بقلم/ معتز الخطيب

- هل لهذا كله معنى؟
- سؤال المفاهيم والتباساته
- الإسلام وتحدي أطروحة العلمنة
- تحولات العلمانية.. وتناقضاتها

كتب فوكوياما في ديسمبر/ كانون الأول 2001 أن "مسيرة التاريخ العريضة" ستتقدم بناء على نتيجة الحرب العسكرية (في أفغانستان والعراق)، و"التطور الثاني والأهم ينبغي أن يأتي من داخل الإسلام نفسه، فعلى المجتمع الإسلامي أن يقرر ما إذا كان يريد أن يصل إلى وضع سلمي مع الحداثة خاصة في ما يتعلق بالمبدأ الأساسي حول الدولة العلمانية والتسامح الديني". وتحدث كاتب آخر عن "الحرب في العراق ومستقبل العلمانية في المنطقة" (الحياة 28 سبتمبر/ أيلول 2003)، في حين أوصت مؤسسة "راند" البحثية (2004) –ضمن ما أوصت- بدعم العلمانيين في العالم الإسلامي وتعزيز فكرة فصل الدين عن الدولة في الإسلام.

في المقابل تحدث هنتنغتون في كتابه الأخير عن تحديات للهوية الأميركية، منها مناداة الليبراليين بشكل متكرر بسيادة قيم العلمانية وفصل الدين عن الدولة وعن الحياة العامة الأميركية، ما أضعف -برأيه- المكون الديني المسيحي للهوية الأميركية.

ويرى هنتنغتون أنه لبناء الهوية الأميركية لا بد من تحولين أساسيين، أولهما عودة الأميركيين للدين المسيحي وزيادة دور المسيحية في الحياة العامة الأميركية، وثانيهما الدور الذي يمكن أن يلعبه الإسلام كعدو أساسي جديد لأميركا. ومؤخرا كتب جون فول عن "الإسلام ونهاية العلمانية"، نهايتها بوصفها أحد أبعاد عملية التحديث وليس كأيديولوجيا منافسة.

هل لهذا كله معنى؟


يجب أن ترتكز الحرية على أسس أخلاقية
إننا أمام توجهين رئيسيين، الأول يدعو إلى العلمانية بوصفها حلا لمشكلة العالم الإسلامي مع "العالم الحر"، والثاني يدعو إلى دور للدين في الشأن العام والحياة العامة، ما يعني خروجا على المعنى الشائع للعلمانية، وإن كان لا يصل إلى القول بنهاية المفهوم حتى لا نقع في المبالغات الصحفية، فضلا عن أن حديث النهايات ربما قرئ على أنه ينطلق من أرضية متطرفة، ترى أن أي تحول عن المنظومة الأرثوذكسية لنسق أو مفهوم ما: هي نهاية له.

لكن مع هنتنغتون يتم استعمال الدين لتفعيل الصدام استكمالا لنظريته في صدام الحضارات التي هي تصنيف بحسب الدين أساسا، في حين أن "فول" يتحدث عن إمكان تحالف مع المؤمنين الذين يعتقدون أن للدين دورا في الحياة العامة بدلا من البحث عن الملحدين وأشباههم، لأن الحرية يجب أن ترتكز على أسس أخلاقية.

هذه الكتابات تحملنا إلى معالجة مسألتين: الأولى وهي إمكانية علمنة الإسلام كما تطرحه بعض رؤى الإصلاح الأميركية بعد 11 سبتمبر/ أيلول. والثانية هي التحولات التي تشهدها العلمانية خصوصا بعد أحداث سبتمبر/ أيلول، لكن لا يمكن الخوض في المسألتين كلتيهما دون الخوض في المفهوم والتباساته.

سؤال المفاهيم والتباساته


لم تكن السياسة في التاريخ الإسلامي هي الدولة وإنما كانت الفعل الاجتماعي أكثر من كونها الدولة
فمن المهم في أي حديث تحديد المفهوم أولا، لأن المفاهيم مفاتيح للفهم ومرايا للوعي، وكيف يمكن تحديد العلائق بين المفاهيم دون التمييز بينها وتحديد مدلولاتها؟ من هنا فإن "العلمانية" نفسها من أكثر المفاهيم التباسا، وكما يقول محمد أركون "كلمة العلمانية لا تدل على شيء، وليست لها أرضية مفهومية -ولا تاريخية ولا فلسفية- في اللغة العربية. إنما هي كلمة معلقة في الهواء".

