* بقلم/إبراهيم غرايبة

- فقه الاحتلال
- تنميط وتشكيل
- فقه المقاومة وثقافتها

المعرفة هي جوهر السلطة، والاحتلال بوصفه سلطة هو في الأساس عملية ثقافية ومعرفية أكثر مما هي عسكرية، وقد ارتبطت بالاحتلال والاستعمار الحديث علوم ومعارف وتطورات مصاحبة له، فالاستشراق وفق المفكر العربي الأميركي إدوارد سعيد هو "أسلوب غربي للسيطرة على الشرق، واستطاعت الحضارة الغربية عن طريقه أن تعيد إنتاج الشرق سياسيا واجتماعيا وعسكريا وعقائديا وتخيليا". وكان للاحتلال بأشكاله وصيغه المختلفة المباشرة وغير المباشرة أدواته المعرفية والثقافية وأهمها بالطبع المناهج التعليمية وأوعية البث الإعلامية المختلفة التي تصوغ وتنظم الأمم والدول والنخب والرأي العام وتحدد مواقفه وذوقه وسلوكه.


كان الأزهر شبكة من المساجد والجامعات تغطي مصر والعالم العربي والإسلامي وتقود الشعوب والمقاومة، لكن حلت مكانه جامعات حديثة تنتج نخبا على مقاس الاحتلال واحتياجاته وإستراتيجياته
فقه الاحتلال
الاحتلال عملية بشعة حتى في نظر أصحابها الذين يقومون بها، وتحتاج إلى عمليات تجميل وتمويه مكثفة، وقد سمى المحتلون أنفسهم في العصر الحديث "مستعمرين" وعملهم "استعمار" من الإعمار والتنمية، أي أنهم يؤدون خدمة للمحتلين في إعمار بلادهم ومساعدتهم على إدارة شؤونهم. ولكن هذه العبارة المشتقة من أجمل الأفعال صارت تدل على أبشعها ولم يعد أحد يلتفت إلى أصلها. ولتمرير حروب الهيمنة والنهب الأوروبي في القرن التاسع عشر سميت "الحروب الصليبية" لتكتسب ثقة الأوروبيين وتأييدهم في حماية المقدسات والدفاع عن الصليب، أي الديانة المسيحية.

ورافق الاحتلال في الواقع عمليات إعمار وتنمية، فقد فتحت مدارس وجامعات وطرق ومطارات، وبنيت مؤسسات إدارية وبيروقراطية وجيوش وأجهزة شرطة، ولكنها رغم ما قدمته من خدمات وتطوير، قد أعادت بناء وصياغة المجتمعات والدول على نحو يكاد يظن المحلل أنه لا فكاك معه من الاحتلال.

ففي مصر كان ثمة دولة ومؤسسات وثقافة عريقة دمرت كاملا، فعلى سبيل المثال كان الأزهر شبكة من المدارس والمساجد والجامعات تغطي مصر والعالم العربي والإسلامي وتقود الشعوب والمقاومة وتصوغ حياتهم الاجتماعية، لكن حلت مكان ذلك الصرح الثقافي جامعات حديثة تنتج نخبا وموظفين على مقاس الاحتلال واحتياجاته وإستراتيجياته، كما أعيد تخطيط القاهرة والإسكندرية والمدن والبلدات لتنتج نظاما اجتماعيا واقتصاديا جديدا يفكك البنى القديمة والتقليدية التي كانت عصية على الاختراق والتطويع.

ورغم محدودية السنوات التي أمضتها فرنسا في مصر فقد رافقتها عمليات معرفية مازالت بعد مائتي سنة تؤثر في العمق المصري، ومازال العرب يتجادلون بعد مائتي سنة عن الحملة الفرنسية على مصر وإذا ما كانت تلك الحملة أمرا إيجابيا خدم مصر والعرب أم أنها كانت احتلالا وهيمنة، وكنا ندرس في كتب التاريخ أن العرب عرفوا الطباعة عن طريق الحملة الفرنسية، ولم يرغب أحد أن يتذكر أنه كان في مدينة حلب السورية مطابع تنشر الكتب قبل مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر بأكثر من مائة سنة.

