بقلم: ياسر الزعاترة*

-الأبعاد الشخصية الحزبية في الصراع.
-
مسار الانتخابات القادمة.
-
دخول عربي فلسطيني على خط الانتخابات.
-الوضع السياسي بعد الانتخابات.

إثر قرار شارون تبكير موعد الانتخابات نتيجة انسحاب حزب العمل من حكومة (الوحدة الوطنية)، دخلت إسرائيل في مسلسل انتخابي يبدأ في التاسع عشر من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري (انتخابات رئاسة حزب العمل)، وينتهي في الثامن والعشرين من يناير/كانون الثاني القادم، بانتخاب أعضاء الكنيست ورئيس الوزراء.

وإذا كان انفراط عقد حكومة (الوحدة الوطنية) التي دامت عامين بين حزبي الليكود والعمل هو السبب في تبكير الانتخابات، فإن سؤال أسباب انفراط تلك الحكومة يغدو أساسياً لفهم طبيعة المسار القادم هناك.

كان السبب الظاهر لانفراط الحكومة، هو الخلاف الذي دب بين قطبي الحكومة شارون وبن إليعازر بشأن الموازنة العامة، وما جرى تخصيصه للمستوطنات على حساب قضايا أخرى رآها العمل أكثر أهمية، لاسيما وسط تراجع كبير لم يسبق له مثل في الاقتصاد الإسرائيلي.

من الواضح أن هذا الجانب في القضية لم يكن سهلاً بحال، وإن لم يكن هو كل شيء، فاستطلاعات الرأي كانت منذ أكثر من عام لا تمنح شارون أكثر من 20% في سياق الثقة بأدائه الاقتصادي والاجتماعي، خلافاً لأدائه الأمني والعام. وقد جاءت آخر المعلومات حول الأوضاع الاقتصادية لتضع السياسيين أمام مسؤوليات خطيرة، فقد حذرت مؤسسة التأمين الوطني من أن تنفيذ موازنة الحكومة للعام القادم سينقل "إسرائيل" لأول مرة في تاريخها إلى نسبة فقر تزيد على 21% من السكان، وسيدفع مائة ألف مواطن آخر إلى أسفل السلم الاقتصادي.

من هنا يمكن القول إن الشعور العام بثقل الوضع الاقتصادي ربما ساهم في دفع العمل نحو الاستقالة أملاً في تجنب تبعات التدهور، وإشعاراً للناخب بأن انسحابه قد جاء دفاعاً عن مصلحته ورغيف خبزه.

الأبعاد الشخصية الحزبية في الصراع


إن المسكوت عنه في أسباب انهيار حكومة الوحدة، لكونه ضد مصلحة الطرفين، هو الفشل في مواجهة المقاومة الفلسطينية، على رغم ما جرى توجيهه لها من ضربات كبيرة خلال الشهور الستة الماضية
من المؤكد أن استطلاعات الرأي القائلة بتفوق عمرام متسناع رئيس بلدية حيفا على وزير الدفاع بن إليعازر في انتخابات رئاسة حزب العمل، قد لعبت دوراً كبيراً وربما حاسماً في دفع الأخير إلى التفكير بالنهوض من حضن شارون أو الخروج من تحت عباءته. إذ لا شك أن قواعد حزب العمل لم تكن راضية عن تماهي لون الحزب في (الليكود) خلال عامي حكومة الوحدة، ولهذا كان الحمائمي متسناع هو حل هذه الإشكالية في وعيها.

بن إليعازر أراد خوض هذه اللعبة، عسى أن تؤدي إلى بقائه في رئاسة حزب العمل. ولا شك أن معالم الفشل في سحق الانتفاضة قد ساهمت هي الأخرى في اللعبة، فقد كان التبرير الأهم لحكومة الوحدة هو الوقوف في وجه "الإرهاب" الفلسطيني وما يمثله من "تهديد وجودي" للدولة، ولما أعلن شارون انتصاره على "الإرهاب" وتبين أنه انتصار زائف، عادت موجة السخط من جديد، لاسيما في جانبها الاقتصادي والاجتماعي، ذلك أن الضغط الذي وافق الإسرائيليون على التعايش معه، إنما كان أملاً في تحقيق الانتصار، ولما تبدد الوهم وتبين لهم أن حكومة الوحدة لم تجلب الأمن والسلام، كما دهورت الاقتصاد أكثر فأكثر أعادوا النظر في موقفهم.

لذلك يمكن القول إن المسكوت عنه في أسباب انهيار حكومة الوحدة، لكونه ضد مصلحة الطرفين، هو الفشل في مواجهة المقاومة الفلسطينية، على رغم ما جرى توجيهه لها من ضربات كبيرة خلال الشهور الستة الماضية.

هناك جانب يتصل بالوضع الدولي، فلا شك أن المرجعية الأميركية التي يحركها اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة، كان لها دور فيما جرى، من خلال رفع الغطاء عن حكومة الوحدة وعدم الإصرار على بقائها، لاسيما بعد أن شعرت تلك الدوائر بعدم الرضا عن طريقة تعامل شارون مع مقترحات التسوية الأميركية وآخرها خريطة الطريق على رغم ما تنطوي عليه من انحياز لتل أبيب.

مسار الانتخابات القادمة

البداية في حزب العمل
يبدأ مسلسل الانتخابات في الدولة العبرية يوم التاسع عشر من نوفمبر الجاري، بانتخابات رئاسة حزب العمل، وفيما تؤكد استطلاعات الرأي تفوق عمرام متسناع على بن إليعازر فإن القول بتفوق الأول لا يبدو مؤكداً على رغم الفارق المعقول في النقاط بينهما. والحال أن مجيء متسناع أو بقاء منافسه لن يؤدي إلى تغير جوهري في سياسات حزب العمل حيال التسوية، على رغم أن فوزه قد يكون مفضلاً لدى دوائر اليسار الأكثر حرصاً على مسيرة التسوية، نظراً لما يمكن قوله حول صقورية الآخر بن إليعازر مقابل حمائميته.

أما في حالة الليكود الذي ستجرى انتخابات رئاسته بين العشرين من هذا الشهر والثالث من الشهر القادم فإن استطلاعات الرأي تؤكد فوز شارون على خصمه نتنياهو، بيد أن الفارق الضئيل بين الرجلين قد يبقي على فرصة الثاني، لاسيما إذا ما أحسن إدارة اللعبة الانتخابية، وهو يحاول ذلك بكل الوسائل من خلال التركيز على ورقة الاقتصاد, والاستشهاد بما كان عليه الحال إبان رئاسته للوزراء، مقارنة بالتدهور الحاصل أيام شارون.


إن القول بتفوق بن إليعازر لا يبدو مؤكداً على رغم الفارق المعقول في النقاط بينهما. والحال أن مجيء متسناع أو بقاء منافسه لن يؤدي إلى تغير جوهري في سياسات حزب العمل حيال التسوية
انتخابات الكنيست
لا تقل انتخابات الكنيست أهمية عن انتخابات رئاسة الوزراء من زاوية التداعيات السياسية، لا سيما إذا ما جرى الاتفاق على أن رئاسة الوزراء لن تؤول إلا لأحد اثنين شارون أو نتنياهو، وعلى هذا الصعيد تشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب الليكود، سواء كان تحت زعامة شارون أم نتنياهو سيحرز تقدماً كبيراً في الانتخابات، حيث تمنحه الاستطلاعات ما بين 33 و 38 مقعداً قياساً بتسعة عشر في الكنيست الحالي وهو الأمر الذي يبدو معكوسا في حال حزب العمل الذي تبشره الاستطلاعات بهبوط في عدد مقاعده من ستة وعشرين في الكنيست الحالي إلى ما بين 19 و 22، قد ترتفع قليلاً تحت راية متسناع، لا سيما إذا كان نتنياهو هو رئيس حزب الليكود.

المؤشر الآخر الذي لا يقل أهمية هو ما يتصل بمجموع المقاعد التي ستحصل عليها كتلة اليمين في البرلمان القادم، إذ تقول استطلاعات الرأي أن أحزاب اليمين قد تحصل على ما مجموعة سبعة وستون مقعداً في مقابل أربعة عشر مقعدا لتكتل الوسط وتسعة وثلاثون لتكتل اليسار، وهو ما يعني أنه سيكون بإمكان مجموعة اليمين أن تشكل حكومة منفردة قادرة على البقاء من دون الاضطرار إلى مساومات مع العمل وميرتس.

دخول عربي فلسطيني على خط الانتخابات

يبدو الوضع العربي والفلسطيني في حال ترقب لما يمكن أن تسفر عنه الانتخابات القادمة، سواء رئاسة الوزراء أم الكنيست، وعلى هذا الصعيد يمكن القول إن الرعاية المصرية لحوار (فتح) و(حماس) في القاهرة هو جزء من هذه العملية الهادفة إلى الوصول إلى (تهدئة) ما لا تسمح لشارون باستثمار العمليات لصالحه، لاسيما بوجود تحليل سياسي عربي وفلسطيني يقول إن التصعيد في أعمال المقاومة يقدم خدمة لشارون واليمين.

والحال أن ذلك ليس صحيحاً بإطلاق، ذلك أن سيرة العامين الماضيين قد أثبتت أن تصاعد المقاومة يهبط شعبية (شارون) فيما يؤدي تراجعها أمام هجومه إلى الارتفاع في تلك الشعبية. أما السلطة فلها ذات الموقف، وهي ذهبت إلى حوار القاهرة بذات الهدف، أي الحيلولة دون صعود (نتنياهو) من جهة، ومعه تكتل اليمين، فضلاً عن رؤية أخرى تقول إن عملية استشهادية من "حماس" داخل الخط الأخضر أثناء ضرب العراق ستعني عملية "تهجير فلسطينية ثالثة"، وهذا الكلام نسبته صحيفة (القدس العربي) اللندنية لمسؤول فلسطيني كبير.

وقد نقلت صحيفة (معاريف) عن مصادر فلسطينية قولها إن مبعوثي (فتح) إلى حوار القاهرة، سيقولون لحماس "أوقفوا العمليات في إسرائيل على الأقل حتى الانتخابات". فيما قال حاتم عبدالقادر عضو اللجنة العليا لفتح "يجب عدم منح شارون ونتنياهو فرصة الكسب من مثل هذه العمليات". مضيفاً أن قادة فتح قد أجروا نقاشاً حول المسألة، تركز حول سؤال "كيف يمكننا تحقيق المكاسب من هذه الانتخابات؟ من الواضح أن نيتنا هي مساعدة معسكر السلام في إسرائيل".

على هذا الصعيد يمكن القول إن "حماس" لن تعطي السلطة ورقة العمليات الاستشهادية أو المقاومة، لكن الحركة قد تتوقف بقرار داخلي عن العمليات خلال الفترة القادمة حتى لا تعطي لخصومها فرصة اتهامها بمساعدة اليمين على رغم عدم قناعتها بالمقاربة السياسية التي تقف خلف الاتهام. وقد تركز الحركة عملياتها على الأراضي المحتلة عام 67 كما فعلت خلال الأسابيع الأخيرة.

الوضع السياسي بعد الانتخابات

يعتقد (الوف بن) المحلل السياسي المعروف في صحيفة (هآرتس) أن "المسائل السياسية ستخبأ حتى الثامن والعشرين من كانون الثاني (يناير) القادم"، وذلك لصالح القضايا الاقتصادية والاجتماعية، أقله في خطاب اليسار، فيما سيركز اليمين على "مكافحة الإرهاب الحازمة". أما "الواقع الذي سيطل برأسه مع إغلاق صناديق الاقتراع"، فسيكون –حسب بن- متصلاً بالسياسة الخارجية، وهي "مرتبطة قسراً بالعلاقات مع الفلسطينيين، وهذه العلاقات ستعود لاحتلال مكان الصدارة في جدول الأعمال الشعبي".

تلك هي الحقيقة التي لا يمكن أن يفر منها الإسرائيليون، والتي اعترف بها (شمعون بيريز) في مقال له بتاريخ 6/11 في صحيفة (هآرتس)، حيث ذهب إلى أن "المسألة الاجتماعية -شعب يوجد فيه جياع للخبز- يجب أن تكون على رأس مشاغلنا"، ولكن ذلك غير ممكن من دون "إصلاح الوضع الاقتصادي"، وهذا بدوره لن يحدث دون "استئناف الاستثمارات في إسرائيل"، وعودة السياحة "وتوقف تدفق الأموال من إسرائيل إلى الخارج". ثم يصل إلى القول الواضح بأنه "طالما بقي الوضع الأمني متردياً فلن تتغير الظروف والشروط الأساسية التي أدت إلى التدهور الاجتماعي والاقتصادي"، وهو ما لن يحدث إلا بخمسة شروط هي: (شراكة فلسطينية في مكافحة الإرهاب وهو ما لن يحدث من دون أفق سياسي، التوصل إلى اتفاق يقضي بمكافحة الإرهاب والتفاوض حول الحل الدائم والإصلاح في الوضع الفلسطيني، تجميد انشاء مستوطنات جديدة، تسريع التوصل إلى التسوية، إنشاء شرق أوسط جديد تكون إسرائيل طليعته).

سؤال الوضع الأمني هو السؤال الأهم الذي سيندلع بعد الانتخابات، أما السؤال السياسي فهو جزء لا يتجزأ منه، وكلام (بيريز) صحيح، فمن دون أفق سياسي لن تتمكن السلطة من التعاون الأمني وإذا فعلت مضطرة فلمرحلة عابرة أملاً في تسوية أو خضوعاً لضغط.

من المستبعد أن تؤدي عودة (شارون) إلى رئاسة الوزراء، وإن تمت ومعها أغلبية يمينية في الكنيست، إلى سياسة أخرى خارج سياق ما طبقه خلال العامين الماضيين، بل إن احتمال لجوئه إلى حكومة الوحدة من جديد يبدو وارداً بقوة، فهو يدرك أن من غير الممكن التعامل مع التحدي القائم –"الإرهاب" والتسوية- من دون حكومة إجماع وطني، وهو ما ينطبق إلى حد ما على (نتنياهو) نفسه الذي لن يفعل أكثر مما فعله (شارون) خارج سياق المزايدات السياسية. والحال أن الموقف برمته سيعتمد إلى حد كبير على ملف العراق، إلى جانب وجود ياسر عرفات في السلطة، وعلى هذا الصعيد يرى (أفرايم هليفي) رئيس الموساد المستقيل أن عام (2003) سيشهد متغيرين مهمين للدولة العبرية هما غياب صدام حسين وغياب ياسر عرفات ما سيسهل الموقف على إسرائيل.


إن "حماس" لن تعطي السلطة ورقة العمليات الاستشهادية أو المقاومة، لكن الحركة قد تتوقف بقرار داخلي عن العمليات خلال الفترة القادمة حتى لا تعطي لخصومها فرصة اتهامها بمساعدة اليمين على رغم عدم قناعتها بالمقاربة السياسية التي تقف خلف الاتهام
إن نجاح واشنطن في مهمتها العراقية سيجعل الموقف أكثر سهولة على (بوش) و(شارون) أو حتى (نتنياهو) وصولاً إلى مرشح (العمل) الذي يصعب استبعاده كما تقول التجربة الإسرائيلية في معاكسة استطلاعات الرأي، فالرئيسي الأميركي لن يساوم على دعم الدولة العبرية أياً كان قائدها لأن وضعه الداخلي لا يسمح سواء لجهة اليهود أم داعميهم من اليمين المسيحي، أما غياب عرفات فلن يكون مهماً لأن من سيأتون بعده لن يقدموا أكثر مما يمكن أن يقدم، اللهم إلا إذا كان الوضع العربي في حالة ضعف شديد لا يمكنه معه التأثير على الزعيم أو الزعماء الجدد، وهو أمر لايبدو مستبعداً.

إلى أن يحسم الموقف عراقياً، فإن (شارون) قبل الانتخابات وبعدها، وكذلك شأن أي فائز آخر، سيتعامل على نحو ما، مع خريطة الطريق الأميركية، نظراً لأن ذلك يشكل مساراً مهماً للتهدئة بهدف عدم التشويش على ضرب العراق، والحال أن السلطة قد أعلنت موافقة شبه كاملة على (الخريطة) فيما لم يرفضها (شارون) وإن أبدى عليها بعض التحفظات، لاسيما ما يتصل بالجداول الزمنية.

في ضوء ذلك يمكن القول إنه وعلى رغم عدم إمكانية حسم شيء فيما يتصل بنتائج الانتخابات الإسرائيلية كما تقول التجربة الطويلة مع أخطاء استطلاعات الرأي، إلا أن انتظار الوضع العراقي هو القاسم المشترك بين الجميع، أملاً في الوصول إلى اخضاع الفلسطينيين والعرب، مع خلافات محدودة حول ما يمكن أن يقدم لهم من "تنازلات"، وهي خلافات لم تكن كبيرة كما ثبت خلال الأعوام الماضية. أما الأهم من ذلك كله، فهو أن الحديث كله ينصب على تسوية تتم من خلال عملية إخضاع في لحظة ضعف عربي وفلسطيني، وهو ما يعني أنها تسوية في مهب الريح ما يلبث الفلسطينيون أن ينقلبوا عليها ويعودوا من جديد إلى المسار الذي يحقق الانتصار للشعوب المحتلة, مسار المقاومة.

_______________
* كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

المصدر : غير معروف