى المتهجمون على الثقافة العربية الإسلامية أن "الوصاية" على مجتمعاتنا ضرورية بدعوى عدم بلوغنا –نحن العامة من الشعوب- "سن الرشد"!

وانطلقت هذه الاتهامات من حملة زعمت أن للعنف جذوره في الثقافة العربية الإسلامية، فمكافحة الإرهاب تتطلب إذن قطع تلك الجذور، أو –بصيغة مخففة شكلا لا مضمونا- إصلاح مناهجنا التربوية والتعليمية والثقافية على هذا الأساس.

المشكلة أن هذه المقولات تخلط بين المرفوض والمقبول، أي ما بين:

  • أرضية تريد النيل من أصل ثوابت عناصر وجودنا الثقافي المتميز بانتمائنا الإسلامي، عقيدة للمسلمين وثقافة لهم ولسواهم في الدائرة الحضارية المشتركة.
  • وأرضية الواقع الذي يجب التخلص فيه من سلبيات وظواهر خطيرة ناشئة داخل مجتمعاتنا ودائرتنا الحضارية. هذا مع ملاحظة أن جلها لم ينشأ تحت مظلة حضارية ثقافية إسلامية، بل نشأ في حقبة تغييب الإسلام وتغييب ثوابته قسرا عن توجيه مسيرة الحياة والحكم في مختلف الميادين.

وبغض النظر عن النوايا تلتقي مقولات التهجم الجديدة مع الحملة الغربية والتغريبية الراهنة في إطار دعوات معروفة إلى تغيير مناهجنا على كل صعيد، وكأنما لم يكن ما وصلنا إليه من انفلات أمني خارجي يصنع الاحتلال، وانفلات أمني داخلي يصنع الإرهاب وسواه. كأن هذا لم يقع في فترة سبق فيها تغيير سائر المناهج والسياسات والتطبيقات في الاتجاه الذي أراده "التغريب" عبر عشرات السنوات الماضية، فلم يترك سوى بقية باقية من تأثير الإسلام، وهو ما يراد إقصاؤه الآن.

الجدير بالتأكيد هنا أن ما يجري على الصعيد الثقافي ليس أمرا من الأمور "النظرية"، فهو مما يوظف على الصعيد السياسي، وليس مستغربا مثلا أن تشهد المرحلة الراهنة نقلة نوعية في ما يصح وصفه بغزو المصطلحات في تبرير حملات قمعية محضة.

على سبيل المثال كنا نرصد إلى وقت قريب تعميم التصنيف الغربي للإسلاميين بين "معتدلين ومتطرفين".. وهو تصنيف جرى في البلدان الإسلامية توظيفه سياسيا لتحييد طرف إسلامي عند توجيه الضربات إلى طرف آخر.

أما الآن فغاب هذا التصنيف واقعيا وبات يدور الحديث عن "الإسلاميين" بصيغة تعميم الاتهام، فكان يقال مثلا "إرهاب المتطرفين الإسلاميين"، وصار يقال "إرهاب الإسلاميين"، وكان يقال مثلا إن الإرهابين انحرفوا عن طريق "الحركة الإسلامية"، وصارت "الحركات الإسلامية" نفسها توصف بمحاضن فكر الإرهاب.

وجميع ما انتشر على هذا النحو في الغرب انتشارا واسعا بدأ المتغربون بنقله إلى مفردات الإعلام في المنطقة العربية والإسلامية.. والأخطر من غزو المصطلحات هذا هو ما ينبني عليها من إجراءات عملية، غالبها من قبيل القمع تحت عنوان "أمني" ما!.

أسلوب دفاع قاصر
ليس التهجم على ثقافتنا العربية الإسلامية جديدا، إنما هو مرحلة متقدمة تستكمل ما سبقها منذ أواخر القرن الميلادي التاسع عشر على الأقل، كحقبة تاريخية جديدة بعد حقبة الاستشراق القديمة الموازية للاستعمار القديم، ولا تنفصل الهجمة الجديدة بدورها عن المسيرة المتعددة الأشكال للاستعمار الحديث.

ولا نحتاج في الأصل إلى جهود ثقافية وفكرية كبيرة إذا أردنا الدفاع بأسلوب رد الشبهات، مقابل كل تهمة جديدة من قبيل ما سلف ذكره مرافقا لانتشار فضائح التعذيب، فقد رسخ من تعاليم الإسلام ما يكفي من نبذ العنف وتحريم العدوان بمختلف أشكاله، تجاه البشر والحيوان والبيئة، وليس في صورة التعذيب الوحشي الرهيب فقط.