وفي الأردن تعلمنا الكتب المدرسية التي تعدها وزارة التربية الأردنية واللوحات الإرشادية التي تضعها دائرة الآثار أن مكتشفي مدينة البتراء والقصور الأموية في الصحراء الأردنية هم رحالة أوروبيون جاؤوا في القرن التاسع عشر، فتخال أنها كانت مدفونة تحت الأرض حتى جاء يوهان لودنج بيركهارت السويسري المبتعث من الجمعية الجغرافية البريطانية وحفر في الأرض ليظهر مدينة واسعة عظيمة أو قصرا جميلا لم يكن أحد يعرفه من الناس قبل مجيئه، أو لعله لم يكن ثمة أناس من قبل، فالتاريخ كله يبدأ في الشرق وفي أفريقيا بمعرفة الأوروبي لهذه الأقطار.

ومن الطرائف المحزنة في هذا المجال أن قلعة على قمة أحد جبال عمّان ظلت تقدم في أوعية المعرفة على أنها قلعة رومانية، حتى جاءت بعثة أثرية إسبانية قبل سنوات قليلة وأثبتت أنها قصر أموي مبني على طراز إسلامي مختلف عن العمارة الرومانية، حتى تاريخ المعرفة والحضارة والطب والفلسفة يبدأ في المراجع والكتب بالحضارة اليونانية ثم يقفز عن العرب والمسلمين ليتواصل مع النهضة الأوروبية في القرن الثالث عشر الميلادي.

وارتبط ازدهار علم الجغرافيا بالحركة الاستعمارية في القرن التاسع عشر، وقد أسست الرغبة في التوسع والصراع لنظريات مهمة عن الاستعمار أهمها نظرية هلفلردنغ الماركسي النمساوي، وهو الذي اعتمد عليه لينين في كتابه عن الاستعمار والذي نشر إبان الحرب العالمية الأولى، وقد حظي كتابه هذا بشعبية كبيرة. واتجهت الدراسات بعد الحرب العالمية الأولى إلى تفسير الحروب والصراعات على أسس اقتصادية وتاريخية واجتماعية وثقافية.

ومن المؤكد أن الحركة الاستعمارية وإن تلاشت بعد الحرب العالمية الثانية فإن آثارها وتفاعلاتها ما زالت ممتدة وحاضرة مثل تقسيم الدول والأقاليم ونشوء دول واختفاء أخرى، والصراعات العرقية والدينية القائمة حتى اليوم مثل الصراع بين الهندوس والمسلمين، والقبارصة الأتراك واليونانيين، والعرب واليهود في فلسطين، فقد أنشأ الاستعمار شعوبية وفرقة مازالت تنخر الدول والمجتمعات الحديثة وتهددها.

ونشأت حركة هيمنة واستعمار جديدة غير رسمية تستخدم الدبلوماسية والعمليات الاقتصادية والثقافية والمعونات الاقتصادية للهيمنة وإدارة الصراع. وفي مرحلة العولمة تجلت هذه الإمبريالية في الشركات المتعددة الجنسية، وبرامج صندوق النقد الدولي، والسيطرة على المعلوماتية والاتصالات والتقنية، وسيادة النموذج الغربي الليبرالي الاقتصادي والثقافي. وعلى سبيل المثال فقد تدفق من دول أميركا الجنوبية إلى الولايات المتحدة أكثر من مائتي مليار دولار في الفترة ما بين عامي 1983 و1991.

