بقلم: عبد الله العمادي*

- الثقافة من أيام اللؤلؤ إلى عصر النفط
-
التحولات الفكرية من "الليبرالية" إلى "الإسلامية"
-
من سرعة التحولات إلى الركود المطبق
-
الثقافة والتحولات الجديدة

أعلام دول مجلس التعاون الخليجي بجانب شعار المجلس

إقليم الخليج من الأقاليم المهمة في العالم العربي التي تأثرت كثيرا بظهور النفط فيها في أربعينيات القرن الفائت وشهدت تحولات ملحوظة في العديد من المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وفي فترة زمنية قصيرة بمعيار أعمار الأمم والحضارات لا تتجاوز الأربعين سنة تقريباً، انتقل الخليج حكومات وشعوباً من مرحلة بداوة شديدة وقحط أشد إلى مرحلة شهدت الكثير من الرفاهية مع ما لذلك من نتائج غيرت العديد من المفاهيم والقيم.


لم يكن الخليج يعرف كثيراً من مفاهيم ونظم الدولة الحديثة في فترة الأربعينيات وما قبلها، وكان مكتفيا بنظام القبيلة في الحكم على الصعيد السياسي، ويعتمد على بعض الزراعة والرعي ومن ثم الغوص على اللؤلؤ على الصعيد الاقتصادي
وقد كان للقفزة الهائلة في المجال الاقتصادي على وجه الخصوص دور كبير ومؤثر في العديد من مجريات الحياة والأمور في المنطقة.

هذا الخليج لم يكن يعرف كثيراً من مفاهيم ونظم الدولة الحديثة في فترة الأربعينيات وما قبلها، وكان مكتفيا بنظام القبيلة في الحكم على الصعيد السياسي، ويعتمد على بعض الزراعة والرعي ومن ثم الغوص على اللؤلؤ على الصعيد الاقتصادي.

وقد لعبت بريطانيا دوراً مؤثراً في الكثير من الأحداث التي وقعت بالمنطقة، بل تولت هي جانب السياسة الخارجية لأكثر إمارات إقليم الخليج، وعملت على تشكيل ثقافات معينة في المنطقة التي لم تكن أكثر من مشيخات متفرقة هنا وهناك لم تفكر أو لم تكن قد وصلت بعد إلى مرحلة التفكير بأسلوب الدولة الحديثة.

الثقافة من أيام اللؤلؤ إلى عصر النفط

ولقد سادت ثقافة اللؤلؤ -كما يحلو للبعض أن يطلق هذا المصطلح- على فترة ما قبل اكتشاف وظهور النفط.. وكانت الظروف الحياتية حينذاك من مشقة وصعوبة من أسباب شيوع تلك الثقافة، حتى صار التفكير أبعد من اللؤلؤ وما يدور في فلكه ضربا من الخيال والجنون، بل لم يكن ليلقى بالا أن أحدا بدأ بالحديث عن بعض القيم والمبادئ والشعارات التي كانت سائدة حينها في كثير من الدول العربية الكبيرة مثل مصر والعراق وبلاد الشام.. وظل الحال في إقليم الخليج راكداً إلى أن أذن الله بظهور هذا النفط.

ومنذ أن بدأ النفط في الظهور وبدأت عمليات الإنتاج والتصدير وما تبع ذلك من إيرادات ضخمة دخلت إلى خزائن دول الإقليم التي كانت استقلت حديثاً في الوقت نفسه عن الاستعمار البريطاني، والحاجة التي كانت ماسة لديها إلى الأموال كأحد أهم المتطلبات الأساسية للبناء والتعمير والنهضة الشاملة.. منذ تلك الفترة ودول إقليم الخليج العربية بدأت تستعد لمرحلة مهمة في تاريخها القصير الذي بدأ فعليا مع ظهور النفط. تلك المرحلة تتمثل في الانتقال السريع من شظف العيش إلى سعته، ومن مرحلة الكد والجهد من أجل لقمة العيش إلى سهولة الحصول عليها والتوجه السريع إلى الاستهلاك بكل مظاهره، وما سيصاحب ذلك -بعد قليل من الزمن- من تغيير كبير في المفاهيم والقيم ورؤية الأمور بمنظار جديد.

التحولات الفكرية من "الليبرالية" إلى "الإسلامية"

الهاجس الأمني لدى دول مجلس التعاون الخليجي
في فترة الستينيات من القرن الماضي تأثرت بعض مناطق الخليج -مثل الكويت على وجه الخصوص- ببعض الأفكار التي كانت سائدة في بعض الدول العربية كالعراق ومصر والشام، وظهرت في الكويت حركات وتجمعات ومنظمات لكنها لم تكن لتصل إلى مستوى نظيراتها في بعض الدول العربية. تلك التجمعات صارت تطالب ببعض الإصلاحات وتطبيق بعض المفاهيم متأثرة بالتوجهات والأفكار التي سادت العالم العربي كالماركسية والليبرالية والقومية العربية والناصرية بالإضافة إلى أفكار إسلامية كان التأثير الأكبر فيها لأفكار الإخوان المسلمين من بين الأفكار والتوجهات الإسلامية التي سادت بعض دول الإقليم.

الليبرالية في الكويت والبحرين

ولقد بدأ التيار الليبرالي يؤثر مبكراً في الكويت ومن ثم البحرين حتى قبل ظهور النفط تقريباً. ولعل الموقع الجغرافي للبحرين والاحتكاك المتواصل مع الكثير من الشعوب بسبب التجارة وظهور أندية ومدارس وبروز مثقفين اتصلوا مبكراً بمثقفين عرب، أثر كثيراً في انتشار الفكر الليبرالي فيها في الوقت الذي كان لجوار العراق للكويت أثره المباشر في تعزيز الفكر الليبرالي في الكويت. وظهرت تنظيمات ليبرالية في الكويت ولكن بصورة سرية بسبب حظر العمل السياسي وقلة وسائل التعبير حينها. ولقد ظهرت منشورات باسم الحزب الوطني الديمقراطي الكويتي لأول مرة في عام 1954 تندد بسياسات بريطانيا في الخليج واحتكار شركات النفط الأجنبية وضرورة وضع دستور للبلاد. وظهرت بعدها العصبة الديمقراطية الكويتية في أغسطس/آب 1954 أيضاً -وكانت تنظيماً علنياً- ودعت الكويتيين إلى الانضمام إليها، وطالبت بإقامة الحكم البرلماني والتصدي لبريطانيا والاستقلال عنها.

وبعد حرب يونيو/حزيران 1967 وما أصاب العرب من هزيمة نكراء على يد القوات الإسرائيلية، أصابت حركة القوميين العرب نكسة على أثر تلك الهزيمة، فوقعت بعض الانشقاقات في صفوفها منها ما حدث في الكويت وظهور تنظيم التجمع الديمقراطي ذي التوجه الليبرالي القومي، وطالب بالحفاظ على الثروة النفطية من التبديد والإسراف في الإنتاج، وتحقيق العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد. وكان من أبرز أعضاء التنظيم عبد الله النيباري وأحمد الربعي وسامي المنيس. وظهر تنظيم آخر تحت اسم المنبر الديمقراطي، وكان تنظيماً ليبرالياً كذلك وأبرز أعضائه الدكتور أحمد الخطيب. وتبع ذلك ظهور تنظيم مماثل في التوجه سمي بتجمع الأحرار الديمقراطيين وكان من أبرز أعضائه الدكتور عبد الله النفيسي.

وفي البحرين نشأت اللجنة الوطنية للدفاع عن حرية البحرين، وكانت ذات منهج ليبرالي يدعو إلى مقاومة الاستعمار البريطاني أيضاً ورفع الظلم الواقع على البحرينيين في شركة النفط "بابكو" إضافة إلى المطالبة بحرية التعبير والعدالة في توزيع ثروات البلاد، وظهرت هذه اللجنة عام 1954.

الليبرالية في السعودية


ظهر تنظيم ليبرالي في السعودية عام 1958 تحت مسمى "الأمراء الأحرار" بزعامة الأمير طلال بن عبد العزيز الذي استفاد من الخلاف القائم بين الملك سعود والأمير فيصل وطالب بعدد من الإصلاحات أهمها وضع دستور دائم للبلاد وتفعيل دور مجلس الشورى
وظهر تنظيم ليبرالي في السعودية عام 1958 تحت مسمى "الأمراء الأحرار" بزعامة الأمير طلال بن عبد العزيز الذي استفاد من الخلاف القائم بين الملك سعود والأمير فيصل وطالب بعدد من الإصلاحات أهمها وضع دستور دائم للبلاد، وتفعيل دور مجلس الشورى. وأيد كثير من المثقفين وبعض التجار أفكار الأمير طلال الذي غادر المملكة بعد أن توترت العلاقات بينه وبين الأمير فيصل إلى القاهرة ومن ثم إلى بيروت التي باشر منها إصدار البيانات والنشرات المناهضة لحكم الملك سعود، وطالب بالإصلاحات الديمقراطية والدستورية.. ولكنه اعتزل العمل السياسي أواخر السبعينيات وعاد إلى المملكة بعد عفو الأسرة المالكة عنه مع بعض إخوانه الذين شاركوه في العمل السياسي ضد الملك سعود مثل الأميرين بدر وعبد المحسن.

القوميون في عُمان
وفي سلطنة عمان ظهر فرع لحركة القوميين العرب بواسطة الفلسطينيين الذين هاجروا إليها بعد قيام الدولة العبرية عام 1948، وأنشأ مجموعة من شباب ظفار الحركة وكانت مرتبطة بالتنظيم الأم، حتى انشقت مجموعة من الظفاريين وأنشأت الجمعية الخيرية الظفارية عام 1963 وكانت تمارس عملها سراً، وكان من أبرز قيادييها وزير الشؤون الخارجية العماني حالياً يوسف بن علوي، وكان من أبرز مطالب الجمعية الانفصال عن عمان واستقلال ظفار، ولكن حصلت بعد ذلك تغيرات كثيرة على الجمعية من انشقاقات حتى انتهت عام 1968.

الناصرية في الخليج
وكان للناصرية نصيب كبير من الانتشار في أغلب دول إقليم الخليج. وحظيت برصيد شعبي كبير حتى صارت الشعوب الخليجية تهتف باسم وحياة الرئيس جمال عبد الناصر، وصارت إذاعة صوت العرب هي الإذاعة المسموعة في كل الخليج.

الحركات الإسلامية في الخليج
أما بشأن التيار الإسلامي فإن تأثير حركة الإخوان المسلمين في مصر كان واضحاً في عدد من دول إقليم الخليج مثل الكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية وقطر، فظهرت جمعية الإصلاح البحرينية عام 1944، ثم ظهرت جمعية الإرشاد الإسلامية في الكويت عام 1952 وكانت تسير وفق الفكر الإخواني، ثم ظهرت جمعية الإصلاح في الكويت أيضاً عام 1963 وكانت وما زالت إحدى واجهات جماعة الإخوان المسلمين في الكويت، ولها تأثير في الحياة الكويتية بشكل عام.


كل التنظيمات التي اتخذت من الماركسية منهجاً لم تقدر على الصمود والمواصلة في الخليج نظراً لغرابة أفكارها وأطروحاتها عن غالبية الشعوب الخليجية، إضافة إلى لجوئها إلى العمل السري ومطاردة الحكومات لها بقوة مما جعلها تختفي تدريجياً حتى انتهت عملياً ”
التنظيمات الماركسية في الخليج
وشهد إقليم الخليج كذلك ظهور تنظيمات ماركسية منذ الخمسينيات وإن كانت أغلبها سرية، فظهرت لجنة العمال في المملكة العربية السعودية ونشطت في أوساط عمال شركة "أرامكو" النفطية، ومن ثم ظهرت جبهة التحرير الوطني في البحرين عام 1955، ثم تبع ذلك ظهور تنظيم بالاسم نفسه في السعودية عام 1958، وأخرى في قطر عام 1963، ومن قبلها بسنتين ظهرت منظمة الشيوعيين السعوديين وكان أغلب أعضائها من عمال شركة "أرامكو". وكان من أبرز وأشد التنظيمات الماركسية في الخليج الجبهة الشعبية لتحرير عمان التي كانت تؤيد فكرة التصادم مع الحكومات بشكل مباشر.

ولكن كل التنظيمات التي اتخذت من الماركسية منهجاً لم تقدر على الصمود والمواصلة في الخليج نظراً لغرابة أفكارها وأطروحاتها عن غالبية الشعوب الخليجية، إضافة إلى لجوئها إلى العمل السري ومطاردة الحكومات لها بقوة مما جعلها تختفي تدريجياً حتى انتهت عملياً.

من سرعة التحولات إلى الركود المطبق

إن الحالة الاقتصادية الجديدة التي بدأت تعيشها شعوب الإقليم بعد تدفق عوائد النفط وخيراتها من الأسباب الرئيسية التي دفعت بعض المثقفين الناشطين إلى التحرك يمنة ويسرة لنقل ما كان حيويا في بعض أجزاء من العالم العربي إلى دول إقليم الخليج العربية منعاً لتبديد الثروة الجديدة وانفراد فئات قليلة بالاستفادة من خيراتها.. فظهرت من جراء ذلك التنظيمات والتجمعات المختلفة.

ولكن نظراً لانشغال الكثيرين بلقمة العيش اليومية والتهافت الكبير للحصول على خيرات وعوائد النفط عبر صور وأشكال متعددة، إضافة إلى عدم وضوح الرؤى لدى غالبية الشعوب الخليجية لأهداف تلك التحركات، وعدم الاحتكاك والتواصل مع شعوب الدول المختلفة، كل ذلك يمكن اعتباره من العوامل المهمة أيضاً التي لم تساعد على استمرار تلك التنظيمات أو التجمعات والتحركات في الخليج، بل جعلتها تتراجع شيئا فشيئا أمام الزحف الهائل للثروة الكبيرة التي انهالت على دول الإقليم بسبب إيرادات النفط الضخمة.

وهكذا بدأت حرارة وحيوية الناشطين تقل في ظل النشاط الذي حل بالمنطقة وشعبها من الناحية التجارية والاقتصادية، وفي وقت بدأ الكل يشمر عن ساعديه لينال من تلك الثروة بعيدا عن أي أفكار أخرى تحررية كانت أو إصلاحية أو غيرها. ذلك أن الهم الأكبر كان عند الحكومات كما الشعوب هو الثروة وكيفية الاستفادة منها، فأما الحكومات فقد بدأت تتجه نحو العمران وتأسيس نفسها كدول مستقلة حديثا، في حين أن الأفراد بمستوياتهم المختلفة من برجوازيين وتجار وطبقة وسطى، بدؤوا يتعاونون فيما بينهم من جهة وبين الحكومات من جهة أخرى لتطويع تلك الثروة المتدفقة في تحقيق نتائج إيجابية على الطرفين.


رغم اتساع رقعة التعليم والمتعلمين وكثرة المبتعثين للخارج والاتصال بثقافات عديدة فإن ذلك لم يغير من الأمر الشيء الكثير إذ ظل الخليج على حاله
وانتبهت الدول إلى إمكانية ضبط الأمور ومنع تلك التحركات والنشاطات من الظهور مرة أخرى والتسبب بإزعاجات وعدم استقرار، وذلك عن طريق المال، فعملت على جذب العناصر المهمة الناشطة وإغرائها بالمناصب والامتيازات والمخصصات المالية حتى نجحت بنسبة كبيرة في ذلك وخمدت بسببها أغلبية تلك النشاطات، ومن لم تقدر الحكومات على تطويعهم بالمال انتهى الحال بهم إما إلى السكون والانزواء أو الهجرة والعيش في الخارج لحين من الزمن. وهكذا لعبت الثروة دورا في تشكيل ثقافة جديدة في منطقة الخليج، وصار المال وطرق تحصيله أهم أساسيات وركائز تلك الثقافة.

ورغم اتساع رقعة التعليم والمتعلمين وكثرة المبتعثين للخارج والاتصال بثقافات عديدة فإن ذلك لم يغير من الأمر الشيء الكثير إذ ظل الخليج على حاله من اتجاه سريع مستمر إلى الاستهلاك والتقليل من الإنتاج، إضافة إلى الاعتماد على الغير في كثير من شؤون الحياة اعتمادا على الثروة الموجودة، حتى ارتبطت ثقافة النفط بثقافة الاستهلاك وغياب فقه الأولويات في بناء الدول الحديثة.

الثقافة والتحولات الجديدة

ولكن مع مرور الزمن وكثرة الأزمات التي حلت على المنطقة من أزمات اقتصادية وحروب وضغوط خارجية لأسباب عديدة، بدأ الزمن دورته من جديد مرة أخرى، وبدأت التذمرات تتصاعد حدة ووتيرة، وبدأ الحديث عن الإصلاحات ومحاربة الفساد بأشكاله المختلفة يعود إلى السطح من جديد. فالثروة النفطية بعد أربعين عاما لم تعمل الكثير كما ينبغي للمنطقة، ولم يستفد الكل منها بل ظلت تراوح مكانها، والدول لم تبلغ المستوى المنشود ولم تحقق المطلوب، بل إن المخاوف كبيرة وكثيرة من أن أزمات عديدة في الطريق قد تقع مع مرور الأيام وتتأزم الأوضاع دون أن تتمكن هذه المادة والثروة من تحقيق ما كان الكل يحلم به ببناء دول متمكنة قادرة على العيش اعتمادا على الذات وتستفيد من المال في النهوض بنفسها وشعوبها على كافة المستويات.

ها هي صيحات الإنذار تتعالى وتتوالى من شبح البطالة، ومن تعمق خاصية الاستهلاك في الجيل الحالي وربما القادم أيضا، وانزواء خاصية الإنتاج في الشعب الخليجي، والتمهيدات الخاصة لعودة الشركات الأجنبية وعهود الاحتكارات والاستعمار ورهن المرافق والممتلكات، متزامنة مع مشكلات نتجت من كثرة الاعتماد على الغير من الأيدي العاملة لا سيما الأجنبية غير العربية. وازدادت المخاوف من جديد من إمكانية وقوع المنطقة تحت الاحتلال مرة أخرى من قبل قوى متنافسة على الطاقة، وإن كان ليس شرطا أن يكون الاحتلال عسكرياً كما في السابق.

كما أن الضغوط الخارجية شديدة إضافة إلى الداخلية والتي تطالب جميعا بضرورة الإسراع في العمليات الإصلاحية الحقيقية الجادة، وأهمية المشاركة الشعبية في صنع القرار سياسيا كان أو اقتصاديا أو غير ذلك، مع أهمية إقامة البرلمانات الحقيقية لا المزيفة المعطلة، وبناء مؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى فسح المجال واسعا أمام حرية التعبير والرأي دون قيود أو تعليمات، مع أهمية الانتباه إلى الخطر الأكبر والأكثر تأثيرا وهو العولمة بكافة أبعادها وتوجهاتها ومدى قدرة إقليم الخليج بدوله وشعوبه على التصدي لتأثيراتها السلبية والوقوف أمامها وضمان عدم الذوبان أو السير في ركابها بصورة سلبية.

إن البنية التحتية للشعوب الخليجية من فكر وثقافة وعلم ليست بالمستوى الذي يمكنها أن تواجه خطرا عظيما مثل العولمة، لسبب وجيه مرجعه إلى ذلك النمط الذي عاش عليه الشعب الخليجي قبل وبعد ظهور النفط، والقفزات الكبيرة بين المرحلتين، وعدم التدرج في الانتقال بين المرحلتين بصورة طبيعية هادئة.

إن أكثر المطالبات في الخليج اليوم تكاد تنحصر في نقاط محدودة مثل ضرورة البدء بالإصلاح الداخلي ومحاربة الفساد والنهوض بالمنطقة وشعوبها من جديد، إضافة إلى الديمقراطية الحقيقية والوحدة والعدالة وضرورة المشاركة الشعبية في السلطة مع حرية التعبير والرأي، والعمل الجاد على عدم وقوع المنطقة من جديد تحت رحمة الهيمنة الأجنبية بأي صورة كانت.

وما لم تبدأ الدول الخليجية باستيعاب أهمية تلك المطالبات سريعا وتعمل على التكاتف مع الشعوب في التوصل إليها بالصيغة المناسبة فإن خطر عدم الاستقرار أمر وارد لا محالة في ظل الأوضاع الاقتصادية غير المستقرة التي تؤثر بالضرورة في كثير من مجريات الحياة والأمور بالمنطقة. فهل تصمد ثقافة اللؤلؤ والنفط أمام التحديات القادمة في عصر التحولات هذا؟
_______________
* كاتب وصحفي قطري

المصدر : غير معروف