* بقلم/ إسماعيل هنية

قامت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، كما يعلم الجميع، وبالتشاور مع مختلف الأطراف والقوى في الساحة الفلسطينية، وفي ظل الحوار مع أطراف عربية وإقليمية، بالإعلان المشترك مع حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين يوم 29 يونيو/ حزيران 2003 عن مبادرة تعليق العمليات العسكرية لمدة ثلاثة أشهر مقابل شروط محددة، ثم أعلنت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وفصائل أخرى موقفا مشابها.


رغم المبادرة الفلسطينية المسؤولة بالتهدئة وتعليق العمليات العسكرية لمدة من الزمن واصل المحتل الصهيوني ممارساته الإرهابية من قتل واغتيال وتدنيس للمسجد الأقصى وبناء السور العنصري، دون أن تجد موقفا أميركيا حازما أو موقفا دوليا يضع حدا لها

وقد انطلقت الحركة في تبني المبادرة من الاعتبارات والبواعث التالية:

  1. الحرص على تحصين الوحدة الوطنية وحماية الجبهة الداخلية الفلسطينية من ويلات الاقتتال والصراع الداخلي، وقطع الطريق على جهود العدو الصهيوني ومكائده، وعلى الضغوط الأميركية المحرضة على المواجهة بين السلطة والمقاومة، والهادفة إلى تفجير الساحة الفلسطينية داخليا.
  2. إعطاء الاعتبار دائما للمصالح والحقوق العامة لشعبنا الفلسطيني، والاجتهاد في تخفيف معاناته، وذلك من خلال الإصرار –كشرط لمبادرة الحركتين بتعليق العمليات- على وقف العدوان الصهيوني عن شعبنا وعن مقدساته، وحماية أبنائه من القتل والاغتيال، وبيوته وأراضيه من الهدم والتجريف والتخريب، وإنقاذ الآلاف من مجاهديه وقادته من قيود الأسر والاعتقال والموت البطيء في سجون الاحتلال البغيضة.
  3. الدفاع عن الموقف الفلسطيني المستند إلى التمسك بالحقوق واستعادة الأرض والمقدسات، وحقه في المقاومة والدفاع المشروع عن النفس في مواجهة الاحتلال الظالم، وذلك من خلال كشف حقيقة الموقف الصهيوني بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، ومناوراته المضللة التي تريد خداع العالم عبر قلب الحقائق وتحميل الموقف الفلسطيني مسؤولية ما يجري. فجاءت المبادرة لتقول للعالم وللعقلاء والأطراف المنصفة فيه أن المشكلة ليست عند الشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة دفاعا عن النفس، ولكن المشكلة الحقيقية هي عند العدو الصهيوني الذي يصر على مواصلة الاحتلال والاغتيال والاعتقال والهدم والتنكيل وبناء السور العنصري، وكل أشكال العدوان والإرهاب ضد شعبنا الفلسطيني.
  4. تخفيف الضغوط الخارجية (وخاصة الأميركية) على الدول العربية، ومساعدتها على الصمود أمامها ورفض مطالبها المجحفة والظالمة التي تريد من العرب والمسلمين أن يحاصروا المقاومة والانتفاضة الفلسطينية تحت عنوان مساواتها الظالمة بالإرهاب، بدلا من أن توجه الضغوط الدولية والإقليمية نحو العدو الصهيوني الذي هو أساس المشكلة والبلاء، والذي يمثل الإرهاب الحقيقي من خلال استمراره في احتلال الأرض وتدنيس المقدسات وعدوانه اليومي المتصاعد على شعبنا.
  5. تشجيع العقلاء في العالم، ومنهم بعض الأطراف الأوروبية، على الابتعاد عن الموقف الأميركي المنحاز والمعادي لحقوق شعبنا ومقاومته المشروعة، وبالتالي أخذ مواقف أكثر اعتدالا وتوازنا تجاه الصراع العربي الصهيوني.

وبالفعل، ورغم المبادرة الفلسطينية المسؤولة بالتهدئة وتعليق العمليات العسكرية لمدة من الزمن، واصل المحتل الصهيوني ممارساته الإرهابية ضد شعبنا من قتل واغتيال واعتقال ومداهمة، وتدنيس للمسجد الأقصى، ومصادرة للأراضي وبناء السور العنصري، ورفض للإفراج عن الأسرى إلا أعدادا بسيطة على سبيل المناورة والخداع واستيعاب الموقف الأميركي، حيث استمرت انتهاكاته وخروقاته في وضح النهار، دون أن تجد موقفا أميركيا حازما، أو موقفا دوليا يضع حدا لها.

بل إن زيارة شارون الأخيرة إلى واشنطن وفرت له دعما واضحا من الرئيس الأميركي جورج بوش وغطاء أميركيا لمواصلة التعنت والعدوان، في مقابل مواقف أميركية غير جادة تجاه الطرف الفلسطيني، خاصة أثناء زيارة رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس في حينه، رغم الالتزام الفلسطيني العالي بالمبادرة والخروقات الصهيونية المتواصلة لها.

ومع ذلك استمرت حركة حماس في نهج تغليب المصلحة العامة في قرارها، لكنها كانت ترى أن استمرار هذه الانتهاكات اليومية الاستفزازية يفجر الغضب ويزيد من حالة السخط لدى جماهير شعبنا، وربما يدفع الأمور إلى تداعيات ونتائج سيكون العدو الصهيوني هو المسؤول عنها.

واستشعارا من الحركة بخطورة الموقف المترتب على عدم التزام إسرائيل بشروط المبادرة واستمرار الجرائم والخروقات، وجهت الحركة رسائل للأطراف المعنية شرحت فيها مخاطر الموقف، وأرفقت مع هذه الرسالة ملفا كاملا للخروقات الإسرائيلية حتى بداية أغسطس/ آب 2003، وطالبت الحركة هذه الأطراف بضرورة أن تتحمل مسؤولياتها فيما يتعلق بالضغط على العدو.

ووجدت الحركة تفهما لموقفها وإدراكا لحقيقة النوايا الإسرائيلية وأبعاد الممارسات اليومية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.

”عملية
تصفية القائد إسماعيل أبو شنب كانت قرارا إستراتيجيا سعت إسرائيل من خلاله إلى تغيير قواعد اللعبة، والقضاء المبرم على الهدنة وحتى على تلك التفاهمات التي كانت تنسج خيوطها مع قيادات في السلطة الفلسطينية
ويجدر هنا أن نسلط الضوء على أخطر الخروقات والجرائم الإسرائيلية خلال فترة الهدنة والتي توجت باغتيال القائد المهندس إسماعيل أبو شنب:

  1. رفض الإفراج عن الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال، والقيام بخطوة خداعية بالإفراج عن بضع مئات منهم، وتعدت ذلك إلى ممارسة سياسة إذلالية قمعية بحق السجناء الفلسطينيين والعرب.
  2. الاستمرار في بناء الجدار الفاصل والذي سيبتلع قرابة 40% من أراضي الضفة الغربية إذا ما تواصل بناؤه حسب المخطط الإسرائيلي.
  3. ارتكاب جرائم الاغتيال بحق قيادات وكوادر من فتح وحماس والجهاد في كل من جنين ونابلس والخليل.
  4. سقوط أكثر من 17 شهيدا وأكثر من 120 جريحا.
  5. سرقة أكثر من 55 ألف دونم من الأراضي.
  6. استمرار سياسة الحصار والإذلال على الحواجز وكذلك حملات الاعتقال.
  7. إصدار قرار من الكنسيت الإسرائيلي يعتبر أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة غير محتلة.

هذه الخروقات وغيرها سبقت الجريمة الكبرى الممثلة في اغتيال المهندس إسماعيل أبو شنب، وكانت جميعها تؤشر إلى أن الاحتلال الصهيوني ليس مستعدا للتعاطي مع المبادرة التي طرحتها حماس وبقية فصائل المقاومة، وفي نظرنا أن عدم التعاطي الإيجابي مع المبادرة يرجع إلى الاعتبارات التالية:

أولا- طبيعة العقلية الصهيونية وأبعاد المشروع الصهيوني الذي يقوم على ركيزتين أساسيتين:
أ. احتلال أرض فلسطين.
ب. التخلص من الشعب الفلسطيني.

ثانيا- الهروب من تقديم الاستحقاقات السياسية والميدانية المترتبة على فترة التهدئة.

ثالثا- النزوع الدائم إلى تفجير الصراع داخل الساحة الفلسطينية، حيث أن حالة الانسجام أو التفاهم الذي عاشته الساحة الفلسطينية لم يكن مرضيا للمحتل حتى ولو كان ذلك على قاعدة تعليق العمليات القتالية بشروط معينة. وكل ذلك يتم من خلال دعم أميركي في كافة المجالات مما شجع العدو على الاستمرار في كافة أشكال العدوان.

ولم يكن قرار تصفية القائد إسماعيل أبو شنب قرارا عاديا، بل هو، من وجهة نظر المحللين، قرار إستراتيجي سعت إسرائيل من خلاله إلى تغيير قواعد اللعبة، والقضاء المبرم على الهدنة وحتى على تلك التفاهمات التي كانت تنسج خيوطها مع قيادات في السلطة الفلسطينية. ويرجع ذلك إلى أن الشخصية المستهدفة تميزت بالعديد من السجايا والمواصفات نذكر منها:

  1. المهندس إسماعيل أبو شنب يعتبر من القيادات التاريخية للحركة الإسلامية، نشأ في رحابها وعاش مراحل التأسيس الأولى في مرحلة إعادة البناء بعد دخول الاحتلال الإسرائيلي لمناطق الضفة وغزة عام 1967 وتربى مباشرة على يد الشيخ المجاهد أحمد ياسين حينما كان يسكن في مخيم الشاطئ في السبعينيات.
  2. يعتبر الشهيد (رحمه الله) شخصية محورية في العمل النقابي والمؤسساتي فهو من أوائل من عين مهندسا عاما لبلدية غزة وكذلك شغل منصب نقيب المهندسين بغزة.
  3. كما يعتبر الشهيد (رحمه الله) محوريا في تعزيز منهجية الحوار في الساحة الفلسطينية بهدف تكريس الوحدة الوطنية وسجل على هذا الصعيد حضورا مرموقا عكس منهجية راقية في توحيد الصف وجمع الكلمة لاسيما في مواجهة الأزمات الداخلية، ومثل حماس طويلا في هيئة القوى الوطنية والإسلامية قبل الانتفاضة كما مثلها في لجنة المتابعة العليا للانتفاضة.
  4. وكان الشهيد (رحمه الله) من قيادات السجون حيث أمضى ثمانية أعوام متواصلة، عمل خلالها على ترسيخ قواعد سليمة للعلاقات الوطنية، وبنى جسورا متينة بين الحركة الإسلامية الأسيرة وبقية فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وقد تابع بعد ذلك ملف الأسرى وشارك في هيئة التنسيق العليا لمساندة الأسير الفلسطيني، وعمل عضوا في لجنة ثنائية جمعت ممثلين عن حماس ووزير الأسرى الفلسطيني هشام عبد الرازق لدراسة ملفات الأسرى والاتفاق على الأسس والمعايير التي يجب أن تتوفر في الأسرى المفرج عنهم من قبل الاحتلال وذلك بعد إعلان الهدنة.
  5. فضلا عن أنه صاحب فكر ورأي يستند إلى وعي دقيق لطبيعة المرحلة، وإيمان عميق بمساحة الحوار المستمر الذي يجب أن يسود في أوساط الحركة الإسلامية على قاعدة مبدأ الشورى والمشاركة الواسعة في رسم السياسات واتخاذ القرارات.

لقد جاءت جريمة الاغتيال في سياقات خطيرة للسياسة الصهيونية، وذات تأثيرات مباشرة على الهدنة التي طرحتها فصائل المقاومة الفلسطينية ومستقبل الصراع في مداه المنظور. وهنا يجدر القول إن قرار إنهاء الهدنة هو قرار إسرائيلي وليس قرارا فلسطينيا، كما تحاول أن تصوره بعض المصادر بهدف تحميل الطرف الفلسطيني مسؤولية ذلك، فاغتيال الشهيد إسماعيل أبو شنب ومرافقيه الذي توج سياسة الاغتيالات خلال فترة الهدنة هو الذي أنهاها وأطلق الرصاصة الأخيرة عليها، الأمر الذي سيؤدي إلى تداعيات وتطورات خطيرة على المنطقة.

ويمكن رصد هذه التداعيات على النحو التالي:

  1. عودة قوات الاحتلال إلى تنفيذ المزيد من سياسات القمع والإرهاب ضد الشعب الفلسطيني، والعودة إلى الوجود العسكري المكثف في كافة المدن الفلسطينية، والتلويح بعمل عسكري في قطاع غزة واستمرار سياسة تصفية القادة والرموز.
  2. صعوبة الحديث عن إمكانية تجديد الهدنة، فالشارع الفلسطيني تجتاحه موجة غضب عارمة والاحتلال من ناحيته لن يعطي فرصة لذلك، والولايات المتحدة الأميركية قد أعطت الضوء الأخضر لانفلات أمني من قبل المحتل يمس بشكل مباشر الأمن الفلسطيني بنواحيه المختلفة.
  3. حتى التحرك المصري سيكون مثقلا بعملية الاغتيال الأخيرة، ستجد مصر صعوبة في العودة إلى تثبيت الهدنة، ولن تجد التجاوب الذي لقيته في المرة السابقة حينما طرحت الفكرة ذاتها على فصائل المقاومة الفلسطينية.


إسرائيل تشعل نار الخلافات الداخلية داخل السلطة ذاتها وتغرق الوضع الفلسطيني في بحر التناقضات المتعلقة بتعيين مسؤولي أمن جدد أو وزير داخلية جديد، حتى يبدو أن الحل يتمثل في إجراء إصلاحات أمنية وإدارية لدى الطرف الفلسطيني وليس في إزالة الاحتلال والاستيطان

وبناء على ذلك فإن السياسة الإسرائيلية، وكما هي العادة، ستعمل على رمي الكرة إلى الملعب الفلسطيني بهدف التغطية على جرائمها وخلط الأوراق من جديد، وذلك بغرض تحقيق أهدافها الثابتة مع كل مرحلة والتي تتلخص فيما يلي:

  1. العمل على التخلص من الانتفاضة والمقاومة.
  2. تكريس الاحتلال على الأرض الفلسطينية وضمان الأمن للمجتمع الإسرائيلي.
  3. نقل الصراع إلى الساحة الفلسطينية.
  4. العمل من جديد لاستئناف مفاوضات على قاعدة تصفية القضية الفلسطينية وفق المنظور الأميركي الإسرائيلي.

ومن أجل تحقيق ذلك فإنها سوف تعتمد سياسة تقوم على المحاور التالية:

  1. استمرار سياسة العدوان تحت ذريعة أن الجيش هو الذي سيتولى بنفسه توفير الأمن "للكيان".
  2. ويتوازى مع ذلك ممارسة ضغوط على السلطة الفلسطينية من أجل الشروع في إجراءات ضد المقاومة وبناها التحتية.
  3. الحرص على عقد لقاءات سياسية أو أمنية مغشوشة مع الطرف الفلسطيني لإيهام المجتمع الدولي أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.
  4. ويصاحب كل ذلك قرارات أميركية بهدف الضغط على حركات المقاومة، وتغطية إسرائيل وممارساتها ودفع حكومة محمود عباس للدخول في مواجهة مع فصائل المقاومة حيث أن المعادلة التي تعمل أميركا على أساسها هي "إما أن يقتل الشعب الفلسطيني نفسه بنفسه أو أن يستمر الاحتلال في قتله".
    وانعكس ذلك في قرار تجميد ما يسمى بأرصدة قيادات حماس، وربط الموافقة على إقامة دولة فلسطينية بقيام السلطة بتفكيك فصائل المقاومة، وهنا أيضا تكرس أميركا معادلة مغلوطة جديدة وهي أن الصراع الفلسطيني الداخلي هو الطريق لإقامة الدولة الفلسطينية المزعومة.
  5. ويتوازى مع ذلك إشعال نار الخلافات الداخلية داخل السلطة ذاتها وإغراق الوضع الفلسطيني في بحر التناقضات المتعلقة بتعيين مسؤولي أمن جدد أو وزير داخلية جديد، حتى تبدو المشكلة فلسطينية وأن الحل يبدأ في إصلاحات أمنية وإدارية لدى الطرف الفلسطيني، وليس في إزالة الاحتلال والاستيطان.

أما بالنسبة للوساطة المصرية، فمصر تتحرك دائما من منطلق موقعها العربي والإقليمي، وحرصها على القيام بالدور المنوط بها، وقد تعاملت حركة حماس دوما بإيجابية مع هذا التحرك من منطلقات عديدة يذكر منها:

  1. إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في عمقها العربي والإسلامي.
  2. استثمار الثقل العربي المصري لدعم حقوق الشعب الفلسطيني ومطالبه العادلة.
  3. عدم السماح للعدو بالاستفراد بالساحة الفلسطينية مجردة من عمق حدودي وإستراتيجي.
  4. تعزيز الشهود على مصداقية المقاومة الفلسطينية، ومسؤولية الاحتلال عن عدم الاستقرار في المنطقة مما يوفر للمقاومة غطاء عربيا في المحافل الإقليمية والدولية.

ومع أن حركة حماس رحبت دوما بأي تحرك عربي وجهد مصري فإن موقفها ظل محكوما برؤية ارتكزت على النقاط التالية:

  1. كما أن الحركة لا تتدخل في الشأن العربي الداخلي فإنها أيضا لا تسمح بتدخل في شأنها الداخلي وقرارها النابع من تقدير المصالح العليا للشعب الفلسطيني.
  2. التمسك بحق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه ومقاومة المحتل، وأن أي مبادرات يمكن أن تتعامل معها الحركة يجب أن لا تتناقض مع هذا الحق الثابت.
  3. الرغبة في السماح للشعوب العربية أن تعبر عن دورها في مساندة الشعب الفلسطيني وتقديم يد العون له في كافة المجالات.

وعلى هذا الأساس أعتقد أن حماس لن ترفض تحركا مصريا جديدا، ولا تسعى إلى أي قطيعة سياسية مع أي طرف عربي غير أن اغتيال المهندس إسماعيل أبو شنب ومرافقيه (مؤمن بارود أوهاني أبو أتعمرين) وتجربة الهدنة السابقة سيحكم الموقف في إطار يلحظ الأمور التالية:

  1. إن تجربة المبادرة السابقة وتقييم الموقف الصهيوني كان سلبيا ولا يشجع على استئناف الحديث عن الهدنة.
  2. إن دماء الشهيد القائد إسماعيل أبو شنب ثقيلة في ميزان الشعب الفلسطيني ولن يفرط فيها، كما أنها ستبقى عارا في جبين البشرية فالمهندس هو رجل سياسي وعلمي وأكاديمي ويحظى بموقع اجتماعي مرموق.
  3. إن الحديث عن تجديد الهدنة في ظل استمرار العدوان والتلويح بالتهديدات خارج عن السياق الطبيعي للأشياء.
  4. كما أن تفكير السلطة بأي إجراءات ضد المقاومة يجعل الحديث عن الهدنة عبثيا، ولا أرى أن حماس يمكن أن تقبل الوقوع بين فكي الكماشة.


كانت جنازة تشييع الشهيد إسماعيل أبو شنب ومرافقيه بمثابة استفتاء فلسطيني على حماية خيار الانتفاضة والمقاومة، وتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني، وقطع الطريق على المخطط الصهيوني الرامي إلى زج الشعب الفلسطيني في مأزق التناحر الداخلي
ويدرك القائمون على شأن الحركة حجم الضغوط التي تمارس على الشعب الفلسطيني وعلى الحركة على وجه الخصوص، ويرى بعض المراقبين أن ذلك سيجعل حماس أمام خيارات محدودة، خاصة إذا ما ذهبت السلطة لجهة الاستجابة للمطالب الأميركية والصهيونية في مواجهة المقاومة الفلسطينية، مع استمرار العجز العربي عن القيام بالدور المطلوب في كبح العدوان الصهيوني أو عدم التساوق مع السياسات الأميركية في المنطقة. ربما يكون ذلك صحيحا غير أنه لا يشكل كل الحقيقة ولا يمثل الصورة من كافة جوانبها فالحركة تمتلك خيارات متعددة، وتستند إلى عناصر قوة عديدة في المساحات الفلسطينية والعربية. ويمكن رصد ذلك من خلال النقاط التالية:

  1. خيار المقاومة أصبح هو خيار غالبية الشعب الفلسطيني الذي لم ير في المفاوضات أي إمكانية لاستعادة الحقوق، وفصائل المقاومة الفلسطينية ما زالت متمسكة بهذا الخيار بما فيها كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح.
  2. لا توجد هناك آفاق سياسية وذلك أن العدو الصهيوني لا يملك ما يقدمه على هذا الصعيد بل يعتمد سياسة المماطلة والتسويف واستمرار العدوان المستند إلى عنجهية القوة.
  3. الولايات المتحدة التي يراها البعض طرفا وسيطا أو راعيا لعملية التسوية ليس عندها ما تعطيه فضلا عن أن إدارتها الحالية أمام واقع متشابك لا يدفعها إلا إلى اتجاه واحد، ويتمثل هذا الواقع في:
    أ. حجم المقاومة العراقية المتصاعد ضد القوات الأميركية وما يترتب على ذلك من انعكاسات وخسائر.
    ب. إقبال الإدارة الأميركية على مرحلة الانتخابات الرئاسية القادمة وما يتطلبه ذلك من استمالة اللوبي اليهودي عن طريق تقديم المزيد من الرشاوى السياسية له.
    ب. الخلفية المسيحية الصهيونية للإدارة الأميركية الراهنة، وما تعنيه من عداء مستحكم للإسلام والمسلمين والعمل الدائم على التخلص من المقاومة الفلسطينية.
  4. يضاف إلى ذلك الصحوة الإسلامية الراشدة التي تشهدها الأمة، مما يشكل سندا وبعدا إستراتيجيا للحركة الإسلامية في فلسطين التي تشهد هي ذاتها انتشارا واتساعا أكبر من أي وقت مضى مما يؤهلها لتحديد سياساتها على ضوء مساحة الخيارات التي تملكها.

ختاما يمكن القول إنه على الرغم من أن اغتيال القائد إسماعيل أبو شنب شكل فقدانا لقيادة محورية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وللشعب الفلسطيني، وما عناه ذلك من قرار صهيوني باغتيال الهدنة وتغير لقواعد اللعبة، وما عكس ذلك من وضع الساحة الفلسطينية أمام خيارات محددة، فإن ذلك شكل لحماس انبعاثا جديدا وتأكيدا على التفاف الجماهير حول خيار المقاومة، وهذا ما عكسته جنازة تشييع الشهيد إسماعيل أبو شنب ومرافقيه وما اعتبره المراقبون من أن ذلك شكل استفتاء فلسطينيا على حماية خيار الانتفاضة والمقاومة، وتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني وقطع الطريق على المخطط الصهيوني الرامي إلى زج الشعب الفلسطيني في مأزق التناحر الداخلي.
ــــــــــــــــــ
* قيادي في حركة حماس

المصدر : غير معروف