ما لا يخفى على باحث منصف اقتران الدعوة إلى إعداد أسباب القوة في الإسلام بفرض توظيفها في خدمة الحق والعدل والإنسان مطلقا. وعندما يستشهد فريق من الغربيين وكثير من المتغربين ببعض وقائع تاريخية شاذة في مسيرة بضعة عشر قرنا إسلاميا، تظهر الحصيلة كمن يعدد الاستثناءات التي تعزز القاعدة، ويمكن الرد المنهجي الموضوعي.

وكذلك يمكن الرد بما يبين بالمقابل أن "الاستثناءات" في التاريخ الغربي هي التي تمثل إحقاق الحق ونبذ العنف وإخضاع القوة للعدل على امتداد آلاف السنين، ومع ذلك لا نعمم كما يصنع مهاجمو الثقافة العربية الإسلامية، بل نبقى عند حسن الظن بوجود الجانب الإنساني في الثقافة الغربية، والقول إنها في جوهرها سليمة، وانحرف بها طغيان المادة على القيم والأخلاق.


نحتاج إلى هزة ثقافية وفكرية شاملة تعبر عن نفسها إبداعا وعطاء وتفاعلا حيّا مع الواقع وأحداثه وتطوّراته، بما يطرح الوجه الإنساني الأصيل لثقافتنا، شعرا ونثرا، أدبا وفكرا، ذوقا وفنّا
لا يفيد أسلوب الدفاع برد الشبهات، ولكن –إلى جانب الدعوة إلى عدم الاستغراق فيه- نحتاج حاجة كبيرة إلى "رد إيجابي" يبدأ بالتخلص من القيود الذاتية، ولا تزال ثقافتنا أسيرة ما نفذ من سهام إلى الجسد العربي الإسلامي الممزق منذ زمن بعيد.

وكان الصمود في العقود الماضية صمود "أفراد عمالقة" صنعوا تيارا في عوالم الفكر والأدب والثقافة والدعوة، وأسهم هذا إسهاما كبيرا في أن حملات العلمانية والتغريب لعدة عقود انتهت إلى مواجهة إخفاقها الذاتي من جهة، وإلى ظهور الصحوة الإسلامية أو ما يسميه بعضهم "ظاهرة التدين" على امتداد العالم الإسلامي من جهة أخرى.

رغم ذلك لا ينبغي الاكتفاء بالتحرك بأسلوب الصمود على هذا النحو في المرحلة الراهنة. بل لابد لثقافتنا العربية الإسلامية من الانطلاق إلى المبادرة والعطاء، ولا يتحقق ذلك دون أن تتخلص من القيود المفروضة عليها، ومن نقاط الضعف الذاتية عند حامليها.

نحتاج إلى هزة ثقافية وفكرية شاملة تعبر عن نفسها إبداعا وعطاء وتفاعلا حيا مع الواقع وأحداثه وتطوراته، بما يطرح الوجه الإنساني الأصيل لثقافتنا، شعرا ونثرا، أدبا وفكرا، ذوقا وفنا، وما يشمل تلقائيا قضايا الإنسان كافة، في مختلف ميادين الحقوق والحريات، والسياسة والاجتماع، والفلسفة والقضاء، والبيئة والاقتصاد.

وإذا كان المفكرون والمثقفون المسلمون الإسلاميون مسؤولين أكثر من سواهم، فالكلام موجه أيضا إلى أصحاب الانتماء الإسلامي ثقافيا وحضاريا وتاريخيا، من غير المسلمين، ومن المسلمين الذين أمعنوا في الأخذ بالثقافة الغربية الوافدة، ووجدوا جميعا أنفسهم في هذه الأثناء مستهدفين بما نواجهه من أخطار خارجية جسيمة.

التحدي الثقافي
إن الثغرة التي تنفذ عبرها الاتهامات الباطلة لم تكتشفها "دراسة علمية منهجية" للنصوص القرآنية والنبوية أو كتب التراث أو مجرى التاريخ، وإنما هي في الأعم الغالب ثغرة "تلبيس" غير منهجي لمظاهر شاذة نعايشها
لباسَ "التعميم" على الموروث الثقافي الحضاري.

ولهذا لا يكفي اللحاق بكل اتهام جديد لتفنيده، ولا أسلوب السخط والغضب والاستنكار، بل يجب إيجاد أرضية ثقافية أوسع نطاقا لتحرك متوازن متكامل بمختلف الأساليب المناسبة الهادفة، مع خلق أجواء عامة مقنعة بالخطوط العريضة لثوابت ثقافتنا العربية الإسلامية، ومستوعبة لما يطرأ من مستجدات فرعية.

وفي غياب هذه الأرضية تقع "المفاجأة" إزاء كل اتهام جانبي جديد يكشف عن ميدان آخر من ميادين النقص، فينتشر الإحساس الانفعالي بضرورة الرد كيلا يفعل الاتهام مفعوله ويحقق غرضه..

هذا مما ظهر للعيان في المثال الوارد عن آخر الاتهامات على صعيد "ثقافة العنف والإرهاب والتعذيب"، وهو يفرض نفسه لأنه يرتبط بما سيطر على الساحة وتفاعل مع أحداث الساعة، إنما يمكن أن نجد في سواه من الأمثلة نقصا كبيرا في التفاعل المطلوب، بما يتجاوز آنية الحدث نفسه، ويكشف عن افتقاد "طرح شامل" يستوعب تلقائيا الاتهامات المنفصلة بعضها عن بعض، مما يطرح حاليا، وحتى ما قد يطرح في المستقبل.

إننا نفتقد البعد "الإستراتيجي" في التحرك على الصعيد الثقافي والفكري، وغيابه يحصر الموقف الثقافي والفكري في نطاق ما يقرره الموقف السياسي الآني ويتقلب باستمرار حسب الغرض السياسي.

المطلوب في إيجاد هذا البعد الإستراتيجي والانطلاق منه أن يحيط بالثوابت الأساسية الثقافية من ناحية المضامين، وأن يحيط بالامتداد الجغرافي والحضاري، فلا يغيب التفاعل الثقافي والفكري والوجداني مع أحداث مأساوية بين سهول نيجيريا وجبال الشيشان تحت وطأة الانفعال –لا التفاعل بالضرورة- مع أحداث مأساوية في العراق وفلسطين.


إنّنا نفتقد البعد "الإستراتيجي" في التحرك على الصعيد الثقافي والفكري، وغيابه يحصر الموقف الثقافي والفكري في نطاق ما يقرّره الموقف السياسي الآني المتقلب
ولا تشغل اعتقالات عشوائية مفاجئة عن القضايا المزمنة على صعيد المرأة والشبيبة، ولا يصبح الانشغال بأحداث مفروضة علينا من جانب عدو خارجي، ذريعةً للغياب عن ساحة التفاعل على مستوى بشري مشترك مع القضايا المشتركة للإنسان، من حقوق وحريات، وبيئة وصحة، وهيمنة مادية واستبداد دولي.

نحتاج إلى هزة ثقافية وفكرية تجمعنا عبر التخلص من أعباء أثقال نرزح تحتها منذ عشرات السنين، فالعلمانية الأصولية والتغريب المطلق لم يسهما فقط في تمكين الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية الأجنبية على بلادنا، ولا في توجيه الضربات للعمل على طريق تميزنا الثقافي الإسلامي فحسب، بل أسهما أيضا في أن يصل الدمار الثقافي إلى كل شيء، بما في ذلك قطاعات كبيرة من المرتكزات الثقافية للعلمانيين غير الأصوليين، والمتغربين "جزئيا" إذا صح التعبير.

ورغم كثير من الإخفاق الذي أصاب تلك التوجهات فقد أدت إلى تغييب ملامح وجهنا الثقافي الحضاري الإنساني حتى عن أنفسنا. أصبحنا ننظر إلى المرآة فلا نكاد نبصر سوى "ما فعل عدونا بنا"، فنكيل له ما نكيل بمختلف أساليب التعبير عن الغضب، ولا نرى من وراء ذلك أصالة وجهنا الثقافي لنعمل على إبرازها من جديد عبر المبادرة والعطاء، بحيث يبطل تلقائيا مفعول التشويه الذي صنعه عدونا بنا بأيدي بعضنا.

إن ما نحتاج إليه يتجاوز عملية "دفع" ما نرى من أخطار، ويتركز على إعادة بناء أنفسنا ثقافيا وحضاريا رغم استمرار الأخطار وتفاقمها وتضخّم حجم مفعولها. ولا يكفي أمام هذا التحدّي الثقافي الكبير ما شاع وصفه بثقافة "الصمود والمقاومة".

إنّما نحتاج أيضا إلى ثقافة البناء الذاتي، الوجداني والفكري والأخلاقي، وهو ما لا تحقّق بدونه ثقافة الصمود والمقاومة مفعولها، هذا مع ضرورة أن نرتفع بمفهومها من دائرة مواجهة العدوان العسكري في مثل العراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان، إلى ما يشمل الجانب الحضاري المحيط بمختلف أشكال العدوان العسكري وغير العسكري.
_________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف