- ملامح مأزق بوش وبلير
- بحث خط الرجعة
- العراق.. الجائزة الكبرى والرهان الخطر

ظلت تتنازع موضوع التعامل مع العراق في العقد المنصرم ثلاث مدارس فكرية في الولايات المتحدة وبريطانيا هي مدرسة الاحتواء السياسي ومدرسة الحرب المحدودة ومدرسة الغزو الشامل. وظلت المدرستان الأوليان سائدتين لاعتبارات سياسية ودبلوماسية كثيرة أهمها رفض الرأي العام في البلدين للغزو الشامل دون مسوغ مقنع.

لكن هجمات 11 سبتمبر/ أيلول وفرت الفرصة لتنفيذ العديد من المشاريع النظرية القديمة التي وضعها سياسيون وإستراتيجيون أميركيون، ومن تلك المشاريع غزو العراق والسيطرة على نفطه وحماية إسرائيل من التكنولوجيا العسكرية الواعدة التي يملكها.

ويذكر الكاتب الصحفي الأميركي بوب وودوارد في كتابه "بوش في الحرب" أن الرئيس الأميركي جورج بوش قال في أول اجتماع لمجلس أمنه القومي بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول "هذه فرصة.. هذه فرصة"!! فهو لم ينظر إلى تلك الهجمات على أنها مجرد مصيبة، بل نظر أيضا إلى إمكانية استغلالها لتوطيد كسبه السياسي شخصيا، وترسيخ الموقف الإستراتيجي لبلده. وكذلك كان، فالحرب على العراق لم تكن لها صلة بهجمات 11 سبتمبر/ أيلول وإنما تدخل في إطار استغلال "الفرصة" التي تحدث عنها الرئيس بوش.


وفاة العالم البريطاني ديفد كيلي بعد أن كشف أباطيل الحكومة البريطانية عن برنامج التسلح العراقي آخر ضربة محرجة لبلير، وقضية سقوطه من رئاسة الوزارة مسألة وقت لا غير
ملامح مأزق بوش وبلير
واليوم يواجه الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير "حرب عصابات عسكرية" داخل العراق، و"حرب عصابات سياسية" داخل بلديهما بسبب موضوع العراق. وكل من الحربين قد تتحول إلى مواجهة شاملة، فحرب العصابات العسكرية قد تتحول مع الأيام إلى حرب تحرير شعبية شاملة على غرار ثورات التحرير منتصف القرن العشرين ضد الاستعمار الأوروبي لبلدان آسيا وأفريقيا. وحرب العصابات السياسية من خصوم بلير وبوش في بلديهما قد تتصاعد حتى تقضي على مصداقيتهما لدى الرأي العام وتدمر مستقبلهما السياسي.

وقد تفاقم المأزق الذي يعيشه الرجلان في الأسابيع الأخيرة لسببين:
أولهما أن عدد ضحايا الجيش الأميركي على أيدي المقاومة العراقية يزداد يوما بعد يوم، حتى زاد عدد الضحايا الأميركيين عنه في حرب الخليج عام 1991، وبلغت تكلفة احتلال العراق مليار دولار يوميا، ووصل تدني المعنويات حدا جعل أحد الجنود الأميركيين الموجودين بالعراق يتجرأ على مطالبة وزير دفاعه دونالد رمسفيلد بالاستقالة على شاشة التلفزيون في تحد سافر للعرف والقانون العسكري.

وثانيهما أن الرأي العام في البلدين بدأ يدرك بشكل لا لبس فيه أن العراق لا يمتلك أسلحة الدمار الشامل التي اتخذ منها بوش وبلير ذريعة لإشعال الحرب وألهبا بالحديث عنها مشاعر الرأي العام حتى دفعاه إلى قبول فكرة غزو العراق. وكان آخر ما تكشَّف من تلك الخدعة قضية اليورانيوم الذي ادعى الزعيمان أن العراق استورده من النيجر في الفترة الأخيرة، ثم تبين أن تلك الدعوى مجرد تلفيق مصدره المخابرات البريطانية والإسرائيلية.

ومن مظاهر هذا المأزق الجديد الذي يواجهه كل من الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء البريطاني تراجع مستوى التأييد للرئيس بوش لدى الرأي العام الأميركي إلى نسبة 55%، وهي نفس نسبة التأييد له قبيل هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، مما يدل على أن مجرد التخويف من الأعداء الخارجيين كصدام حسين و"القاعدة" لم يعد كافيا لكسب ثقة الناخب الأميركي اليوم.

كما أن الأميركيين الذين يميلون إلى تصديق أقوال الرئيس بوش نظرا للطابع الديني الغالب على خطابه لم يعودوا يثقون تماما بقوله، ولا يؤمن كثير من الأميركيين بأن الرئيس بوش مؤهل للرئاسة أصلا، ولكن هجمات 11 سبتمبر/ أيلول غطت على ذلك الشعور، ويكمن الخطر الآن في إمكانية عودة نفس الشعور إلى الظهور.

أما بالنسبة لبلير فإن مسلسل الفضائح السياسية ذات الصلة بالحرب على العراق أثخنه جراحا منذ البدء. وقد بدأ ذلك المسلسل بفضيحة استعمال المخابرات البريطانية لرسالة جامعية كتبها طالب عراقي مقيم بأميركا، وادعائها أن المعلومات الواردة في الرسالة معلومات سرية موثقة حصلت عليها من مصادرها الخاصة.

ثم جاءت وفاة العالم البريطاني ديفد كيلي بعد أن كشف أباطيل الحكومة البريطانية ومبالغاتها إزاء برنامج التسلح العراقي لتكون آخر ضربة محرجة لبلير، مما يرجح أنه لم يعد يملك أي مستقبل سياسي، وأن قضية سقوطه من رئاسة الوزارة -بعد أن سقط من أعين شعبه- مسألة وقت لا غير.

ومما يزيد من مصاعب الرجلين السياسية ويجعل موقفهما هشا للغاية أن كلا منهما اعتمد في دعمه قبيل الحرب وأثناءها على قوة سياسية من غير قاعدته الانتخابية، فبوش اعتمد في اتخاذ قرار الحرب وتسويقه على دعم اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة رغم أن أغلب أصوات اليهود الأميركيين تذهب عادة إلى الحزب الديمقراطي لا إلى الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه جورج بوش. وبلير كان مدعوما من نواب "حزب المحافظين" البريطاني أكثر مما دعمه زملاؤه في "حزب العمال" الذين أبدى الكثير منهم تحفظا تجاه قرار الحرب ومراميها السياسية والعسكرية.


لن يحاسب الرأي العام الأميركي والبريطاني قادته على كذب الماضي بل على وقائع المستقبل، ولن يتمرد عليهم بسبب دماء العراقيين المستباحة بل بسبب دماء الأميركيين والبريطانيين المصانة
بحث خط الرجعة

وأمام هذا المأزق الحرج يبحث القادة الأميركيون والبريطانيون اليوم عن خط للرجعة وعن صيغة للتراجع عن حججهم التي خاضوا الحرب على أساسها دون أن يؤثر ذلك في مصداقيتهم، فهم أشبه بمن وجد نفسه مرغما على الاعتراف بجرمه أمام المحكمة لقوة الأدلة ضده، لكنه يحتال لعدم استعمال ذلك الاعتراف ضده جنائيا.

فالقادة البريطانيون والأميركيون يصرحون الآن بأنهم لم يكونوا يمتلكون أدلة جديدة عن تطوير العراق أسلحة دمار شامل بعد رحيل المفتشين عنه عام 1998، ويحاولون تحويل نقطة النزاع والجدل بطريقة أو بأخرى تحافظ لهم على الحد الأدنى من المصداقية. من هذه التصريحات مثلا قول بوش "ما دمت رئيسا لهذا البلد فإني لن أعرض حياة أي مواطن أميركي للخطر عبر حسن الظن بعدو خطير". وكذلك قول بلير الذي صرح بأنه "إذا كنا مخطئين (في قضية الأسلحة العراقية) فإننا حطمنا تهديدا كان السبب في الكثير من المعاناة والمآسي الإنسانية".

وقد تواترت مثل هذه التصريحات في الأسبوعين الأخيرين مما يكشف عن جهد منسق للخروج من المأزق بأقل خسارة ممكنة، وتحويل مسار الجدل بشأن هذه القضية المحرجة. كما تأتي زيارة بلير الأخيرة إلى الولايات المتحدة كنوع من التعاضد السياسي بين زعيمين يواجه كل منهما أزمة ثقة ويحتاج إلى دعم زميله.

لكن هذا التهرب من الكذبة الجديدة بلفت الأنظار إلى المعلومات القديمة لن يكون مجديا فيما يبدو، خصوصا مع تأكيد بعض القادة الأميركيين قبيل الحرب أن دوافعهم لغزو العراق مبنية على معطيات جديدة تماما ومقنعة تماما، ومن أمثلة ذلك ما صرح به بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأميركي في شهر يناير/ كانون الثاني 2003 أمام مجلس العلاقات الخارجية الأميركي حين قال "إن القضية مبنية على معلومات استخباراتية جديدة حصلنا عليها من الأقمار الاصطناعية المتقدمة، ومن قدرتنا على اعتراض المكالمات الهاتفية، ومن رجال شجعان عرَّضوا حياتهم للخطر حينما كشفوا لنا عن الحقيقة.. إن لدينا كل هذا، وهو أمر مقنع للغاية"!!

إن إثارة الفزع في أميركا بعد 11 سبتمبر/ أيلول من أهم عوامل النجاح الانتخابي، ومن أسهل الطرق إلى تسويق القرارات الإستراتيجية، وقد برع كل من بوش وبلير في هذه الإثارة قبيل الحرب على العراق، وبلغت المبالغة والمجازفة بالرئيس بوش حد الحديث عن "مجاهدي العراق النوويين"!! وهو يدرك جيدا أن الأميركيين المذعورين الذي لم يفيقوا بعد يومذاك من صدمة 11 سبتمبر سيسلمون زمامهم إلى كل من يستطيع إثارة مشاعر الخوف في نفوسهم، وأن لا شيء يزيد من ذعرهم ويمكِّن من زمامهم، مثل الربط بين عبارتيْ "الجهاد" و"الأسلحة النووية" في سياق واحد.

وليس من المستبعد أن تثير إدارة بوش –ووراءها بلير– ملف التسلح الإيراني وتسخنه لبعض الوقت تغطية على المأزق الحالي وإعدادا للانتخابات القادمة. ومن المؤكد أن اليهود الأميركيين الذين تقض مضاجعهم الصواريخ الإيرانية القادرة على ضرب إسرائيل سيضغطون بشراسة من أجل بقاء القوات الأميركية في العراق إلى أن تدمر مشاريع التصنيع العسكري الإيراني.

ويلعب الإسرائيليون دورا محوريا في التحضير الحالي لضرب إيران، وقد بدؤوا يستنفرون دول الاتحاد الأوروبي لمساندة ذلك. ودخلوا على الخط لدعم كل من بوش وبلير في الخروج من المأزق.. بمقابلٍ طبعا!!

لقد انتهت مشكلة إسرائيل مع العراق، ولا يهمها بقاء الأميركيين في الوحل، وما يسعى إليه الإسرائيليون واليهود الأميركيون الآن هو التجاوز إلى التعامل مع إيران، وهو ما قد يجد فيه بوش وبلير وسيلة للخروج من مأزقهما الحالي.

العراق.. الجائزة الكبرى والرهان الخطر
ويبقى العراق بالنسبة لأميركا الجائزة الكبرى إن استقر الأمر للاحتلال، كما يمثل الرهان الخطر إن استمرت المقاومة. فمسار الأمور في العراق هو الذي سيحدد مصير المنطقة في العقود القادمة تحررا واستقلالا أو خضوعا وتبعية، كما سيحدد السياسة الأميركية في التعاطي مع أبناء المنطقة اعترافا واحتراما أو استعبادا واستلحاقا.

ويبقى أمام بوش وبلير ثلاث صيغ للخروج من المأزق العراقي لا تضمن أي منها النتيجة المرجوة، لكنها السبيل الوحيد للمحاولة:
أولها تدويل المسألة العراقية بفتح الباب لإشراك دول أخرى في احتلال العراق، لكن بوش وبلير لا يزالان يبخلان بتقاسم الغنيمة العراقية مع هذه الدول، وهما يدركان أن دخول دول أخرى على الخط ووجود قوة لها في الميدان قد يؤدي في النهاية إلى خروج الأمر من أيديهما عبر إصرار تلك الدول على الإمساك بحظ من عقود النفط والإعمار القادم أو على انتخاب حكومة عراقية مستقلة القرار تستطيع هذه الدول التعامل معها بديلا عن "مجلس إداري" يعينه الحاكم الأميركي.

وثانيهما بناء حكومة عراقية موالية بسرعة والانسحاب من المدن العراقية، ثم الاكتفاء بقواعد عسكرية في المناطق غير المأهولة مع مراقبة الوضع عن كثب وحماية القيادة التابعة بالقوة وانتزاع الاعتراف بها من الدول العربية ومن غيرها. ويبدو أن الأمور تتجه هذا الاتجاه خصوصا مع فراغ صبر الجنود الأميركيين وعائلاتهم والتكلفة الاقتصادية الغالية لبقاء قوة كبيرة مرابطة في العراق.


لقد أريد للحرب على العراق أن تطيح بالقيادة العراقية، وها هي توشك على الإطاحة بالقيادتين الأميركية والبريطانية، وتلك مفارقة من مفارقات تلك الحرب
أما الثالث فهو الاستمرار على الوضع الحالي والدخول في مناوشات مع إيران تغطية على الأزمة في العراق وإرضاء للإسرائيليين واليهود الأميركيين. وهذا إذا حدث سيكون نوعا من الهروب إلى الأمام قد يُخرج بوش وبلير من مأزقهما الانتخابي والسياسي الحالي لكنه سيزيد تورط دولتيهما في المنطقة ويسرِّع بتحول المقاومة العراقية إلى انتفاضة شعبية عارمة مدعومة من إيران بكل ما في ذلك من تعقيد ومخاطر.

إن مشكلة بوش وبلير أنهما أشعلا الحرب على العراق بدوافع لا يحسن التصريح ببعضها من الناحية السياسية منها حماية إسرائيل، وهذا ما يجعل الرجلين اليوم في مأزق، فإن صرحا بأن هدف الحرب حماية إسرائيل فإنهما سيفقدان الرأي العام في بلديهما لأنه لا يرى ذلك مسوغا كافيا لإعلان الحرب وتقديم أبنائه للموت، وإن لم يصرحا بذلك فإنهما سيفقدان الرأي العام أيضا لأن مسوغات الحرب المصرح بها سابقا –وأهمها قضية الأسلحة– لم تعد مقنعة.

وفي كل الأحوال يمكن القول باطمئنان إن توني بلير قد فقد أي مستقبل سياسي، وإن بوش يوشك أن يفقده. لقد أريد للحرب على العراق أن تطيح بالقيادة العراقية، وها هي توشك على الإطاحة بالقيادتين الأميركية والبريطانية، وتلك مفارقة من مفارقات تلك الحرب التي سيكشف عنها الزمن الآتي.

ومهما يكن من أمر فإن موقف الرأي العام الأميركي والبريطاني المستاء من قادته اليوم لا توجهه اعتبارات أخلاقية أو إنسانية، بل اعتبارات براغماتية عملية، فالذي جعل هذا الرأي العام يثور اليوم على قادته ليس تزوير الأدلة لخوض حرب كان من الممكن تجنبها، ولا سقوط آلاف القتلى والجرحى من المدنيين العراقيين، ولا خرق القانون الدولي باحتلال بلد ذي سيادة، وإنما الذي أثاره هو سقوط الجنود الأميركيين والبريطانيين يوميا صرعى على أيدي المقاومة العراقية.

إن البراغماتية الأميركية تجعل الكذبة التي تؤدي إلى نتائج جيدة لأميركا مطلوبة بل مرغوبة، أما الكذبة –وحتى الحقيقة– التي تثمر ثمرة مرة فهي لا تحتمل. فلن يحاسب الرأي العام الأميركي والبريطاني قادته على كذب الماضي بل على وقائع المستقبل، ولن يتمرد عليهم بسبب دماء العراقيين المستباحة، بل بسبب دماء الأميركيين والبريطانيين المصانة. فالذي سيحدد المصير السياسي لكل من بوش وبلير في النهاية هم المقاومون العراقيون في الرمادي والفلوجة لا الخصوم السياسيون في واشنطن ولندن.
ــــــــــــــــــ
* كاتب موريتاني

المصدر : غير معروف