بقلم/ ياسر الزعاترة

- تحولات الساحة الشيعية
- تحولات الساحة السنية
- المؤتمر التأسيسي الأول لمقاومة الاحتلال
- المقاومة سيدة الموقف ومن يدعمونها

بعد أكثر من عام على سقوط بغداد بيد الاحتلال الأميركي يمكن القول إن تغيرات جوهرية قد وقعت للخريطة السياسية المحلية جعلتها مختلفة عن تلك التي استيقظ العراقيون فوجدوها أمامهم بعدما انجلى الغبار عن عراق آخر ليس فيه صدام ولا عدي ولا قصي ولا طه الجزراوي كما يسمونه هناك.

لم يكن هناك في العراق قبل الاحتلال ما يمكن وصفه بالقوى السياسية الفاعلة في الشارع كما هو الحال في الدول الأخرى. فهنا لا مكان سوى للبعث، والبعث العربي الاشتراكي وحده، حتى لو كان المكان يعج بالأكراد.

على أن إفساح المجال واسعا أمام حزب البعث الحاكم وإقفال الباب بشكل شبه كامل أمام القوى السياسية الأخرى لم يكن ليعني أن الحزب كان قوة شعبية بالمعنى الواقعي للكلمة، بقدر ما كان ممثلا شرعيا ووحيدا للقوة الباطشة المكروهة من قبل الغالبية من الجماهير بشتى أطيافها وأعراقها، وليس الشيعة والأكراد وحدهم كما يشاع.

كان البعث عنوانا للبطش والتنكيل، أما مئات الآلاف من الأتباع فهم مضطرون للانضواء تحت لواء الحزب لأنه بكل بساطة بوابتهم شبه الوحيدة للوصول إلى المواقع المهمة، وحتى غير المهمة كما هو حال سلك التعليم على سبيل المثال.

غاب البعث مع غياب السلطة، وانجلت الساحة عن تيارات عديدة كان بعضها في الخارج، فيما كان بعضها في الداخل. أما القوى المهمة المعروفة فقد جمعت بين وجود في الخارج وآخر غير معلن وربما مجرد أفكار وأنصار في الداخل.

وحدها الساحة الكردية التي كانت قد شكلت قواها على نحو واضح، الأمر الذي يدفع إلى القول إن حجم التغير في خريطة القوى منذ مجيء الاحتلال إلى الآن كان محدودا إلى درجة كبيرة، والسبب هو أن مناطق الأكراد كانت قد استقلت عمليا في حكومتين حقيقيتين هما حكومة السليمانية وحكومة أربيل، بزعامة الحزب الديمقراطي الكردستاني وعلى رأسه مسعود البرزاني، والاتحاد الوطني وعلى رأسه جلال طالباني.


لم يدخل تيار الصدر مجلس الحكم لكنه بقي فاعلا خارج المجلس في العمل السياسي والمقاومة السلمية وصولا إلى انخراطه في العمل المسلح خلال الشهرين الأخيرين
إلى جانب هذين الحزبين القويين رسميا وشعبيا، هناك القوة الثالثة وهي القوة الإسلامية التي كانت تتمدد بشكل كبير، وإن حجمت نفسها بقرار ذاتي خشية الصدام مع الحزبين الكبيرين. ويبدو أن حزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني بزعامة صلاح الدين بهاء الدين هو الممثل الأكبر لتلك القوة، إضافة إلى أطياف أخرى في الساحة الإسلامية كما هو حال الحركة الإسلامية الكردستانية بزعامة علي عبد العزيز والجماعة الإسلامية وأنصار الإسلام.

ما من شك أن الأكراد كشعب وتبعا لعقدتهم من صدام وتاليا من العرب قد استبعدوا في وعيهم أي تناقض مع الولايات المتحدة، الأمر الذي جعل استقبالهم للاحتلال الأميركي حارا في بعض فصوله، وهو ما انسحب على التحالف الواسع معه قبل وبعد الاحتلال.

