بقلم/ ندية ياسين

في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي قدم ملك المغرب في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الخريفية للسنة التشريعية الجديدة أهم إصلاحات لمدونة الأحوال الشخصية. وهي تعديلات صُفق لها في الداخل والخارج واعتبرت ثورة في تاريخ المغرب الحديث، بل سارع الرئيس الأميركي إلى تقديم الشكر للملك وتهنئة الشعب المغربي، كما اعتبرت هذه الخطوة انتصارا "للحداثة" و"التقدمية".

وقبل النظر في تفاصيل هذه التعديلات "الثورة" وتقييم مرجعيتها ومدى ملاءمتها للمجتمع المغربي، نرى أنه من الضروري بداية تحليل السياق العام الذي تم فيه الإعلان عنها.

فعلى المستوى الدولي تتميز هذه الفترة بتنامي موجة "الإسلاموفوبيا" في العالم الغربي، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول التي دشنت بداية عهد جديد في العلاقات الغربية الإسلامية، وأعطت مبررا لتزايد أطماع الهيمنة الأميركية، وكشفت القناع عن المنظور الغربي للديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة الشعوب.

في هذه المرحلة لم تعد القوى الغربية تدعم علنا العدو الصهيوني ضد العرب والمسلمين فحسب، بل أضحت تستعمل ورقة المرأة كمقياس لتقييم مدى استعداد الدول الإسلامية لخوض "المسار الديمقراطي" واحترام "حقوق الإنسان". وكأنها تقول للأنظمة الحالية "اصنعي صورة جميلة لوضعية المرأة وافعلي ما شئت في باقي المجالات". هذا طبعا ليس من منطلق الدفاع عن مصلحة المرأة المسلمة وإنما لاعتبارات اقتصادية وجيوسياسية محضة.


اعتاد النظام في المغرب تحريك ملف المرأة كلما دعت الحاجة إلى إضفاء الحيوية على الساحة السياسية وإعطاء المصداقية للمؤسسات وتلميع الواجهة تجاه الشركاء الغربيين
ولعل أصدق تعبير عن هذا الموقف خطاب الرئيس الفرنسي جاك شيراك في زيارته الأخيرة لتونس حيث اعتبر أن وضعية حقوق الإنسان فيها جيدة رغم ما يعلمه الجميع من الانتهاكات الجسيمة في هذا البلد الشقيق، وكأن جرأة قانون الأحوال الشخصية التونسي تشفع لدكتاتورية النظام. وكذا تقرير البنك الدولي عن وضعية القضاء بالمغرب المعلن عنه يوم 11 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي الذي تفادى حتى مجرد التلميح إلى عدم استقلالية القضاء، واكتفى بالتأكيد على ضعف كفاءة الجهاز القضائي المغربي حيث اعتبر معد التقرير الدكتور ج مارك بيسوس (J.Marc Baissus) -وهو قاض بمدينة تولوز الفرنسية- أن مناقشة استقلالية القضاء من اختصاص السياسيين والمجتمع المدني بالمغرب.

وعلى المستوى المحلي اعتدنا في المغرب تحريك النظام لملف المرأة كلما دعت الحاجة إلى إضفاء الحيوية على الساحة السياسية وإعطاء المصداقية للمؤسسات وتلميع الواجهة تجاه الشركاء الغربيين.

إن تعديل عام 1993 جاء في فترة كان النظام يحاول فيها -بضغط من المجتمع الدولي- إشراك المعارضة في الانتخابات لتدشين مرحلة تحول في سياسة البلاد والخروج من مأزق فشل "المسار الديمقراطي" الذي أعلن عام 1975، فكان تدخل الملك لتعديل مدونة الأحوال الشخصية عربونا لحسن الاستعداد للمرحلة الجديدة.

ثم طرح الملف مجددا من خلال خطة دمج المرأة في التنمية عام 1998 فكان بمثابة هدية لحكومة التناوب ومحاولة إعطاء دينامية لمرحلة ما بعد الحسن الثاني رحمه الله.

أما توقيت الإعلان عن تعديلات أكتوبر/ تشرين الأول الماضي فليس أكثر براءة من سابقيه، فقد تزامن مع بلوغ قضية الصحراء المغربية مأزقا حادا، ومع الإعلان عن التقارير الدولية التي تدين وضعية القضاء في المغرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بعد أحداث 16 مايو/ أيار.

إنها تأتي غداة خروج المغرب من انتخابات أحبطت آمال كل من صدق ادعاءات الديمقراطية والنزاهة والشفافية وأفرزت مؤسسات دستورية لا يخفي أحد اليوم قناعته بعدم تميزها عن سابقاتها، وفي فترة يتخبط فيها المغرب في مشاكل عويصة ومستعصية أهمها كارثة الهجرة السرية التي تحصد أرواح عشرات الشباب يوميا، وأزمة الإصلاح الجامعي الجديد وما يواكبه من استياء في الأوساط الجامعية تواجهه السلطة بمسلسل من العنف والاعتقالات والمحاكمات الجائرة.

إن التعديلات الأساسية في مدونة الأحوال الشخصية والتي لخصها الملك في خطابه في 11 نقطة تتعلق باقتسام مسؤولية رعاية الأسرة بين الزوج والزوجة، واعتبار الولاية حقا للمرأة، وتقييد التعدد، وتوحيد سن الزواج وسن اختيار الحاضن بالنسبة للذكر والأنثى، وحماية حق الطفل في النسب، وجعل الطلاق حلا لميثاق الزوجية يمارس من طرف الزوج والزوجة، وتوسيع حق المرأة في طلب التطليق، والحفاظ على حقوق الطفل بإدراج مقتضيات الاتفاقيات الدولية وضمان مصلحة الطفل في الحضانة، وإعطاء أبناء البنت الحق في الإرث من جدهم، وتبسيط إجراءات الزواج بالنسبة للمغاربة المقيمين في الخارج، وحق المرأة في الأموال المكتسبة أثناء الزواج..

هذه التعديلات في معظمها مجرد إعادة صياغة لتعديلات 1993 مع إضافة ضمانات لتطبيقها خلافا لسابقتها، من قبيل جعل النيابة العامة طرفا في جميع الدعاوى المرتبطة بشؤون الأسرة، والتنصيص على تبسيط وتسريع الإجراءات وضرورة إعادة تكوين القضاة وتكوين محاكم خاصة.

وحتى التعديلات التي تقترح لأول مرة لم ترق إلى مستوى اجتهاد حقيقي وإنما اكتفي فيها بالبحث عن قراءات أخرى في المذهب المالكي. ومن هنا نتساءل: كيف يمكن أن تعتبر نخبتنا إجراءات فشل تطبيقها منذ عشر سنين "ثورة"؟


المتتبع لهذه التعديلات لا يملك إلا أن يتعجب من شبه الإجماع على المشروع والتصفيق له لمجرد أنه نابع من إرادة الملك رغم عدم استجابته للمطالب الأصلية ورغم الجدل السياسي بشأنه
أما بخصوص المرجعية التي استندت إليها هذه التعديلات فلا يمكن إلا أن تكون المرجعية الإسلامية بالنظر إلى الإستراتيجية الدينية التي تنبني عليها الملكية المغربية. وفي هذا الصدد يقول الباحث المغربي محمد ضريف في كتابه "الإسلام السياسي بالمغرب": عمل المغرب على جعل "الدعوة" عنصرا في بنية "الدولة" وذلك عبر دولنة البنيات التقليدية وقنوات التحكم. وفي إطار دولنة البنيات التقليدية لم يقتصر الأمر على البنيتين القانونية (يعني مدونة الأحوال الشخصية) والإدارية (يقصد الحسبة) بل شمل كذلك البنية السياسية، إذ تم تقعيد مؤسسة إمارة المؤمنين دستوريا في الفصل التاسع عشر من الدستور.

وفي كلمة لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية عبد الكبير العلوي المدغري في الجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية قال فيها "لقد كان الإسلام ولا يزال في المغرب هو القاعدة الأساسية التي يستمد منها نظام الحكم مشروعيته". من هذا المنطلق لا يمكن للنظام المغربي أن يقرر تعديلات مخالفة للشرع.

وفيما يتعلق بردود أفعال مختلف الأطراف داخل المجتمع المغربي فإن المتتبع لا يملك إلا أن يتعجب من شبه الإجماع على المشروع والتصفيق له لمجرد أنه نابع من إرادة الملك رغم عدم استجابته للمطالب الأصلية لتلك الأطراف، ورغم الجدل السياسي الواسع الذي عرفته الساحة السياسية إزاء التحكيم الملكي.

كما لا يمكنه إلا أن يقف على أن النخبة السياسية المحلية والدولية تغالط عندما تعتبر إحالة المشروع إلى البرلمان قفزة نوعية في المسار الديمقراطي وهي تعلم شكلية هذه الإحالة بما أن التعديلات قد عرضت في خطاب ملكي، والدستور المغربي ينص على أن خطاب الملك لا يناقش.

كما أن جميع النقاط ذات الصبغة الدينية من اختصاص الملك بموجب الدستور والنقاط ذات الصبغة المدنية من اختصاص البرلمان، لكنها في هذه الحالة تلحق بالأولى لارتباطهما الوطيد فتصبح أيضا من اختصاص الملك، وبهذا تكون الإحالة إلى البرلمان مجرد إجراء لإضفاء المشروعية عليه كمؤسسة دستورية وفرصة لتجسيد أكبر لمقتضيات الفصل 19. ثم عندما نجد خلاصات الجميع تلتقي على مطلب إصلاح القضاء، نتساءل أكثر عن علاقة هذا المطلب بتقرير البنك الدولي.

أما من حيث المضمون فعند قراءة المشروع في صياغته النهائية يسترعي الانتباه عدم المراجعة الشاملة لكل بنود المدونة، وغياب فلسفة واضحة وخط ناظم يضمن الانسجام بين جميع البنود، والتناقض في صياغة بعضها، مما يعكس الاضطراب الواضح الذي وقعت فيه لجنة المراجعة لترددها بين الاحتياط من حساسية الموضوع والرغبة في إرضاء الضغط الدولي.

كما أن إعطاء الأولوية لنقاط معينة يجعلنا نتساءل: هل كل هذه النقاط في قمة سلم مشاكل الأسرة المغربية أم أن تحديدها تم وفقا للتوصيات الدولية؟ وهل تتلاءم بعض البنود والواقع المغربي أم توحي بأن المشروع يوشك أن يكون مشروع نخبة؟ إذ ما معنى الحديث مثلا عن اقتسام الثروات بين الزوجين عندما نعلم أن نسبة كبيرة من الأسر المغربية لا يتعدى دخلها اليومي عشرة دراهم؟

إننا نعتبر أن عدم توفر بيئة تربوية واجتماعية واقتصادية وسياسية ملائمة تجعل أي تعديل قانوني -مهما كان محكما- مجهضا منذ الولادة. ويجب أن لا نغفل أن تنزيل هذه التعديلات رغم محدوديتها يتم في مجتمع يعاني من واقع سياسي متردٍّ وتتحكم فيه الأعراف وتسود فيه ذهنية ذكورية تنقص من المرأة منذ قرون ولا تقيم لها وزنا.. مجتمع يتفشى فيه الجهل والفقر والبطالة وما يلازمها من أدواء، مجتمع أبلغ خطاب فيه هو خطاب الرشوة والمحسوبية، فكيف يمكن أن نثق في نهاية عهد حرمان المطلقة من نفقتها ونحلم بتوفير السكن للمحضون عندما نعلم أن رب الأسرة المعسر لا يجد ما يسد به رمقه فكيف يؤثر مطلقته على نفسه، والغني يفضل تقديم الرشوة على الوفاء بحقها وحق أبنائه، بل في ظل هذا الواقع نتوقع تفشي مشاكل وحيل جديدة للالتفاف على القانون.


المقاربة القانونية لقضية المرأة لن تكون ذات جدوى في ظل غياب إصلاح سياسي واقتصادي وإداري وقضائي ودون صياغة منسجمة لمختلف المدونات والقوانين

إننا واثقون بأن تحقيق احترام المرأة وصيانة كرامتها لا يتم باستبدال مصطلحات بأخرى لتوهم من لا يلم بفصاحة اللغة العربية وبلاغتها أنها تحط من قدر المرأة، ولكن بتربية حقيقية على احترام الآخر.

هل معنى هذا أننا في جماعة العدل والإحسان لا نعترف بوجود مشاكل أسرية عويصة في بلدنا تحتاج حلولا مستعجلة؟ وهل نحن ضد أي تقدم في قضية المرأة؟

إن جماعتنا تعتبر أن ظروف المرأة متردية وأن النهوض بأحوالها وإزالة جميع أنواع الظلم والحيف عنها من أولويات مطالبنا العدلية وتعتبر هذا المطلب من صميم التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم. ونعتبر أيضا أن حل مشاكل الأسرة لن يتم إلا في إطار حل شامل للمشاكل التي يعاني منها المغرب.. حل تتجند له كل الإرادات الشريفة لأبناء هذا البلد بجميع توجهاتهم في إطار ميثاق يوحد الجميع على أرضية الإسلام.

أما في الظروف الراهنة فنعتبر أن من حقنا التحفظ على جدوى هذه التغييرات إذ لدينا اليقين بأن المقاربة القانونية لقضية المرأة لن تكون ذات جدوى في غياب إصلاح سياسي واقتصادي، وفي غياب إصلاح الإدارة والجهاز القضائي الفاسدين، ومن دون صياغة منسجمة ومتكاملة لمختلف المدونات والقوانين وضبط وتبسيط الإجراءات القانونية.

ويقيننا أكبر في أن كل هذا لن يكون ذا جدوى دون تربية تحيي القلوب وتعلمنا النظر للعلاقات الإنسانية في بعد همّ الآخرة، وتنشئ المجتمع على احترام المرأة وتقديرها وإكبار دورها فيه، وتعرفها بحقوقها وواجباتها وضرورة التوازن بين الواجبات والحقوق. فقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التربية لا تتحقق بالقانون وإنما يأتي هذا الأخير لدعم المكتسبات الأخلاقية التي تغرسها التربية في النفوس وترعاها.

ولكل هذه الاعتبارات نرى أن النقاش الحالي إزاء مشروع قانون الأسرة لا يمكن أن يحقق إلا أهدافا سياسية محضة، وتزداد قناعتنا أكثر بأن تحريك ملف المرأة لا يتم إلا كلما دعت الحاجة إلى بث نفس جديد في المقاولات الحزبية وإعادة الثقة في المؤسسات وحجب المشاكل الحقيقية للبلاد.

بل نكاد لا نشك في أن هذا النقاش لا يزال ورقة يمكن اللعب بها في وقت لاحق ربما عام 2010, بما أنه بعد شهر فقط من مهرجان التهليل والاستبشار أصبح أعضاء اللجنة التي أعدت المشروع يعترفون بمحدوديته وحاجته إلى المراجعة والتطوير ويعبرون عن تخوفهم من مشاكل التطبيق.
_____________________________
* الناطقة باسم جماعة العدل والإحسان المغربية

المصدر : الجزيرة