بقلم: نوزات صواش*

-مخاوف الدولة الكردية.
-.. ومخاوف الحملة العسكرية.
-مدى الدعم العسكري المطلوب.
-آثار الحملة على الاقتصاد التركي.

مما لا شك فيه أن الحملة العسكرية التي تلح الولايات المتحدة على القيام بها مهما كان الثمن ستلعب دورا رئيسيا في تشكيل أقدار تركيا في القرن الواحد والعشرين. بوش الابن مصمم على إتمام ما تركه والده ناقصا، والمؤشرات تؤكد أن حرب الخليج الثانية باتت على الأبواب. كما أن صقور الإدارة الأميركية يؤكدون على ضرورة عملية عسكرية ضد العراق لتغيير صورة المنطقة وأنظمتها التي وضعت من قبل بريطانيا في أوائل القرن الماضي، وإقامة أنظمة وخريطة جديدة توافق المصالح الأميركية وتخدم مشروعاتها العالمية. لقد فضلت بريطانيا التي تولت مهمة رسم خريطة المنطقة في القرن الماضي بعد انسحاب الدولة العثمانية أن تشكل نظما سلطوية ومتضاربة فيما بينها. أما الآن فتسعى الولايات المتحدة إلى رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد. ويلاحظ أن أنظار ملوك البترول اتجهت نحو آبار الموصل وكركوك الغنية بعد أن ضمنوا إدارة النفط في بحر الخزر. ولا يحبذ هؤلاء وجود رئيس كصدام حسين يقلب موازينهم بين الحين والآخر ولا يسير كما تقتضي مصالحهم.

ومن الواضح أن العراق ما هو إلا الحلقة الأولى ضمن سلسلة طويلة. وإذا ما تمت الحملة العسكرية فلن تنحصر على العراق، بل ستنتشر إلى كافة المنطقة ضمن مشروع عام تم تخطيطه من قبل. ومن ثم يبدي سائر دول المنطقة كالسعودية وسوريا وإيران والأردن والدول الأخرى استياء بارزا حيال أية حملة عسكرية ضد العراق. ومما لا شك فيه أن نجاح العملية متوقف إلى حد بعيد على التأييد الذي تقدمه تركيا إلى الولايات المتحدة. وكما هو معروف فتركيا إحدى أعضاء حلف شمال الأطلسي منذ خمسين عاما، كما أنها حليفة إستراتيجية للولايات المتحدة. إلا أن القلق الذي يسودها جراء احتمال حملة عسكرية في المنطقة لا يقل عن سائر دول الشرق الأوسط، ومن ثم تعارض الحملة الأميركية بشدة، وتطالب الولايات المتحدة بإسناد حملتها إلى مبررات مشروعة.

مخاوف الدولة الكردية

في أعقاب حرب الخليج زالت سيطرة بغداد عن المنطقة الشمالية التي تقع فوق ما يسمى بخط العرض 36، وهو في الحقيقة خط متعرج تم تحديده من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا بشكل يضم مناطق كردية تحت هذا الخط بكثير مثل السليمانية وكفري. أي كان الغرض آنذاك هو رسم المنطقة التي تقطنها كثافة سكانية كردية.


إذا ما تمت الحملة العسكرية فلن تنحصر على العراق، بل ستنتشر إلى كافة المنطقة ضمن مشروع عام تم تخطيطه من قبل. ومن ثم يبدي سائر دول المنطقة كالسعودية وسوريا وإيران والأردن والدول الأخرى استياء بارزا حيال أية حملة عسكرية ضد العراق
ومنذ ذلك الحين انفردت الأحزاب الكردية وخاصة حزبا الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني بإدارة المنطقة الشمالية. وثارت بينهما منافسة حادة على تقاسم السلطة ووقعت حروب دموية بينهما أدت إلى مصرع الكثيرين من الطرفين وانقسام الشمال إلى منطقتي نفوذ بينهما. ولم تضع هذه الحرب أوزارها إلا بتدخل جدي من الإدارة الأميركية التي قامت باستدعاء الزعيمين إلى واشنطن وأجبرتهما على التفاهم تمهيدا لمخططات مستقبلية.

ومنذ ذلك التاريخ أي منذ عام 1998 بدأت الحركة الكردية بخطوات أسرع وأكثر شمولا لإعمار المنطقة وتشكيل مؤسسات هامة لا بد منها في كل دولة مثل البنك المركزي والجهاز الأمني والعسكري، إلى جانب تصعيد نشاطات الحكومة المحلية، وأخيرا أقدمت على إحياء البرلمان الكردي الذي كانت أعماله قد توقفت بسبب الصراع الداخلي، وتوصل الحزبان الكرديان إلى اتفاق لتوحيد النشاطات وإعداد دستور فدرالي للمنطقة. وفي النهاية انعقد البرلمان الكردي في الرابع من أكتوبر الماضي في مدينة أربيل. هذه النشاطات لم تتم بين عشية وضحاها، بل تدريجيا، وخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة. ولكن ما الذي دفع تركيا إلى تصعيد حدة لهجتها إزاء قيام دولة كردية مستقلة في المنطقة إلى درجة التهديد باستخدام القوة واجتياح المنطقة؟

الحقيقة أن تركيا عارضت بشدة قيام دولة كردية شمالي العراق منذ البداية. والسبب معروف، وهو أنها تخشى من انعكاس هذا الأمر على مواطنيها الأكراد القاطنين في منطقة جنوبي شرقي الأناضول والتهاب النعرة القومية لديهم. وفي حالة وقوع منطقة كركوك المأهولة بأكثرية تركمانية والغنية بالثروة النفطية تحت سيطرة الأكراد فستقوى شوكة هذه الدولة الكردية إلى درجة شروع أكراد تركيا بالمطالبة أولا بالفدرالية ويلي ذلك انفصال المنطقة تماما عن تركيا، وتأسيس دولة كردستان الكبرى التي يحلم بها الزعماء الأكراد مهما نفى البرزاني ذلك.

لنلق الآن نظرة على المستجدات التي حدت بتركيا إلى تصعيد موقفها إلى درجة التهديد المتكرر بالتدخل العسكري. صحيح أن رئيس الوزراء المنصرم بولنت أجاويد لعب دورا رئيسيا في تصعيد حدة الموقف التركي بتصريحاته التي حيرت حتى بعض الأوساط التركية، ولكن يجب التسليم بأن التصريحات التي أطلقها الزعماء الأكراد وخاصة مسعود البرزاني في الآونة الأخيرة والإجراءات المتخذة شمالي العراق توحي بأن الهدف هو إقامة دولة كردية مستقلة أو على الأقل نظام كونفدرالي رغم التأكيدات بأن نيتهم تنحصر على حصول الفدرالية داخل العراق ولا تتجاوز ذلك إلى المطالبة بالاستقلال.

خطاب التهنئة الذي بعث به وزير الخارجية الأميركي كولن باول إلى اجتماع البرلمان الكردي ووصفه للأكراد بحليف أميركا أثار لدى أنقرة قلقا كبيرا تضاعف بمطالبة البرزاني بكركوك ووصفه المدينة بأنها قلب كردستان. وبعد إصدار رئيس الوزراء التركي أجاويد تصريحا يهدد فيه بالتدخل العسكري في حالة قيام دولة كردية مستقلة جاء تصريح مقابل للبرزاني قال فيه إن تركيا لا تملك حق التدخل في شؤونهم متناسيا أن أنقرة قد لعبت الدور الأهم في ترسيخ الأمن والاستقرار شمالي العراق بفتحها قاعدة إنجيرليك لقوة المطرقة ومن ثم لقوة المراقبة الجوية الدولية لحماية المنطقة من الجيش العراقي. ولم تكن أنقرة في هذه الأثناء قد نسيت قول البرزاني لصحيفة ألمانية "إن شمال العراق سيكون مقبرة للجيش التركي إذا دخل المنطقة".

بعد أن وصل التوتر إلى هذا الحد أيقنت أنقرة أن الخطر الحقيقي لا ينبع من جانب الأكراد شمالي العراق، بل من الولايات المتحدة التي تسعى -حسب اعتقاد أنقرة- إلى إسناد دور الحليف القوي للأكراد شمالي العراق توطئة لبدء عملياتها العسكرية من هذه المنطقة الخالية من القوات العراقية. لذا بدأت أنقرة تحركات سياسية تستهدف الضغط على واشنطن للتخلي عن دعم البرزاني وأهدافه الانفصالية. وأبرز رئيس الوزراء التركي بولنت أجاويد هذا المسار بقوله "إن تركيا ألقت بثقلها حتى اليوم على الجانب الأمني فقط من القضية، غير أن من الضروري تناول القضية من الزاوية السياسية أيضا".

.. ومخاوف الحملة العسكرية

أما الجوانب التي تثير مخاوف أنقرة في حال وقوع ضربة عراقية فيمكن أن نعددها كالتالي:


  1. خطاب التهنئة الذي بعث به وزير الخارجية الأميركي كولن باول إلى اجتماع البرلمان الكردي ووصفه للأكراد بحليف أميركا أثار لدى أنقرة قلقا كبيرا تضاعف بمطالبة البرزاني بكركوك ووصفه المدينة بأنها قلب كردستان
    حدوث موجة نزوح جماعية تبلغ مئات الألوف من العراقيين. فماذا ستفعل أنقرة؟ هل ستنتظر موجات الهجرة داخل تركيا كما حدث في أعوام 1988 و 1991، أم ستقوم باستقبال هذه الموجات داخل الأراضي العراقية وفي النقاط المحددة منذ الآن؟ الدلائل تشير إلى أن الاحتمال الثاني هو الأقوى والاستعدادات الجارية حاليا في أنقرة تؤكد ذلك. أي أن أنقرة خططت لتشكيل حزام أمني في شمال العراق عند الحاجة، وقامت ببعض الخطوات الهامة في هذا الشأن. وبموجب ذلك فقد تم حساب وقت وصول موجة الهجرة الكردية إلى الحدود التركية خلال تسع ساعات. وفي هذه الحالة يستوجب نشر قوات عسكرية كافية شمالي العراق مسبقا لصد موجة المهاجرين والوقوف بوجه ولوجها الأراضي التركية.
  2. أثناء فوضى الحرب، من المحتمل أن تهاجم الميليشيات الكردية مدينة كركوك وتستولي على منابع النفط وتعرض حياة وأمن التركمان إلى الخطر بالرغم من تأكيد الأميركان استحالة وقوع هذا الاحتمال. ولكنه إن حدث، فسيؤدي إلى اجتياح الجيش التركي للمنطقة ونشوب حرب تركية – كردية ووقوع تركيا في موقع الحليف لبغداد.
  3. في حالة إعلان قيام دولة كردية مستقلة في الشمال فإن تركيا ستعتبره سببا لتدخلها العسكري كما صرحت مرارا.
  4. رغم إبداء أنقرة في البداية معارضتها لفكرة الفدرالية شمالي العراق واعتبارها خطوة تمهيدية نحو الدولة المستقلة، فقد أخذت في الأيام الأخيرة تبدي مرونة في هذا الصدد إلى درجة تصريح نائب رئيس الوزراء مسعود يلماظ أن تركيا لا تعارض فكرة الفدرالية في المنطقة.
  5. وهناك احتمالات أخرى لا بد أن يحسب لها حساب، مثل العجز عن إقامة إدارة قوية بعد إطاحة صدام حسين ووقوع العراق في براثن حرب أهلية طويلة الأمد تتصارع فيها الفئات المختلفة من سنيين وشيعيين وعرب وأكراد، وهو الأمر الذي سينعكس بشكل أو بآخر على تركيا سياسيا واقتصاديا.

بقي أن نشير إلى أن هناك من يزعم أن الوضع القائم حاليا شمالي العراق هو ثمرة جهود أميركية تستهدف خلق نموذج إداري في العراق بدءا بإنهاء الصراع بين الحزبين الكرديين وانتهاء بقيام كيان يسوده الأمن والاستقرار ويتم فيه تقديم خدمات إعمارية واقتصادية وصحية مقابل حالة الفقر والانهيار الاقتصادي السائد في العراق اليوم. وذلك تمهيدا لفرض نظام فدرالي في العراق بعد إطاحة صدام حسن.

وقد وجه صحفي تركي سؤالا إلى مسؤول أميركي رفيع في واشنطن عن مدى احتمال تقبل تركيا لقيام مثل هذا النظام الفدرالي في العراق، فرد المسؤول قائلا "إن من الضروري أولا أن تفهم أنقرة موديل الشمال جيدا". ويلفت النظر في هذا المجال أن الجانب الأميركي لا يصف الوضع القائم شمالي العراق بفدرالية عرقية، بل فدرالية إقليمية إدارية أو إقليم إداري. أي إنه يستهدف ضمنا تهدئة مخاوف أنقرة بالتشديد على رفض قيام مناطق فدرالية كردية أو تركمانية أو شيعية في العراق، بينما يدعو إلى تشكيل نظام يمثل النظام المعمول به في عهد الدولة العثمانية حيث كان العراق مؤلفا من ثلاث ولايات: جنوبا ولاية البصرة، وفي الوسط ولاية بغداد، وشمالا ولاية الموصل، وتضم سكان المحافظات الثماني عشرة القائمة حاليا في العراق بكافة الفئات القاطنة فيها. وتعتقد واشنطن أن إحياء هذا النظام التابع لحكومة مركزية موحدة في سياستها الخارجية والدفاعية سيضع حدا للصراعات والآمال الانفصالية في العراق، كما يشترط أن تشارك كافة الفئات في الحكومة المركزية، ويتم توزيع الدخل النفطي حسب الكثافة السكانية للمناطق الفدرالية.

هذا وبالنسبة للفاتورة السياسية، فإن من الممكن أن تقلب الحرب موازين القوى رأسا على عقب داخل العراق وفي المنطقة بأكملها. ويحتمل أن تسفر عن تغيير الوضع شمالي العراق والذي يعتبر قضية حساسة جدا بالنسبة لتركيا. لذا فعلى أنقرة أن تحسب من الآن كافة جوانب الأضرار والخسائر المادية والسياسية التي يمكن أن تنجم عن وقوفها على الحياد خارج الحرب أو دعمها لها. وهناك مؤشرات تدل على اتجاه تفكير أنقرة إلى أن بقاءها خارج الحرب سيزيد من حجم الفاتورة التي ستدفعها، ويؤدي بجانب تعرضها لخسائر مادية جسيمة إلى ضياع فرص استخدام تأثيرها ونفوذها كدولة قوية في المنطقة. فعلى الدبلوماسية التركية أن تشمر عن ساعدها للمساومة على تعويضها عن الخسائر السياسية والمالية التي ستتعرض لها البلاد، وهذا ما تقوم به حاليا.

مدى الدعم العسكري المطلوب

ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة بحاجة إلى 200 ألف جندي و ألف طائرة حربية في حال اتخاذها أي قرار بشن الحرب، هذا إلى جانب حاجتها إلى قواعد عسكرية في الدول المجاورة من أجل المحافظة على معداتها العسكرية وطائراتها الحربية لفترة زمنية كافية. وهنا يجري ذكر اسم تركيا، فالولايات المتحدة واثقة من أنها سترى تركيا إلى جانبها في حال قيامها بحملة عسكرية.


من المستبعد أن تطلب الولايات المتحدة من تركيا المشاركة الفعلية من خلال قوات عسكرية تركية، لأنها تعرف جيدا أن الشعب التركي والحكومة التركية لن توافق على مثل هذا الطلب
ولكن من المستبعد أن تطلب من تركيا المشاركة الفعلية من خلال قوات عسكرية تركية، لأنها تعرف جيدا أن الشعب التركي لن يوافق على مثل هذا الطلب. وقد تم تصريح ذلك على لسان كثير من رجال الدولة. لذا فإنها ستكتفي على الأغلب بالمطالبة باستخدام القواعد العسكرية التركية وعلى رأسها قاعدة إنجيرليك في مدينة أضنة والقواعد الموجودة جنوبي شرقي تركيا مثل قاعدة ديار بكر. وعلينا ألا ننسى أن المشاركة في آلية القرار بعد الحرب يستوجب على تركيا أن تكون بشكل أو بآخر ضمن "الائتلاف الدولي" المزمع تشكيله لضرب العراق.

النقطة الأخرى هي مصير مدينة كركوك، فتركيا ترفض رفضا باتا ترك كركوك وآبار البترول لسيطرة أكراد العراق، فالتركمان يعتبرون مدينة كركوك عاصمتهم الطبيعية، بينما تراها تركيا ضمن حدود الميثاق الوطني، في حين يعتبرها زعماء الأكراد "مدينة القدس الكردستانية"، وأخيرا تعدها بغداد من أهم مصادر البترول في البلاد، فلمن تكون كركوك في نهاية المطاف؟.

وماذا لو دخلت كركوك تحت سيطرة الأكراد؟ هذا الاحتمال يثير قلقا عميقا في أنقرة فهل سيقوم أكراد العراق رغم التحذيرات التركية المتكررة بمثل هذه العملية؟ أنقرة مقتنعة بأن مثل هذه العملية لا يمكن أن تقع دون إشعال واشنطن الضوء الأخضر لها فهل سيتم إشعال الضوء الأخضر؟ وما هي الظروف التي تسمح بذلك؟ وهل تشعل الولايات المتحدة الضوء الأخضر إذا هددت أنقرة بالوقوف بعيدة عن الحملة العراقية بالكامل؟ وكيف يمكن لتركيا في مثل هذه الحالة الحيلولة دون ذلك؟

وتستمر الولايات المتحدة بتلقين تركيا هذه الفكرة "إننا نعلم مشاعركم ونهتم بها، ولكننا عازمون على الإطاحة بنظام صدام حسين حتى لو بقينا لوحدنا. إن كنتم راغبين بالحصول على موقع في مائدة المباحثات فيما بعد صدام، فعليكم ألا تتركونا لوحدنا". ومع أنه لا تبدو أية بوادر تشير إلى تقديم أميركا مطاليبها بصورة رسمية إلى تركيا، إلا أنه لا يخفى على أحد أن المساومات مستمرة خلف الأبواب الموصدة. علما بأن لدى تركيا أوراقا جيدة للمساومة، وعلى رأسها إدراك أميركا أنها تحتاج في هذه الحرب إلى دعم تركي بصورة مطلقة.

آثار الحملة على الاقتصاد التركي

وهنا تلفت أنقرة الأنظار -بموقفها المعارض منذ البداية- إلى أن تركيا ستكون في مقدمة الدول التي تدفع فاتورة أضرار وخسائر باهظة نتيجة حرب عراقية، ليس في المجال الاقتصادي فحسب بل وفي المجال السياسي أيضا.

وتدور في هذه الأثناء أقاويل وتكهنات مختلفة في الأوساط السياسية عن التكاليف المحتملة لهذه الحرب. فقد ذكر وزير الخارجية التركي شكري سينا جوريل مؤخرا أن أضرار تركيا من حرب الخليج الأولى بلغت مائة مليار دولار. وصرح مجلس العمل التركي – العراقي في وقت سابق أن أضرار وخسائر تركيا المادية من الحرب الجديدة المتوقعة ستبلغ 150 مليار دولار على مدى 12 عاما المقبلة. فقد تكون هذه الأرقام مبالغا فيها، غير أنها تؤكد أن الحرب ستصيب تركيا بخسائر كبيرة جدا، ناهيك عن التأثيرات الجانبية مثل ارتفاع أسعار النفط بشكل خيالي وإصابة قطاع السياحة الحيوي بالنسبة لتركيا بضربة قاصمة وهروب رؤوس الأموال الأجنبية من البلاد. ويجب ألا يغرب عن البال أن الحرب هي السبب في هذه الفاتورة الباهظة كائنا من كان المتسبب في إشعال أوارها، وأن التطورات التي تؤدي إلى نشوب الحرب جرت تماما خارج إرادة تركيا ولم تنبع منها. وبعبارة أخرى فإن تركيا تواجه خطر دفع هذه الفاتورة الباهظة، سواء عارضت العملية العسكرية الأميركية أو ساندت.

ومما لا يشك فيه أي مواطن أو سياسي أو عسكري تركي أن ضربة أميركية ضد العراق تعني بالدرجة الأولى ضربة قاصمة للاقتصاد التركي. هذا ما أكده مرات عديدة كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وزعماء الأحزاب السياسية ورئيس الأركان العسكرية منذ البداية، حتى أن الحديث عن احتمال ضربة عراقية بين الحين والآخر يكفي لإخلال استقرار وتوازنات الأسواق المالية، كما يلقي الخوف في قلب المستثمر الأجنبي فيمنعه من استثمار أمواله في تركيا. وفي حال قيام الولايات المتحدة بحملة عسكرية ضد بغداد تطالب أنقرة بضمانات لما ستلقاه من خسائر، ولا شك أنها ستكون فادحة.

إن الحرب التي تشنها أميركا هي حرب تستهدف الاستيلاء على مصادر الطاقة العالمية، وإن أية عملية عسكرية ضد العراق ستكون بمثابة استعراض -بالمعنى العسكري- لإمساكها بزمام القوة في المناطق الغنية بالطاقة. جورج بوش الابن يربت الآن على ظهر الأكراد من أجل استخدامهم ضد صدام حسين، ويحشد الرأي العام العالمي لمساندته، ويحاول إقناع الشعوب والدول بأن الحرب التي يقوم بها حرب مشروعة لا تخدم سوى المصالح الإنسانية ومبادئها العالية، إلا أنه لم ينجح في ذلك حتى الآن.


من الممكن أن تقلب الحرب موازين القوى رأسا على عقب داخل العراق وفي المنطقة بأكملها. ويحتمل أن تسفر عن تغيير الوضع شمالي العراق والذي يعتبر قضية حساسة جدا بالنسبة لتركيا
هناك لعبة واسعة النطاق ومتعددة الأطراف على رقعة الشطرنج. في الصف الخلفي يقف قادة المعركة الذين يخططون للحرب ويصدرون الأوامر... الملك والوزير والحصان والفيل والقعلة... وأمامهم يقف الدمى... هؤلاء تستخدمهم القيادة كما تشاء، وقد تضحي بهم في الوقت الذي يحلو لها وفقا لمصالحها. وقد تزداد أهمية بعض الدمى نظرا لموقعها الإستراتيجي، فليست الدمية البعيدة عن الملك بنفس قيمة الدمية التي تشكل سدا منيعا أمامه. وقد تصل بعض الدمى في نهاية المطاف وبعد جهد جهيد إلى النقطة النهائية من الجانب الآخر فتستحق التربع على كرسي الوزارة... طبعا إذا أذن لها الملك وإذا كان ذلك يخدم مصالحه.

العالم اليوم يتحدث عن أسباب وأهداف الحملة العراقية والسيناريوهات المتوقعة وخريطة المنطقة المسقبلية وتغير الموازين وتقسيم موارد الطاقة والبترول بين القوى العظمى في الشرق الأوسط. أما تركيا التي كانت مسيطرة على هذه الأراضي حتى القرن الماضي فقد انكمش تفكيرها في أمرين اثنين: خطر تشكيل دولة كردية، وتأثير الحملة العراقية على اقتصادها المتدهور. بينما الدور الذي يفرضه التاريخ عليها هو أن تكون أكثر تأثيرا واتساعا وذكاء في تشكيل سياسات المنطقة، وتجلس في صف الملوك والوزراء وتحرص كل الحرص على ألا تقع في صف الدمى.

_______________
*كاتب ومحلل تركي

المصدر : غير معروف