وكانت نهاية الحرب الباردة بداية لحركة معرفية جديدة، وقد لقي كتاب بول كينيدي "سقوط القوى العظمى" إقبالا كبيرا من القراء، ربما لأنه نشر في نهاية الثمانينيات عندما بدأت الحرب الباردة بالأفول وبدأ نظام عالمي جديد بالتشكل. وقد حدثت تحولات عالمية كبرى بين عامي 1989 و1991 منها انهيار أنظمة الحكم الشيوعية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي، وقيام الوحدة الألمانية وتفكك الاتحاد السوفياتي، وسعت الولايات المتحدة في بناء نظام عالمي جديد بقيادتها وتبدى نجاحها في ذلك في حرب الخليج الثانية وفي البلقان وأخيرا في العراق.

ومن الأفكار التي طرحت في أوائل التسعينيات عودة روسيا قوة منافسة للولايات المتحدة لتستعيد دور الاتحاد السوفياتي، ومنها أيضا صعود الإسلام كقوة عالمية محتملة، فالعالم الإسلامي يغطي مساحات واسعة من العالم في آسيا وأفريقيا، ويملك موارد هائلة تؤهله للقيام بدور عالمي مؤثر.

ولكن العولمة بتغيراتها الكبيرة وتحديها للدولة والأقاليم تفرض البحث في حراك جديد ربما يكون مختلفا عن الاستعمار والمعرفة الجديدة التي تواكب هذه الظاهرة والسياسة العالمية التي تتشكل.


لا يرى الاحتلال الأميركي في العراق سوى النفط وكأنه لا شعب فيه ولا جامعات ولا ثقافة ولا تاريخ ولا مقاومة، وأن الأميركي قادم بالديمقراطية والحرية والأمن متناسياً رغبته في الهيمنة على العالم
تنميط وتشكيل
ربما يكون من الصعب في هذه المحاولة المحدودة استيعاب أعمال التشكيل والتنميط التي خضع لها الشرق المحتل بسبب برامج التثقيف والإعلام التي أغرق بها، ويمكن الإشارة هنا إلى كتابي إدوارد سعيد "الاستشراق.. المعرفة، السلطة، الإنشاء" الذي صدر عام 1978، و"الثقافة والإمبريالية" الذي صدر عام 1997 مكملا للكتاب الأول ومستدركا عليه.

ومن الأمثلة والملاحظات التي يعرضها إدوارد سعيد في قراءاته للروايات الغربية وكيف تقدم صورة الشرقي المتخلف والغربي المتحضر المبدع مثل رواية روبنسون كروز التي افتتحت الأدب الاستعماري، وكانت تدرس للتلاميذ في الشرق والغرب، وتصور الإنجليزي المغامر الذي يستطيع وحده في جزيرة معزولة أن يؤسس حياة متحضرة ويقاوم أكلة لحوم البشر ويروض أطفالهم ويعلمهم الحضارة وأن الإنجليزي سيدهم.

وهناك روايات لكتاب يعتبرون مناهضين للاستعمار منها على سبيل المثال رواية "نوسترومو" لجوزف كونراد التي صدرت عام 1904، فرغم نقد كونراد الشجاع لفساد السيطرة على ما وراء البحار، فإنه يظهر جهلا وربما تجاهلا لثقافة الشعوب والمجتمعات في أفريقيا وأميركا، ولا يدرك أو يتجاهل ما قام به الأوروبيون من خلخلة لثقافتهم وأنماط حياتهم.

وحتى لا يظن أن المسألة تاريخية يمكن ملاحظة السلوك الاستعلائي المتغطرس في الاحتلال الأميركي للعراق الذي لا يرى في العراق سوى النفط، وكأنه لا شعب فيه ولا جامعات ولا ثقافة ولا جيش ولا تاريخ ولا مقاومة، وأن الأميركي قادم بالديمقراطية والحرية والأمن، وربما لم يروا الشراك الذي أوقعهم فيه الوهم والشعور المضلل بالقوة والرغبة في السيطرة على العالم.

لم تكن ثقافة الاحتلال خفية مغلفة بل هي كما يعتقد إدوارد سعيد واضحة في الخطوط الرئيسية والأهداف، ويمكن ملاحظتها في المناخ الثقافي السائد، وفي أنماط وصور عن الشرق لم يعد ممكنا عند التفكير فيه أو الكتابة عنه أو التخطيط له تجاوزها ورفضها حتى لو كانت خاطئة، وتشارك مع شبكة من المصالح التي يستحضر تأثيرها على نحو لا مفر منه في كل مناسبة.

وأتذكر أني قابلت باحثا كنديا يعد للدكتوراه عن الرؤية الإسلامية للقضية الفلسطينية، وحاولت أن أقنعه أن ما يسوقه من آيات قرآنية وأحاديث نبوية هي توجيهات ومبادئ عامة، ولكن صياغة موقف من اتفاقيات السلام أو المقاومة أو عدمها تحكمه خريطة معقدة من الممكنات والخيارات والمحددات، وأن الفتوى ليست خريطة طريق، بل إنها تصلح لتغطية معظم المواقف والأفكار. وعندما اقتنع في النهاية أن المسألة هي اجتهاد سياسي قال لي لا يمكنني أن أكتب هذا الكلام في الرسالة، ولن يقبله مني المشرف، وكان يجب علي برأيه أن أقدم فتوى وأدلة شرعية تغطي الرأي الذي قلته، وقد فعلت.

وقابلت نائبة في البرلمان الهولندي تعتقد أن الخلاف بين الإسلاميين والحكومات في الأردن والعالم العربي والإسلامي تعود إلى أيدولوجيات لا مفر منها ولا مجال لمخالفتها، وعندما قلت لها إنها خلافات سياسية على مسائل الحكم والمجتمع والحريات والتشريعات قالت لي إن ما تقوله كلام جميل ولكن لا أستطيع أن أعود إلى هولندا وأخبر النواب في الحزب الذي أنتمي إليه وأعضاء الحكومة بما أخبرتني به، فلن يصدقني أحد.


رافقت عمليات النهضة والمقاومة ثقافة مقاومة ونهضة ونشوء حركات قائمة على الهوية الوطنية وحق تقرير المصير والاستقلال الوطني وأدت غالبا إلى دحر الاحتلال
فقه المقاومة وثقافتها
بالطبع فإن مقاومة الاحتلال شكلت ثقافة راسخة ومهمة يجب استحضارها في الحديث عن ثقافة الاحتلال، ذلك أنه لم تنجح أخطر مشروعات الاحتلال والاستيطان في فلسطين، ولم تتكرس إلا بثقافة القبول والاندماج والنفاق، ففي الوقت الذي غدا فيه الاحتلال ممارسة تاريخية مستهجنة ومرفوضة ومهزومة، فإن مجلس الحكم الانتقالي على سبيل المثال الذي عينه الحاكم العسكري للاحتلال الأميركي في العراق اعتبر يوم 9 أبريل/ نيسان 2003 -وهو يوم دخول القوات الأميركية المحتلة إلى العراق- عيدا عراقيا وطنيا، وصارت القوة الاستيطانية الصهيونية في فلسطين أمرا مقبولا يحظى بالمديح الغربي وبالتعاون والتملق العربي والفلسطيني الرسمي.

ولكن عمليات الاستنهاض التي مارستها المقاومة العربية والفلسطينية شكلت واقعا جديدا في فلسطين. حتى المناطق التي احتلت عام 1948 وكان يظن أن أهلها قد تحولوا إلى مواطنين إسرائيليين في الثقافة والانتماء قدمت أجيالا جديدة مدركة لهويتها الحقيقية ورافضة للمشاركة في الثقافة الاحتلالية، وصارت البلدات الفلسطينية التي كانت مسرحا سهلا للإسرائيليين أمكنة محرمة عليهم.

لقد رافقت عمليات النهضة والمقاومة ثقافة مقاومة ونهضة، ونشوء جماعات وحركات قائمة على الهوية الوطنية وحق تقرير المصير والاستقلال الوطني، وقد أدت في معظم الحالات إلى الغلبة على الاحتلال ودحره.
__________________
* كاتب أردني

المصدر : غير معروف