بقلم:غراهام فولر

جاء رفض البرلمان التركي لمشروع التعاون العسكري التركي- الأميركي بمثابة رسالة قوية عن مدى قوى المقاومة الديمقراطية داخل البرلمان، وعلى العرب أن يتعلموا الدروس من هذا الحدث العظيم.

لقد مارست أميركا ضغوطاً كبيرة على حلفائها للتعاون معها في الحرب المحتملة ضد العراق. ورغم إقرار معظم العرب بخطورة نظام صدام إلا أنهم يعارضون تنحيته من قبل الولايات المتحدة الأميركية ويشككون في دوافع أميركا للقيام بمثل هذا العمل. إن الرأي العام في دول مثل مصر-السعودية-قطر-الكويت-الأردن وغيرها يعارض


يبدو أن القيادات العربية لم تجد صعوبة في التغاضي عن تلك المعارضة التي تبديها شعوب تلك الدول
بشدة سياسة التعاون مع واشنطن. لكن يبدو أن القيادات العربية لم تجد صعوبة في التغاضي عن تلك المعارضة التي تبديها شعوب تلك الدول. والوضع لا ينحصر فقط على الدول العربية ففي بريطانيا وإيطاليا وأسبانيا وهي الدول الثلاث المؤيدة لمشروع الحرب فإن الحكومات هي التي تؤيد واشنطن وليس الشعوب لكن مع وجود فارق كون رؤساء الحكومات في بريطانيا وإيطاليا وأسبانيا منتخبين بطريقة ديمقراطية فالرأي العام البريطاني يشد الخناق على بلير ويطالبه بتوخي الحذر، فيما إنخفضت شعبية أزنار في إسبانيا نتيجة دعمه لواشنطن رغم تغاضي هذه الحكومات عن مطالب شعوبها في هذه الأزمة إلا أن في استطاعة هذه الشعوب عدم إعادة انتخاب هذه الحكومات في الانتخابات المقبلة.

بمعنى آخر إن عدم ترجمة رغبات الشعب في الحكومات الديمقراطية تعرض هذه الحكومات لفقدان الثقة بها وبالتالي يعجل برحيلها. وهذا وضع غير موجود في العالم العربي بحيث لا أحد يستطيع التصويت لتنحية القادة من مناصبهم.

لنلقي نظرة على حالة تركيا التي تتعرض لضغوط جمة من قبل واشنطن فبينما تقدم واشنطن رزنامة من المساعدات المالية تصل إلى 15 مليار دولار مقابل تعاونها في الحرب، إلا أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي المنتخب ديموقراطياً قرر أن تكون كلمة الفصل للبرلمان التركي.

ورغم أن الحزب غير راض عن الحرب إلا أن المساعدة المالية الأميركية مهمة لاقتصاد تركيا الذي تكبد خسائر فادحة جراء حرب الخليج لعام 1991. إن على الحزب الحاكم كذلك أن يكون حذراً وأن يحترم الهواجس الأمنية للجيش.

في النهاية وخلافاً لكل التوقعات صوت البرلمان التركي ضد نشر قوات أميركية فوق الأراضي التركية وبات واضحاً أن الإدارة الأميركية غير راضية عن هذا الموقف إذ جسد قرار تركيا تأثيراً يفوق مشروع الحرب واستحداث جبهة عسكرية ثانية ضد بغداد لقد شكل تصويت البرلمان حدثا سياسيا مهما، فتركيا الحليفة التقليدية لأميركا والعضو في حلف الناتو صوتت ضد واشنطن في موضوع استراتيجي مهم وحرج لقد أثر التصويت في توجهات دول أخرى، خاصة أعضاء مجلس الأمن الدولي وزاد من حدة معارضتهم للمخططات الأميركية. ومع ذلك فقد أصبح من الممكن أن يعيد


إن حزب العدالة هو الحزب الإسلامي الأول الذي يصل إلى سدة الحكم في تركيا بل الحزب الإسلامي الذي يصل إلى الحكم عبر انتخابات وطنية نزيهة وحرة في تاريخ الإسلام
البرلمان التركي النظر في موضوع التعاون الأسبوع القادم. إن حزب العدالة هو الحزب الإسلامي الأول الذي يصل إلى سدة الحكم في تركيا بل الحزب الإسلامي الذي يصل إلى الحكم عبر انتخابات وطنية نزيهة وحرة في تاريخ الإسلام. لهذا يتطلع الحزب إلى التقدم بحذر لتجنب شرخ مع المؤسسة العسكرية أو مع الولايات المتحدة وهو ما يستدعي من واشنطن الحذر في معالجة هذا الأمر. وللتذكير فإن القرار التركي لم يكن مصدره قرار رجل واحد بل أتى من البرلمان المنتخب وبطريقة نزيهة وحرة من المجتمع ولذلك فإنه من الصعب تجاهل نتائج القرار ونتيجة لذلك فواشنطن كانت حذرة وتجنبت توجيه نقد مباشر للقرار.

والخلاصة لا تتجلى في الكيفية المثلى لمقاومة أميركا لكن في كيفية استحداث مؤسسات قوية ومحترمة على الصعيد الدولي، فإذا كان للسعودية أو لمصر على سبيل المثال، برلمان منتخب وصوت على غرار البرلمان التركي، ضد التعاون العسكري مع أميركا فواشنطن وقتها لن تجد بداً من احترام القرار وإدارة المؤسسات الصادر عنها.


فإذا كان للسعودية أو لمصر على سبيل المثال، برلمان منتخب وصوت على غرار البرلمان التركي، ضد التعاون العسكري مع أميركا فواشنطن وقتها لن تجد بداً من احترام القرار وإدارة المؤسسات الصادر عنها

وعليه فإن الحكومات الأجنبية تجد صعوبة في التعليق أو معارضة القرارات الصادرة عن البرلمانيات المنتخبة وتعتبر وقع ذلك أشد من قرارات صادرة عن أي مصدر سياسي.

وكما أسلفت في مقالات سابقة فإن تاريخ تركيا الحديث يختلف عن تاريخ معظم الدول العربية وذلك لان تجربة تركيا مع الممارسة الديموقراطية ليست حديثة العهد كنتيجة جزئية للتأثيرات الغربية التي مورست عليها ولم تساند تركيا يوما حلف الناتو عشقا أميركا ولكن لكونها كانت دوماً تواجه تهديدا أمنيا حقيقيا من قبل ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي الذي طالب في عهد ستالين ومباشرة بعد الحرب العالمية الثانية بجزء من الأراضي التركية.

إلى جانب ذلك فقد كانت تركيا السابقة إلى منع السماح بميلاد أول حزب إسلامي منتخب في العالم الإسلامي رغم معارضة المؤسسة العسكرية لذلك فلم يتمكن الجيش رغم قوته ولا واشنطن من تجاهل رغبة الناخبين الأتراك. وهذا هو الدرس!.

أعتقد أن العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب قد تتطور متى وجدت في العالم الإسلامي مؤسسات أكثر ديمقراطية ذلك أنه سيكون من الصعب على الغرب في هذا الإطار ان يوجه الانتقاد إلى الدول الإسلامية النابعة عن حكومات شرعية، أثناء ذلك ستتقلص المفاوض والهواجس في العالم الإسلامي، لكن كيف السبيل إلى النهوض بالديمقراطية في العالم العربي؟ ولما سيؤدي التغيير داخل العراق إلى إيجاد بديل؟ الجواب متروك للأيام القادمة.

المصدر : غير معروف