لكن بالإمكان القول إن عوامل جديدة قد تفضي مع الوقت إلى حراك سياسي في الوسط الكردي تبعا لغياب عقدة صدام حسين، ومعها العقدة من العرب، إضافة إلى بداية التعامل مع طالباني والبرزاني بوصفهما حاكمين فاسدين أخذت تنكشف الكثير من التفاصيل حول علاقاتهما المشبوهة مع جهات كثيرة بينها صدام حسين نفسه.

هنا يمكن القول إن الحالة الإسلامية الأقل حماسة للتعامل مع الولايات المتحدة قد تتقدم على حساب الحزبين الكبيرين والحزب الإسلامي الموالي لهما مع مرور الوقت إذا لم تحدث انعطافة داخله، وهو ما تقول المعلومات إنه قد بدأ بالفعل، انسجاما مع حركة الصحوة الإسلامية والشعور العارم بالهوية الذي يجتاح العراق من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.

تحولات الساحة الشيعية
من المفيد القول في سياق رصد تحولات الساحة الشيعية إن الأحزاب العاملة في الخارج والتي جاءت على ظهر الدبابة الأميركية، كانت قد فقدت الكثير من اتصالها بالداخل العراقي للاعتبارات المعروفة التي لم تكن تسمح لها بذلك، لكنها عادت فاتحة ذراعيها للجماهير متوقعة أن يكون الاستقبال حارا بعض الشيء، لكن ذلك لم يحدث بالشكل المتوقع وإن توفر على نحو من الأنحاء في المرحلة الأولى.

كان المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة القوتين المعروفتين في الساحة، وعندما عادا إلى العمل بدأ الاستقطاب العملي، وجاء تشكيل مجلس الحكم ليمنح كلا منهما مقعدين، الأمر الذي منحهما فرصة التواصل مع الناس كممثلين لهم في مجلس كان طابعه الرئيسي هو الأغلبية الشيعية.


كانت أولوية إخراج الاحتلال هي الشعار الذي رفعته هيئة علماء المسلمين وبدأ مع الوقت يستقطب مزيدا من القوى في الساحة من الشيعة وحتى من الأكراد
بمرور الوقت كان مجلس الحكم يفقد بريقه تبعا لعجزه عن تقديم شيء عملي للجماهير، فيما كانت الأصوات التي تتحرك خارجه تتقدم أكثر نحو الواجهة، سيما تلك التي تملك حضورا قبل مجيء الاحتلال، الأمر الذي ينطبق على تيار مقتدى الصدر المحمول على تاريخ حافل عنوانه الأول هو الشهيد محمد باقر الصدر الذي اغتاله صدام حسين مع أخته في العام 1979، فيما عنوانه الثاني هو المرجع الأكثر شعبية في تاريخ العراق الحديث، أي محمد صادق الصدر -والد مقتدى- الذي اغتالته الأجهزة العراقية مع نجليه في العام 1999.

لم يدخل تيار الصدر مجلس الحكم -وهو لم يعرض عليه- ربما لعلم الأميركان بأنه سيرفض التمثيل بعضو واحد أو سيرفض الدخول أساسا، لكنه بقي فاعلا خارج المجلس في العمل السياسي والمقاومة السلمية وصولا إلى انخراطه في العمل المسلح خلال الشهرين الأخيرين.

كان المرجع المعروف في العراق السيد على السيستاني هو الوجه الآخر لمعادلة القوة الموجودة في الداخل. وبينما لم يحضر الرجل في الأشهر الأولى منذ مجيء الاحتلال، عاد وبرز فجأة مع قضية الدستور الانتقالي والانتخابات التي دفعته سريعا إلى الواجهة، لكنه عاد وتراجع إلى الوراء بعد انخراط الصدر في تيار المقاومة وعدم مساندته له ولو بالكلام، فضلا عن جملة أحداث لم يتدخل فيها، لعل أهمها قضية تعذيب السجناء العراقيين، إضافة إلى عدم حزمه في قضية الدستور والانتخابات كما كان الجمهور الشيعي يتوقع.

هكذا تراجعت القوى القادمة من الخارج فيما تكرست شرعية تيار الصدر كقوة مقاومة سياسية وعسكرية، في ذات الوقت الذي بدت فيه تجربة مجلس الحكم فاشلة إلى حد كبير. وقد حدث ذلك بعد أن غدت المقاومة هي العنصر الأقوى في المعادلة، حتى قبل أن ينخرط فيها تيار الصدر.

ربما كان بالإمكان الإشارة هنا إلى رموز شيعية كانت فاعلة في الخارج من خلال تعاملها مع الأميركان على شاكلة أحمد الجلبي وإياد علاوي، وقد ثبت عمليا أن هؤلاء لا يشكلون شيئا من دون المحتل. ورغم محاولة بعضهم اللعب على النفس الطائفي لتحصيل المكاسب فإن ذلك لم يغير شيئا، وحتى عندما انقلب الاحتلال على أحدهم (أحمد الجلبي) لم يؤد ذلك إلى أدنى التفاف شعبي حوله.

تحولات الساحة السنية
لا يختلف حال الساحة السنية عن مثيلتها الشيعية من ناحية عدم وجود قوى سياسية فاعلة، وإن بدا أن وجود المرجعيات الدينية في الحالة الشيعية قد يعوض النقص.

في الحالة السنية كان البعث هو سيد الموقف كسلطة لا كجمهور، فيما كانت القوة الإسلامية ضعيفة إلى حد ما، وإن بدت حاضرة من خلال رموز معروفة بانتمائها إلى التيار الإخواني أو الصوفي أو السلفي.

عندما دخل الاحتلال حضر الحزب الإسلامي كواجهة للإخوان وبدأ التحرك، فيما لم تتوفر أية قوة معلنة أخرى، الأمر الذي جعل تمثيل السنة في مجلس الحكم يتشكل من رموز غير ذات حضور باستثناء ممثل الحزب الإسلامي الذي دخل وسط حالة من عدم الرضا عن الخطوة، أكان في أوساط قواعد الحركة الإخوانية في الداخل والخارج، أم في الوسط الشعبي، سيما بعد تصاعد المقاومة وشعور العرب السنة أنها أقرب إلى روحها في التعامل مع الاحتلال.

في هذا السياق برزت هيئة علماء المسلمين كمدافع عن حق العراقيين في المقاومة، بينما كانت حركة المقاومة تزداد حضورا وتجذرا، الأمر الذي دفع الهيئة إلى الأمام في ذات الوقت الذي حجم من حضور الحزب الإسلامي أو حال دون تمدده كما كان متوقعا لو لم يدخل مجلس الحكم.

يوما إثر آخر كانت هيئة علماء المسلمين تزداد حضورا كمدافع عن العرب السنة، لكنها سجلت حضورا من لون آخر حين بدت في خطابها السياسي أكثر قربا من أي أحد آخر لفكرة العراق الواحد الذي يرفض البقاء تحت الاحتلال، كما يرفض أية وصاية عليه. وقد كانت أولوية إخراج الاحتلال هي الشعار الذي رفعته هيئة علماء المسلمين وبدأ مع الوقت يستقطب مزيدا من القوى في الساحة من الشيعة وحتى من الأكراد.

المؤتمر التأسيسي الأول لمقاومة الاحتلال


تغيرت الساحة السياسية التي وجدها المراقبون عشية قدوم الاحتلال إلى حد كبير، ومازال خيار المقاومة يتجذر يوما بعد يوم ومعه تتجذر أزمة الاحتلال وصولا إلى رحيله الحتمي
على هذه الخلفية من الجهود الحثيثة لهيئة علماء المسلمين جاء تأسيس ما عرف باسم المؤتمر التأسيسي العراقي الأول لمقاومة الاحتلال الأميركي، وهو المؤتمر الذي ضم عددا كبيرا من ممثلي القوى والفعاليات السنية والشيعية والعشائرية والمستقلة، إضافة إلى القوى السياسية اليسارية والقومية، وعدد من الرموز المستقلة الفاعلة في الساحة العراقية.