ومن هنا تعددت تعريفاتها ومركباتها المفهومية، خصوصا في الفكر العربي المعاصر، ليس لكونها ليس لها أرضية مفهومية عربية فقط، بل لأنها متلازمة مع الغرب والاستعمار، بوصفها مكونا منسوبا إلى سياق حضاري وتاريخي خارجي، ومعاديا في الآن نفسه، وما يفرزه ذلك من التباسات متشعبة بدءا من الاختلاف بين طبيعة المسيحية والإسلام، وانتهاء باختلاف الثقافات وحديث الخصوصيات، فضلا عن التباس السجالات الأيديولوجية المسيسة حولها. ويأتي هذا في مقابل نزوع بعض العلمانيين إلى الحديث عن أنسنة المشروع العلماني ونسبته إلى البشرية عامة وتهميش مقولة المنشأ الغربي للمفهوم والنموذج.

إنه لا يمكن القول بأن المكونات التأسيسية للنموذج العلماني قد جاءت من حضارات وسياقات ومفاهيم اجتماعية متنوعة المصدر، الغرب واحد منها!، فذلك يؤول إلى اعتبارها "صالحة لكل زمان ومكان"، بمعنى أنها تغدو لا تاريخية في مقابلة مع "القرآن" بالنسبة للمسلمين، ما يجعلنا أمام دين في مواجهة دين!.

وضمن هذه الرؤية ربما يأتي حديث البعض عما سماه "الطبيعة العلمانية للإسلام"!. ومن ثم يغدو سؤال: هل الإسلام دين علماني؟ من هذا القبيل سؤالا أيديولوجيا يستعير التباسات مفهومية من خارج فضائه المفهومي كما سيتبين، فضلا عن أن المفهوم يعكس جملة من الأزمات والصراعات والرؤى الفلسفية والحلول للعلاقة بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية (الكنيسة) في السياق الغربي.

ورغم صعوبة تحديد مفهوم العلمانية، فإن التعريف البسيط والشائع لها هو "فصل الدين عن السياسة" أو الدولة، بمعنى أن الرسالة الأساسية التي جاءت بها هي الحد من تدخل الدين في الشأن العام. وهذا المعنى البسيط يثير عددا من الإشكالات والالتباسات المفهومية التي ينبغي تأملها وبحثها، إذ يستعير ثنائية "الدين والدولة" الغربية المنشأ، ويرادف بين السياسة والدولة.

مفهوم الدين -كما ورد في اللغة العربية وفي اللغات السامية جميعا- يشمل السياسة ويشمل الاقتصاد ويشمل الحساب والعقاب كيوم الدين ويشمل الخضوع والإذعان ويشمل الاستقرار كما في المدنية، ويشمل مجموعة من المعاني التي تعني نمطا حياتيا متكاملا فيه الاقتصادي والاجتماعي والديني والأخروي والعمراني وكل ما هو داخل في المعنى اللغوي لمفهوم الدين. وحين نضعه في ثنائية الدين والسياسة، نوازي بين الأصل وفرعه، فالسياسة فرع عن الدين بمعناه الواسع.

كما تتجلى صعوبة استخدام مفهوم "الدين" من نواحٍ عدة، منها العمومية والإطلاقية التي تضفى على هذا المفهوم، ووتوحي بالمساواة الكاملة بين مختلف الأديان، كما أنه لا يعير اهتماما للتمييز بين "الدين" و"الفكر الديني"، فالفكر الديني فى جزء كبير منه بشري متغير وغير مقدس، وعلى النقيض من ذلك "الدين" مقدس ثابت مطلق، في حين هو ينحاز مسبقا للفكر العلمي (المادي الحسي) بما هو فكر بشري أيضا يقصي نظيره ويرفض الميتافيزيقي، ومن ثم فلا معنى للحديث عن حياد.

وبالنسبة لمفهوم السياسة فهي تعني -كما يعرفها ابن القيم- "أخذ الناس إلى الصلاح، وإبعادهم عن الفساد". يقول ابن عقيل -أحد فقهاء الحنابلة- "لو أنك تقصد أنه لا سياسة إلا ما نطق به الشرع، فهذا غلط وتغليط للصحابة، السياسة هي أي فعل يكون فيه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، ولو لم يفعله الرسول ولو لم يرد فيه نص قرآني". فالسياسة فعل اجتماعي عام.

وأطلقت السياسة في التاريخ الإسلامي على كل ما يتعلق بأمور التهذيب والتربية والإصلاح والتكوين، ومن ثم لم تكن السياسة هي الدولة، وإنما كانت السياسة هي الفعل الاجتماعي أكثر من كونها هي الدولة.

هذه الالتباسات المفهومية تجعل من أي حديث عن العلمانية في السياق العربي الإسلامي محل إشكال، إذ تخضع لاستعارات خارجية وإسقاطات مغايرة.

الإسلام وتحدي أطروحة العلمنة


يشتمل الإسلام على إيمان ديني عميق بمعنى الدين المؤسس العقيدي القادر على تحدي أطروحة العلمنة بشكل كلي ومؤثر
إشكال العلمانية مع الإسلام لا يقتصر على اختلاف مفهومي، فثمة أسباب تاريخية وبنيوية وفكرية لممانعة الإسلام ضد العلمنة، ومن ثم لن يكون لدعوات الإصلاح الديني الأميركية المطروحة بعد 11 سبتمبر/ أيلول صداها وتأثيرها البنيوي على الإسلام.

كان الأنثربولوجي أرنست غلنر طرح تساؤلا عميقا وهو: "لم يكون دين واحد بعينه [الإسلام] على هذه الدرجة الملحوظة من مقاومة العلمنة؟" معتبرا القول بأن العلمنة تنتشر في الإسلام هو "ببساطة أمر زائف بالأساس".

تتلخص رؤية غلنر في أن الإسلام دين مؤسّس يختتم التراث الإبراهيمي وأنبياءه بصورة نهائية، وفكرة التوحيد فكرة مركزية صارمة فيه، وأن الإسلام عقيدة وشريعة معا، وليس هناك من انفصال بين خصائص العقيدة وخصائص الشريعة، كما أنه لا يوجد فيه قانون كنسي، بل شريعة مقدسة في ذاتها قابلة للتطبيق على جماعة المؤمنين لا على تنظيم أو مؤسسة.

ولحقيقة استيلاء الألوهية على التشريع مضامين عميقة، ما يعني أن ثمة نوعا من الفصل بين السلطات داخل تركيبة المجتمع الإسلامي منذ البداية الأولى، فهي تُخضع السلطة التنفيذية إلى التشريع (الإلهي)، وفي الممارسة الفعلية تحول اللاهوتيون/ القانونيون إلى مراقبين يضبطون ويرصدون صراطية واستقامة وصلاح السياسة بغض النظر عما إذا كانوا يملكون سلطة تنفيذية أم لا.

أما مبدأ "لا تجتمع أمتي على ضلالة" فربما يمنح إجماع الأمة -لا المركز السياسي- نوعا من السلطة التشريعية، وضمن إجماع الجماعة هذا يصبح صوت العلماء والفقهاء مؤهلا لأن يملك ثقلا خاصا.

وأمكن للشريعة أن تتوسع بناء على منهجية معرفية راسخة (أصول الفقه)، فكان القانون الدستوري –إذا جاز التعبير- والمعيار المتعالي المتاح والمتفوق للاستقامة والصلاح بعيدا عن متناول السلطة السياسية والتلاعب به لمصلحتها.

كما أن الإسلام يغيب فيه نظريا طبقة رجال الدين (الإكليروس)، فليس هناك مكانة مقدسة تفصل الداعية أو المرشد وغيره عن جماهير المؤمنين، فهو وإن تمتع بكفاءة ومكانة أرفع، ليس كائنا اجتماعيا من نوع مختلف، وبهذا يتميز النظام اللاهوتي الإسلامي بالمساواتية التامة، والمؤمنون على نفس المسافة من ربهم.

وتاريخيا لم يعرف المجتمع الإسلامي ازدواجية الكنيسة/ الدولة، وأحد أسباب ذلك النجاح السياسي السريع والمبكر الذي عرفه الإسلام في وقت لم يكن فيه المجتمع الكارزمي الأصلي بحاجة إلى تعريف نفسه باعتباره معاديا للدولة، فقد كان هو الدولة منذ البداية الأولى.

الخلاصة التي ينتهي إليها غلنر أن في الإسلام إيمانا دينيا عميقا، بمعنى الدين المؤسس العقيدي القادر على تحدي أطروحة العلمنة بشكل كلي ومؤثر.

تحولات العلمانية.. وتناقضاتها


أثرت العودة العامة للدين في أميركا على الحياة السياسية وتمظهرت في الحضور الكبير للقضايا الدينية والمتدينين في إدارة الرئيس الحالي بوش
في سنة 2000 تحدث جون أسبوزيتو وجون كين وآخرون ضمن كتاب "الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط" عن فشل تيار العلمانية في بلدان الشرق الأوسط، وأنه في انحسار مستمر لصالح تيار الفكر الإسلامي.

ثم جاءت أحداث سبتمبر/ أيلول وما تلاها من حروب أميركية وجهاد ضدها وجدل ديني سياسي على مستويات مختلفة من السياسة إلى التعليم والممارسة الدينية، وتعاظم دور القوى الدينية وتأثيرها في الحياة السياسية العراقية كل ذلك أسهم في بروز ودعم تلك الأطروحة.

قد يبدو ذلك أمرا عاديا يؤكد أطروحة غلنر، لكن المثير والجديد هو التسييس الشديد للمشاعر الدينية الأميركية، من خلال الإقبال المستجد من جانب "المولودين من جديد" على النزوع التبشيري الكبير، والهجوم للسيطرة على سياسات الدولة الأميركية الخارجية، خاصة في الشرق الأوسط، وهو يعكس مظاهر الصحوة الدينية في الولايات المتحدة، خاصة خلال عقد التسعينيات، وهي صحوة سادت مختلف الطوائف الدينية الأميركية وعلى رأسها الجماعات الإنجليكية التي نجحت في بناء عدد كبير ومؤثر من المؤسسات السياسية.

العودة العامة للدين في أميركا انعكست على الروايات الأميركية وظهرت في الشركات والمؤسسات الاقتصادية، كما أثرت على الحياة السياسية، وتمظهرت في الحضور الكبير للقضايا الدينية والمتدينين في إدارة الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش.

الصحوة الدينية -وفقا لتحليل هنتنغتون- تصب مباشرة في الدور المساعد الذي يمكن أن يلعبه الدين على الساحة الدولية، ومن ثم فهو يبشر بأن العودة للمسيحية تمثل عاملا مهما في دعم الهوية الأميركية ونشرها خلال الفترة الراهنة.

هذه التحولات تعني -ضمن ما تعني- ضرورة الفصل بين التحديث والعلمنة، والمثال الأبرز والمعبر هنا هو تلك الدعوة الأميركية لتخصيص يوم للصلاة لنصرة الجنود الأميركيين في العراق التي ترافقت مع خطط الحرب، وهو ما يؤكد فكرة جون فول، ويتفق مع غلنر أيضا الذي يقول إن "عالم الإسلام يُظهر بوضوح أن من الممكن إقامة اقتصاد عصري -أو على طريق العصرنة- تخترقه بشكل معقول المبادئ التكنولوجية والتعليمية والتنظيمية المناسبة، ويعمل على ضمها وتوحيدها مع الإيمان الراسخ والتماهي في الإسلام، بكل ما يملكانه من قوة وانتشار وقدرة قادرة على الاندماج في الذات".

ورغم أن أطروحة هنتنغتون والتحولات السابقة تشكل تحديا للعلمانية، فإنها تسهم في تعرية "الأصولية العلمانية"، خاصة العربية التي ترى أن العلمانية هي الخيار الأوحد لتحقيق التحديث والديمقراطية.

ففي مؤتمر "الديمقراطية والإصلاح في الوطن العربي" (الدوحة 3 يونيو/ حزيران 2004) ألح البعض على ضرورة العلمانية كشرط لتحقيق الديمقراطية، وهي دعوة لا تريد أن تعترف بالتغيرات التي تحدث على الساحة الفكرية والسياسية، كما لا تحترم معتقدات الشعوب، ولا ترى وسيلة للتعامل معها إلا بقطع الطريق عليها وقمعها، لأنها تدرك جيدا أن دعوة العلمانية إلى حرية العبادة وحرية الاجتماع الديني يقود في نهاية المطاف إلى زيادة رقعة الدين والدعوات الدينية للتدخل في الشأن العام والسياسة، وبهذا القمع تفقد صفتها الأساسية وهي الليبرالية، ما يجعلها متلازمة مع الدكتاتورية كما هي حاليا، وهنا يتم تبرير الانقضاض على الديمقراطية تحت ذريعة أن الإسلاميين لا يعترفون بها كما حدث في الجزائر مثلا، أو منع الحجاب في فرنسا تحت مسمى الاندماج وصيانة العلمانية!
ــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة