بقلم/ صالح محمد النعامي

- الحكم في إسرائيل والإجرام المنظم
- ظاهرة مقاولي الأصوات وتكريس الفساد
- إفساد المجتمع

تحولت الشبهات حول تورط رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون ونجلاه في قضايا فساد، إلى مادة دسمة يتناولها الصحفيون والمعلقون وكتاب الرأي في الصحافة الإسرائيلية. فما إن تخفت قضية فساد يتهم شارون فيها حتى تنفجر أخرى، بدءا من الشبهات حول تلقيه رشاوى من كل من المقاول والناشط السياسي ديفد آبل، ومن رجل الأعمال الجنوب أفريقي سيرل كيرن، ومرورا بتدخله الفج لمنح تسهيلات ضريبية لعدد من رجال الأعمال الذين تربطهم به علاقات شخصية وعلاقات عمل، وانتهاء باتهامه بأنه عمل بكل قوة من أجل إنجاز صفقة تبادل الأسرى مع حزب الله والتي أطلق ضمنها العقيد المتقاعد ألحنان تننباوم، لأن والد زوجة العقيد قد عمل لعقدين في تسويق المحاصيل الزراعية التي تنتجها مزرعة شارون الخاصة.

هذه الشبهات التي لم يستطع شارون نفيها أدت إلى انهيار شعبيته لدرجة أن ثلثي الإسرائيليين أكدوا أنهم لم يعودوا يثقون فيه وفق استطلاع للرأي نشرته يديعوت أحرونوت. وإذا كانت هذه الشبهات أدت إلى تزايد الدعوات المطالبة بتقديمه استقالته بأسرع وقت ممكن فإنها في الوقت ذاته دللت على مدى تأثير الفساد والإجرام المنظم على ثقافة الحكم في الدولة العبرية، بشكل يكاد يدمر صدقية الطبقة السياسية في الدولة.

وقد كانت صرخة وزيرة التعليم ليمور ليفنات مدوية وغير مسبوقة، عندما قالت إن جماعات الإجرام المنظم في طريقها للسيطرة على حزب الليكود الحاكم. اللافت للنظر أن تورط السياسيين في قضايا الفساد لم يعد حائلا دون عودتهم لتبوء مناصب حساسة، بل وتقدمهم في المناصب الوزارية والمواقع الحزبية. فالكل يذكر تفجر قضية "حفرون بارعون" التي تبين فيها أن رئيس الوزراء الإسرائيلي في العام 1997 بنيامين نتنياهو رغب في تعيين المحامي روني بارعون الذي كان يدافع عن أرئييه درعي الزعيم السابق لحركة "شاس" في قضايا الاختلاس التي أدين بها فيما بعد، كمستشار قضائي للحكومة مقابل أن تؤيد شاس إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في مدينة الخليل.

وكان معروفا أن درعي رغب في تعيين بارعون كمستشار قانوني للحكومة من أجل مساعدته في التخلص من لائحة الاتهام الطويلة التي أعدت ضده. وإلى جانب نتنياهو ودرعي وبارعون فقد تورط في القضية أيضا وزير العدل في ذلك الوقت تساحي هنغبي. وباستثناء درعي الذي أدين وحوكم بعد إدانته في قضايا أخرى، لم يتم التعرض لأي من هؤلاء الساسة بأي عقوبات، بل إن بعضهم تقدم في المناصب مثل هنغبي الذي فاز بأعلى الأصوات في الانتخابات التمهيدية التي أجراها حزب الليكود لاختيار نوابه للبرلمان وأصبح وزيرا للأمن الداخلي، في حين تم مؤخرا انتخاب روني بارعون نائبا عن الليكود ورئيسا للجنة "الكنيست" في البرلمان. ومن المفارقة أن هذه اللجنة هي المخولة برفع الحصانة البرلمانية عن النواب الذين تدور شبهات حول تورطهم في قضايا فساد!


من الأمور التي تجعل من الصعب على دوائر حفظ القانون في إسرائيل متابعة التحقيقات مع أركان الدولة هو أن الساسة يتشبثون بحقهم في الصمت أثناء التحقيق، وهذا مؤشر على أن هؤلاء لديهم ما يخشونه
هذا إلى جانب تورط كل من رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك، والقائم بأعمال رئيس الوزراء الحالي إيهود أولمرت، ونواب في البرلمان في قضايا فساد. ووفق رئاسة الكنيست فإن 10% من النواب يخضعون للتحقيق في مراكز الشرطة حول تورطهم في قضايا فساد، في حين أن عددا آخر من النواب يرفض بارعون رفع الحصانة البرلمانية عنهم لكي يخضعوا للتحقيق.