لا شك أن هيئة علماء المسلمين كانت الحاضر الأبرز في المؤتمر، لكن حضور تيار الشيخ جواد الخالصي وتيار السيد أحمد الحسني البغدادي، وكلاهما من الإسلاميين الشيعة ذوي التوجهات العروبية والعراقية، وحضور الحركة الإسلامية الكردية بزعامة الشيخ علي عبد العزيز، قد أضاف نكهة مهمة إلى المؤتمر، فضلا عن القوميين واليساريين.

لكن الجانب المهم في هذا السياق هو نزع شعار المقاومة السلمية من أيدي المتعاونين مع الاحتلال ووضعه في أيدي آخرين ممن يعلنون أنهم ليسو فصائل مسلحة، لكنهم يدافعون عن حق العراقيين في مواجهة الاحتلال بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك الكفاح المسلح.

هكذا لم يعد بإمكان أعضاء مجلس الحكم أن يقنعوا أحدا عند حديثهم عن المقاومة السلمية وهم الذين سيمددون لاحقا لوجود الاحتلال بعد تشكيل الحكومة، خاصة أنهم لم يقدموا للناس إنجازات عملية، في ذات الوقت الذي كانت فيه المقاومة تسجل إنجازات في مواجهة الاحتلال وتدفعه إلى التراجع مرة إثر أخرى، كما حدث في الفلوجة.

حين يتوفر التيار الجديد المناهض بكل وضوح للاحتلال، فإن خطاب أعضاء مجلس الحكم لابد أن يتراجع وقد تراجع بالفعل، سيما بعد فضائح التعذيب وقيام غير واحد من أعضائه بالتبرير للاحتلال بحجة أن صدام كان يفعل أكثر من ذلك.

المقاومة سيدة الموقف ومن يدعمونها
في ضوء ذلك كله يمكن القول بكل وضوح إن تيار المقاومة قد غدا سيد الموقف فيما تقدم من يدعمونه دون تردد في الحالة السياسية والدينية كما هو حال هيئة علماء المسلمين، فضلا عن تيار الصدر الذي يمارس المقاومة والسياسة معا في آن واحد، خلافا للحالة السنية التي تتعدد معادلة المقاومة لديها فيما ينحصر الدعم السياسي في هيئة العلماء، إضافة إلى من انضووا مؤخرا تحت لواء المؤتمر التأسيسي الذي أشرنا إليه آنفا.

لقد بدا أن تعدد قوى المقاومة وعدم بروز متحدثين مباشرين باسمها قد تحول إلى عنصر قوة في هذه المرحلة خلافا للانطباع الأول، والسبب هو ما ترتب على ذلك من إرباك لجهود قوات الاحتلال في مطاردتها. ولعل ما ساعد على إنتاج هذا الموقف هو وضوح وبساطة شعارات المقاومة ممثلة في إخراج الاحتلال بدون قيد أو شرط وإعادة السلطة والسيادة الكاملة للعراقيين.

من هنا يمكن القول إن الساحة السياسية التي وجدها المراقبون عشية قدوم الاحتلال قد تغيرت إلى حد كبير، حيث تقدم الرافضون لوجود الاحتلال وقبلهم الذين يقاومونه بالسلاح، فيما تراجعت القوى التي تعاملت معه بوصفه سيد الموقف الذي يملك توزيع الكعكة على هواه، ما يعني أن خيار المقاومة مازال يتجذر يوما بعد يوم، ومعه تتجذر أزمة الاحتلال وصولا إلى رحيله الحتمي، طال زمن بقائه أم قصر.
__________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف