بقلم/ علاء بيومي

- تكاليف الانتخابات الفدرالية الأميركية
- تأثير جماعات المصالح الثرية
- تبعات قوانين الإصلاح المالي للحملات الانتخابية

مع اقتراب الانتخابات الفدرالية الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، وتمكن الرئيس جورج دبليو بوش ومنافسه الرئيسي الديمقراطي جون كيري من جمع كميات غير مسبوقة من التبرعات السياسية، وزيادة الجدل داخل الولايات المتحدة حول مضمون وآثار قوانين الإصلاح المالي للانتخابات الفدرالية، رأينا أن نقدم في هذا المقال مقدمة مختصرة عن تأثير المال على الانتخابات الأميركية بشكل عام وعلى هذه الانتخابات بشكل خاص.

تكاليف الانتخابات الفدرالية الأميركية
التحدي الأول الذي يواجهه المشرعون الأميركيون في مساعيهم للحد من التأثير السلبي للمال على الانتخابات الفدرالية (ممثلة في البيت الأبيض والكونغرس) هو الارتفاع المستمر في تكاليف الحملات الانتخابية الفدرالية ومن ثم زيادة اعتماد المرشحين الأميركيين على المال للفوز بمناصبهم السياسية.

فعلى مستوى انتخابات الرئاسة الأميركية جمع المتنافسون على منصب الرئيس الأميركي عام 2000 تبرعات قدرها 528 مليون دولار، في مقابل 425 مليون دولار جمعها المتنافسون في انتخابات العام 1996 الرئاسية، بينما جمع المتنافسون في انتخابات العام 1992 تبرعات مقدارها 331 مليون دولار فقط، ما يعني أن حجم التبرعات التي جمعها المتنافسون على الرئاسة الأميركية زادت بمعدل 100 مليون دولار أميركي كل أربعة أعوام منذ العام 1992.

كما جمع المرشح الجمهوري للرئاسة وهو الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش بمفرده 228 مليون دولار حتى العشرين من يونيو/حزيران الماضي، أما بالنسبة لمنافسه الحالي جون كيري فقد جمع 186 مليون دولار حتى العشرين من الشهر نفسه.

أما على مستوى انتخابات الكونغرس فيبلغ متوسط ما جمعه كل عضو من الأعضاء الفائزين في انتخابات مجلس النواب الأميركي عام 2002 مبلغ 898 ألف دولار،


يواجه المشرعون الأميركيون في مساعيهم للحد من التأثير السلبي للمال على الانتخابات الفدرالية ثلاثة تحديات، ارتفاع كلفة الحملات الانتخابية، وأنها ليست مجانية، وأن حجم الأموال يمثل رادعا للخصوم
كما جمع عضو مجلس الشيوخ الفائز مبلغ 5.8 ملايين دولار.

وتعود الزيادة المستمرة في تكاليف الانتخابات الأميركية للأسباب التالية:
أولا: ليس هناك سبيل يمكن للمرشحين من خلاله معرفة تكلفة الفوز بالانتخابات بشكل مسبق، ولذا يحرص كل مرشح على جمع وإنفاق أكبر قدر من الأموال للدعاية لحملته حتى ولو أهدر بعض هذه الأموال إذا كان ذلك سوف يضمن نجاحه.

ثانيا: الحملات الانتخابية ليست مجانية، فهي عملية صعبة ومكلفة.

ثالثا: حجم الأموال التي يجمعها أحد المرشحين قد تمثل رادعا قويا لخصومه خاصة إذ نجح المرشح في جمع قدر كبير من الأموال في بداية حملته الانتخابية.

تأثير جماعات المصالح الثرية
أما التحدي الأكبر الذي يواجهه المشرعون الأميركيون في مساعيهم للحد من تأثير المال على الانتخابات، فهو القلق من الدور الكبير الذي تلعبه جماعات المصالح الثرية في تمويل المرشحين ومن ثم التأثير على مسار الديمقراطية الأميركية، ويعود هذا القلق للأسباب التالية:

أولا: تأتي جميع الأموال التي تنفق على الانتخابات الأميركية في الغالب من نسبة ضئيلة جدا من الأميركيين لا تتعدى 2% من مجموع الشعب الأميركي.

فعلى سبيل المثال أنفق المرشحون والأحزاب ولجان العمل السياسية (PACS) التي تمثل جماعات المصالح مبلغ 933 مليون دولار أميركي على انتخابات العام 2002 التشريعية، وقد أتت هذه الأموال من حوالي 640 ألف متبرع أميركي فقط، وهو ما يعادل نسبة 0.22% من مجموع الشعب الأميركي الذي يبلغ تعدداه 288.5 مليون نسمة، أو ما يعادل نسبة 0.3% من مجموع المواطنين الأميركيين البالغين (18 عاما فأكثر).

ومن بين هؤلاء المتبرعين حوالي 252 ألف متبرع تبرعوا بألف دولار أو أكثر من بينهم 9755 متبرعا تبرعوا بعشرة آلاف دولار فأكثر، كما تبرع 14 متبرعا (شخصا أو هيئة) بأكثر من مليون دولار أميركي.

ووفقا لهذه الإحصاءات تبلغ نسبة المتبرعين الذين تبرعوا بألف دولار فأكثر -الذين يبلغ عددهم 252 ألف متبرع تقريبا- مقارنة بمجموع الشعب الأميركي حوالي 0.09%، في الوقت الذي دفع فيه هؤلاء حوالي 779 مليون دولار وهو ما يعادل نسبة 83% من المجموع الكلي للأموال التي أنفقت على الانتخابات التشريعية الأميركية خلال العام 2002.

ثانيا: نسبة كبيرة من الأموال التي يحصل عليها المرشحون تأتي من لجان العمل السياسية التي تمثل جماعات المصالح الكبرى.

ففي انتخابات العام 2002 التشريعية حصل أعضاء الكونغرس الفائزون في الانتخابات على 43% من التبرعات التي جمعوها من لجان العمل السياسية، في حين أن المتوسط العام للتبرعات التي حصل عليها جميع المرشحين (الفائزين والخاسرين) في الانتخابات نفسها من لجان العمل السياسية هو 34% من إجمالي التبرعات التي جمعوها، وهي أيضا نسبة مرتفعة.

كما حصل أعضاء مجلس الشيوخ الفائزون في الانتخابات نفسها على 24.5% من التبرعات التي جمعوها من لجان العمل السياسية، في حين أن المتوسط العام للتبرعات التي حصل عليها جميع المرشحين في الانتخابات نفسها من هذه اللجان هو 18% فقط.

ودون شك يترك ذلك تأثيرا شديد السلبية على درجة الحراك والتغيير السياسي في مراكز صنع القرار الأميركية، إذ تشير الإحصاءات إلى 96% من مرشحي مجلس النواب الأميركي الفائزين في انتخابات العام 2002 هم أعضاء سابقون، كما أن 86% من مرشحي مجلس النواب الفائزين في انتخابات العام نفسه هم من الأعضاء السابقين.

كما تحرص لجان العمل السياسية على تأييد كبار أعضاء الكونغرس ومنحهم نسبا أكبر من التبرعات من أجل التأثير عليهم.

ثالثا: يلعب الأثرياء دورا شديد الخطورة في التأثير على مسار العملية الانتخابية الأميركية من خلال استخدامهم للمال الناعم.


تسمى الملايين التي يحصل عليها المرشحون بشكل غير مباشر بالمال الناعم لأنه يصعب رصده وتحديده, في ما تسمى التبرعات التي يسمح بها القانون لدعم الحملات الانتخابية بالمال الجامد
إذ يضع القانون الأميركي سقفا على حجم التبرعات التي يمكن أن يحصل عليها أي مرشح بشكل مباشر من كل مواطن أميركي، وذلك للحد من قدرة الأثرياء على التأثير على الانتخابات، ولذا يلجأ الأثرياء لمنح تبرعات سخية تقدر بملايين الدولارات أحيانا لهيئات سياسية كالأحزاب وجماعات المصالح لكي تستخدمها بصورة مباشرة لخدمة قضاياها وبصورة غير مباشرة لخدمة مرشحيها، حتى لا تقع تحت طائلة القانون.

ومن أبرز وأهم هذه الأساليب الملتوية قيام الأحزاب وجماعات المصالح بشراء إعلانات تلفزيونية مكثفة قبل موعد الانتخابات لا تذكر اسم مرشح بعينه ولكنها تروج بشكل محدد ومكثف وفي دوائر انتخابية معينة لقضية بعينها مؤثرة على مسار الانتخابات بتلك الدوائر.

وتسمى هذه الملايين بالمال الناعم لأنه يصعب رصدها ولأنها ليست محددة بسقف معين من قبل القانون ولأنها تؤثر على الانتخابات بصورة غير مباشرة من خلال دعمها لقضايا وليس لمرشحين، في حين تسمى التبرعات التي يسمح القانون بأن يمنحها المواطن الأميركي مباشرة للمرشحين لكي يستخدموها في الأنشطة السياسية التي تصب مباشرة في الحملات الانتخابية بالمال الجامد.

وتشير أحدث الإحصاءات إلى أن الحزب الديمقراطي جمع عام 2001 (قبل صدور قانون الإصلاح المالي للانتخابات للعام 2002) نسبة 54% من التبرعات التي حصل عليها في صورة أموال ناعمة، كما جمع الحزب الجمهوري 43% من التبرعات التي جمعها في العام نفسه في صورة أموال ناعمة أيضا.

تبعات قوانين الإصلاح المالي للحملات الانتخابية
في السبعينيات من القرن الماضي أقر المشرعون الأميركيون مجموعة من قوانين الإصلاح المالي للحملات الانتخابية التي ظلت تنظم دور المال في الانتخابات الأميركية حتى العام 2002، ومن أهم ما أنجزته هذه القوانين تأسيس لجنة الانتخابات الفدرالية لكي تراقب حركة المال في الانتخابات.

كما وضعت القوانين سقفا واضحا على حجم التبرعات السياسية التي يمكن أن يقدمها المواطن الأميركي أو لجان العمل السياسية بشكل مباشر للمرشحين.

وحرمت القوانين على المرشحين قبول أموال من مصادر معينة، خاصة من قبل الشركات واتحادات العمال بشكل مباشر، وطالبت القوانين الشركات واتحادات العمال بتأسيس لجان عمل سياسية تعمل بشفافية تحت عين القانون في مجال جمع تبرعات ممثلي هذه الهيئات ثم توزيعها على المرشحين ضمن السقوف التي يسمح بها القانون.

وسرعان ما التفت جماعات المصالح الثرية على هذه القوانين من خلال توسعهم في استخدام المال الناعم للتأثير على الانتخابات، خاصة عن طريق منحه للأحزاب واستخدامه في شراء إعلانات التلفزيون الباهظة التكاليف التي تروج للقضايا المؤثرة على الانتخابات.

وقد جمع الحزب الجمهوري تبرعات قدرها 691 مليون دولار في انتخابات العام 2002، كما جمع الحزب الديمقراطي 463 مليون دولار في انتخابات العام نفسه، وقد أتت نصف هذه الأموال تقريبا في صورة مال ناعم.

ولذا أقر قانون الإصلاح المالي للانتخابات الأميركية للعام 2002 عددا من الإصلاحات الرئيسية وعلى رأسها منع الأحزاب من قبول المال الناعم، والحد من قدرة جماعات المصالح على شراء الإعلانات التلفزيونية مع اقتراب موعد عقد الانتخابات.

كما زادت القوانين الجديدة من حجم الأموال التي يمكن أن يتبرع بها الأفراد مباشرة لمرشحيهم الأساسيين في صورة أموال جامدة، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تقوية دور الفرد، وأن يحد من التلاعب خارج إطار القانون.

ويقول بعض المحللين إن القوانين الجديدة دفعت الأحزاب والمرشحين إلى الاهتمام بالوصول إلى أكبر عدد من الأفراد بعد أن منعت الأحزاب من الحصول على المال الناعم، فعلى سبيل المثال قام الحزب الديمقراطي في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2004 بإرسال 35 مليون رسالة بريدية لمسانديه طلبا لتبرعاتهم، وهو ما يعادل مجموع رسائل جمع التبرعات البريدية التي أرسلها الحزب الديمقراطي خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي.


تسعى جماعات المصالح لإيجاد ثغرات في أي قانون جديد, وهذا يعنى أن الإصلاح المالي للانتخابات سوف يبقى تحديا دائما للمدافعين عن الديمقراطية الأميركية
كما توسع جورج بوش وجون كيري في مساعيهم للوصول إلى أكبر عدد من المتبرعين، وقد نجح كل منهم في تخطي حاجز المليون متبرع حتى الآن.

على النقيض ظهر تهديد جديد لقوانين الانتخابات تمثل في ظهور منظمات خيرية ذات طابع سياسي تعرف باسم "527" وهو رقم بند قانون الضرائب الذي ينظم عملها، ويسمح القانون الجديد لهذه الجماعات بتلقي تبرعات غير محدودة من الأفراد والهيئات وإنفاقها للتأثير على سير العمليات الانتخابية بشرط استقلالها عن المرشحين والأحزاب.

وقد جمعت هذه المنظمات خلال العامين الماضيين عشرات الملايين من الدولارات من المال الناعم خاصة من قبل أثرياء الديمقراطيين الساعين لهزيمة جورج بوش، كما تلقت بعضها تبرعات من هيئات ثرية وصلت أحيانا إلى 14 مليون دولار من قبل هيئة واحدة.

وفي المقابل رفع جمهوريون قضايا قانونية ضد هذا النوع من المنظمات بدعوى إفسادها لقوانين الإصلاح المالي للانتخابات، ومازالت هذه القضايا مفتوحة ولم تحسم بعد.

الحكم بشرعية أو عدم شرعية الجماعات الجديدة لن يضع حلا نهائيا لتأثير المال السلبي على الانتخابات الأميركية، وذلك لثقة غالبية المحللين في أن جماعات المصالح تسعى لإيجاد ثغرات قانونية في أي قانون جديد، وهذا يعني أن الإصلاح المالي للانتخابات سوف يبقى تحديا دائما للمدافعين عن الديمقراطية الأميركية.
ــــــــــــــــــ
مدير الشؤون العربية بمجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير)

المصدر : غير معروف