ومن الأمور التي تجعل من الصعب على دوائر حفظ القانون في الدولة متابعة التحقيقات مع أركان الدولة، هو حقيقة أن الساسة عند التحقيق يتشبثون بحقهم في الصمت أثناء التحقيق كما فعلت نائبة وزير البنى التحتية نعومي بلومنتال وغيرها من الساسة، وكما حرص على ذلك جلعاد نجل شارون أثناء التحقيق معه، مع العلم بأن هذا مؤشر يدل على أن هؤلاء لديهم ما يخشونه إذا تم التحقيق معهم بشكل طبيعي.

ولعله من الطبيعي الآن دعوة الساسة وممثلي الجمهور للعرض على جهاز كشف الكذب (بوليغراف) للتأكد من مدى قولهم الحقيقة، وهناك اقتراح بأن يتم عرض شارون على هذا الجهاز لدرجة أن كاتبا وصف الدولة العبرية بأنها "دولة بوليغراف".

الحكم في إسرائيل والإجرام المنظم
من المفارقة أن الجمهور الإسرائيلي يشارك الوزيرة ليفنات الرأي حول مدى تأثير جماعات الإجرام المنظم على الحكم في الدولة العبرية. فحسب دراسة أعدها البروفيسور ديفد نحمياس من "مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات"، فإن أكثر من 50% من الإسرائيليين يعتقدون بأن عصابات الإجرام المنظم قد تسللت بالفعل إلى داخل مراكز الحكم في الدولة العبرية.

ويشير نحمياس إلى عشرات الأدلة التي تؤكد أن الإجرام المنظم أصبح جزءا أساسيا ومؤثرا في الحياة السياسية. فعلى سبيل المثال يشير إلى ما أشارت إليه الصحف العبرية مرارا من أن خمسة على الأقل الذين أشرفوا على الحملة الانتخابية الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون هم من الذين لهم علاقة بالإجرام المنظم.

ومن الأمثلة على طرق تغلغل عصابات الإجرام المنظم في الأحزاب الكبرى شلومي عوز المعروف بعلاقاته مع هذه العصابات، وقد أصبح فيما بعد رئيسا لفرع حزب الليكود الحاكم في مدينة "رمات غان". اللافت للنظر أن طرق التأثير على الناخبين في الانتخابات التمهيدية في الليكود على سبيل المثال تتماشى مع المعايير التي ينضبط إليها العالم السفلي، حيث أشارت الصحف الإسرائيلية في حينه إلى أن بعض المرشحين عرض على أعضاء اللجنة المركزية في الليكود من الإناث أن يصوتن لهم مقابل الحصول على "خدمات جنسية"!!!

يلي لانداو الرئيس السابق لبلدية هرتسليا وأحد أبرز أعضاء اللجنة المركزية لليكود، يؤكد أنه إذا ظلت الأمور على ما هي عليه الآن فإنه لا يستبعد اليوم الذي يصبح فيه إيفرجيل (زعيم أكبر عصابة إجرام منظم في الدولة) رئيسا للوزراء.


توجد سلطتان في إسرائيل يحرسهما حراس شخصيون: رؤساء السلطة ورؤساء عصابات الجريمة المنظمة. وهذه الأخيرة بذلت محاولات ناجحة للسيطرة على مراكز القوى، الأمر الذي أدى إلى انهيار المنظومة القانونية

ومن الأمثلة على العلاقات بين الحكم والإجرام المنظم تورط وزير المواصلات أفيغدور ليبرمان بعلاقات شراكة اقتصادية مع غادي ليرنير أحد قادة عصابات الإجرام المنظم في الدولة العبرية والذي تطارده الحكومة الروسية أيضا لقيادته منظمات تقوم بعمليات تبييض الأموال.

وهناك تحذيرات قوية من أن عصابات الإجرام المنظم قد تنجح في تدمير منظومة فرض القانون. وها هو يؤيل ماركوس كبير المعلقين في هآرتس يقول إنه في إسرائيل اليوم توجد سلطتان يحرسهما حراس شخصيون: رؤساء السلطة ورؤساء عصابات الجريمة المنظمة". ويضيف أن عصابات الإجرام المنظم بذلت محاولات ناجحة للسيطرة على مراكز القوى في الدولة، الأمر الذي أدى إلى انهيار منظومة فرض القانون.

ويشير ماركوس إلى أن أصحاب الملايين يتلقون الامتيازات من الحكومة ووزرائها، و"العطاءات الحكومية تفصل على قياس مانحي الرشاوى، وتبذل جهود للتأثير على التعيينات في المناصب الحساسة بما في ذلك القضاة".

ظاهرة مقاولي الأصوات وتكريس الفساد
في الأحزاب الإسرائيلية بشكل عام وحزب الليكود بشكل خاص، هناك ظاهرة أطلقت عليها الصحافة وعلماء الاجتماع السياسي في الدولة العبرية "مقاولو الأصوات"، حيث يتوجه الساسة الطامحون لتبوء مقاعد في البرلمان عشية كل انتخابات تمهيدية تجرى لاختيار قوائم الأحزاب البرلمانية إلى أشخاص معروفين بنفوذهم الواسع في أوساط أعضاء الحزب الذي يخططون للانتخاب ضمن قائمته البرلمانية، لكي يقنعوهم بالتصويت لصالحهم مقابل تعهد هؤلاء الساسة بتقديمهم وظائف وأموالا لهؤلاء الأشخاص الذين يطلق عليهم "مقاولو الأصوات".

وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الحالي تساحي هنغبي حاز أكبر نسبة من أصوات أعضاء اللجنة المركزية لحزب الليكود في الانتخابات التي أجريت لاختيار قائمة الحزب البرلمانية، بعدما استبق الانتخابات بتعيين 80 عضوا من أعضاء اللجنة المركزية للحزب كمدراء عامين في وزارة شؤون البيئة التي كان يتولاها قبل الانتخابات، وذلك للوفاء بتعهدات سابقة لمقاولي الأصوات. مع العلم أن وزارة البيئة هي وزارة صغيرة وذات صلاحيات ضيقة جدا، ولا يمكن أن تستوعب هذا العدد الكبير من المدراء العامين!!!

وأحد أبرز مقاولي الأصوات في حزب الليكود هو عوزي كوهين نائب رئيس بلدية "رعنانا". ويخرج رئيس الوزراء والوزراء والنواب في الليكود عن طورهم إذا حضر كوهين، حيث يتنافسون في تلبية طلباته.

ولعل من أهم الشواهد على تأثير هذا الرجل الذي لا يتجاوز الخامسة والأربعين من العمر، ما جرى لدى قيام موظفي وزارة المالية أواخر العام الماضي بإعداد مشروع الموازنة للعام 2004. وكان من ضمن البنود التي تضمنتها الموازنة -وفي إطار التقليصات في المصروفات- بند ينص على التوقف عن منح مرتبات لنواب رؤساء البلديات ومجالس الحكم المحلي في الدولة. وكان من المتوقع أن يوفر تنفيذ هذا القرار مئات الملايين من الشيكلات (الدولار يساوي 4.3 شيكلات) على خزانة الدولة، لكن لأنه كان من المتوقع أن يتضرر عوزي كوهين فقد سارع وزير المالية بنيامين نتنياهو إلى إلغاء البند بعد أن وبخ كبار موظفي وزارته، مع أن كوهين يشغل مناصب عامة أخرى.

من هنا فإن ظاهرة "مقاولي الأصوات" هي أحد الأسباب التي تشجع على استشراء الفساد في نظام الحكم بالدولة العبرية، مع أن إسرائيل تكاد تنفرد بهذه الظاهرة عن سائر الدول الغربية. وشراء المناصب السياسية في النظام الإسرائيلي ليس جديدا، فقد حذرت مراقبة الدولة السابقة القاضية مريام بن فورات في تقرير لها من أن السلطة في إسرائيل تشترى بالمال.


فساد الطبقة السياسية في إسرائيل انعكس بشكل واضح على جنوح المجتمع الإسرائيلي كله نحو الجناية التي لم تعد مجرد جناية ولا حتى مجرد عرف وعادة، بل أصبحت خبرا "وطنيا" يهيمن على الصحف
إفساد المجتمع
فساد الطبقة السياسية في إسرائيل انعكس بشكل واضح على جنوح المجتمع الإسرائيلي كله نحو الجناية، فالجناية لم تعد مجرد جناية ولا حتى مجرد عرف وعادة، بل أصبحت خبرا "وطنيا" يهيمن على الصفحات الأولى من الصحف.

وانتقل الفساد من الطبقة السياسية إلى بقية النخب، فقد أدين فلاديمير يكيريفتس أشهر جراح قلب في إسرائيل بالقتل في حالتين ترك فيهما مرضاه ينزفون على طاولة العمليات بيد جراحين متدربين، في الوقت الذي انشغل فيه هو بإجراء عمليات في عيادته الخاصة.

ناهيك عن استشراء الفساد في النخب الأمنية التي تسيطر على السياسة الإسرائيلية أيضا. يقول كبير المعلقين في قناة التلفزة العاشرة دان مرغليت في هآرتس أيضا إن الكشف عن مزيد من قضايا الفساد يدفع "بكولسترول سيئ على الأوردة الدموية للمجتمع الإسرائيلي". ويؤكد المعلق أمير أورن أن الفساد والتكتم عليه أصبح مستشريا في كل مناحي الحياة في إسرائيل، وذلك بفضل القدوة السياسية التي يقدمها رجال السياسة".

ما تقدم إن دل على شيء فإنما يدل على الحضيض الذي وصلت إليه ثقافة الحكم في الدولة العبرية، ومثل هذه الثقافة لا يمكن أن يستند إليها نظام ديمقراطي سليم.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف