* بقلم/محمد بن المختار الشنقيطي

-أهداف مركبة ومتداخلة
-هموم الرئاسات القادمة
-الرهان الصعب في ليبيريا

لا ينسى الأفارقة عموما، والأميركيون من أصل أفريقي على وجه التخصيص، ما صرح به الرئيس الأميركي جورج بوش أثناء حملته الانتخابية عام 2001، حيث قال "إن أفريقيا على أهميتها لا تدخل ضمن المصالح الوطنية الإستراتيجية للولايات المتحدة حسبما أتصورها".

وربما لم يستغرب أحد ذلك في حينه، فالرئيس الأميركي قادم من الجنوب الأميركي المحافظ الذي تسود فيه النزعة اليمينية، وهو نفس الجنوب الذي خاض حربا ضروسا ضد الشمال –في الحرب الأهلية الأميركية الشهيرة- تشبثا من إقطاعييه بفكرة الاسترقاق، ورفضا منهم لتحرير السود الأميركيين من نير العبودية.

وإنما الذي يُستغرب اليوم هو هذا الاهتمام الجديد بأفريقيا. فقد وعد بوش بأن يخصص خمسة عشر مليار دولار على مدى خمس سنوات لمكافحة الإيدز في أفريقيا والكاريبي، واستقبل العديد من القادة الأفارقة في البيت الأبيض، وهو اليوم يقوم بجولة أفريقية يلتقي فيها بقادة آخرين، ويميل إلى قبول فكرة إرسال قوات أميركية لحفظ السلام في ليبيريا، بعد أن قاوم الفكرة من قبل.

فما الذي طرأ على سياسة بوش الأفريقية؟ وهل هذه السياسة تخضع اليوم لمراجعات عميقة، تحمل شيئا من ظلال 11 سبتمبر/ أيلول، أم أن الأمر لا يعدو حملة علاقات عامة، ومحافظة على تقليد زيارة أفريقيا الذي درج عليه الرؤساء الأميركيون على امتداد العقدين المنصرمين؟

أهداف مركبة ومتداخلة


السياسة الأميركية تتوجه إلى ترسيخ القدم في دول غرب أفريقيا ذي الصلات الوثيقة بفرنسا بهدف منافستها
تتسم أهداف الزيارة التي يقوم بها الرئيس الأميركي لأفريقيا حاليا بالتداخل والتركيب، ويمكن تصنيفها إلى أهداف داخلية وأخرى خارجية، فالأهداف الخارجية للزيارة تشمل:

  • تحسين صورة أميركا في العالم عموما، وفي أفريقيا خصوصا، بعد غزو العراق الذي أدانته دول أفريقية عديدة، وعجزت أميركا عن ضمان أصوات الدول الأفريقية في مجلس الأمن لقرار يشرِّع الحرب. وقد ارتفعت أصوات قوية في القارة السمراء ضد الحرب على العراق، وضد سياسة التوسع والأحادية التي تنتهجها الإدارة الأميركية. ولعل أبرز هذه الأصوات وأكثرها مصداقية هو صوت نيلسون مانديلا الذي اتهم بوش بانعدام البصيرة، وبالخروج على الإجماع الدولي والسعي لإضعاف الأمم المتحدة، واعتبر سياسات واشنطن خطرا على العالم بأسره. وتحتاج معادلة صوتِ مانديلا -وهو رجل يعبر عن ضمير أفريقيا ومطامحها أكثر من أي قائد آخر- إلى جهد كبير من الساسة الأميركيين، ولعل هذه الزيارة تندرج في هذا الإطار.
  • الحصول على نصيب أكبر من النفط الأفريقي –خصوصا النيجيري– تنويعا لمصادر الطاقة، وتخففا من الاعتماد على النفط العربي الذي يغذي الصناعة الأميركية الآن. فالنفط العربي تحيط به عواصف سياسية ترعب الإستراتيجيين الأميركيين، ليس أقلها شأنا الاحتقان السياسي المزمن في السعودية، وتصاعد المقاومة للاحتلال الأميركي للعراق يوما بعد يوم، وهو ما يعني أن آمال واشنطن في التغلب على أزمتها الاقتصادية بالسيطرة على النفط العراقي بدأت تتزعزع، وأصبح الاهتمام بالنفط النيجيري والفنزويلي وغيره ضرورة إستراتيجية.
  • المساعدة على استقرار الأوضاع –بأي وسيلة– في الدول الأفريقية الممزقة مثل ليبيريا. فقد تعلمت واشنطن من تجربة أفغانستان والصومال أن الدول التي تنهار سلطتها من السهل تحولها إلى "قاعدة" للنشاط المعادي للسياسات الأميركية والنفوذ الأميركي. ولا تزال التجربة المريرة في الصومال، والتي انتهت بعرض جثث المارينز في شوارع مقديشو، تقض مضجع المخططين الأميركيين، ولا يزال الرأي العام الأميركي يعتبرها نذير شؤم، وعنوان فشل في سياسة أميركا الخارجية.
  • فتح قنوات مع بعض الدول الأفريقية للمساعدة في حرب واشنطن على الإرهاب. وقد ذكرت صحيفة لوموند الفرنسية أن "وزارة الدفاع الأميركية تناقش الآن مع بعض دول غرب أفريقيا –منها الجزائر ومالي– إمكانية بناء قواعد عسكرية على أرضها، لا للاستخدام الدائم، وإنما للاستخدام وقت الحاجة"، وأن "اتفاقيات لتزويد الطائرات العسكرية بالوقود تم إبرامها بين أميركا وبين كل من السنغال وأوغندا" لهذا الغرض. وعزت الصحيفة إلى الجنرال جيمس جونز قائد القوات الأميركية في أوروبا
    –وهو المسؤول عن أفريقيا أيضا– خشيته من أن "وجود مناطق شاسعة لا تخضع لسلطة قد يجعلها مأوى" للأنشطة المعادية لواشنطن (لوموند 7 يوليو/ تموز 2003) وهذا توصيف ينطبق على العديد من الدول الأفريقية.
  • ترسيخ القدم في دول غرب أفريقيا ذي الصلات الوثيقة بفرنسا، بهدف منافسة النفوذ الفرنسي، مع بداية اتساع الفجوة بين أميركا والدول الرئيسية في غرب أوروبا. وسيكون إرسال قوات أميركية إلى ليبيريا –إذا تم– خطوة عملية مهمة في هذا الاتجاه، فهي المعادل السياسي لوجود القوات الفرنسية في ساحل العاج المجاورة وفي الكونغو الديمقراطية وفي غيرهما من دول الغرب والوسط الأفريقي. ولعل لقاء الرئيس الأميركي بقادة "المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا CEDEAO" في داكار مؤشر ذو دلالة على هذا التوجه، خصوصا وأن هذه المنظمة وُلدت وترعرعت تحت الوصاية الفرنسية.

هموم الرئاسات القادمة


جولة بوش الأفريقية محاولة لكسب ود الأميركيين السود وتدعيم مكانته لدى المسيحيين اليمينيين البيض
أما الأهداف الداخلية للزيارة فلعلها أهم من الأهداف الخارجية، وأكثر إلحاحا على تفكير الرئيس بوش، منها كسب ود الأقلية الأميركية السوداء في الولايات المتحدة لصالح الحزب الجمهوري، الذي يُنظر إليه تقليديا على أنه حزب محافظ ذو ميول يمينية، يعتمد على أصوات الأميركيين البيض، ولا يعبأ بأصوات الأقليات وهمومها.

وفي تعيينات بوش لأعضاء حكومته ظهر هذا الاهتمام الجديد بأصوات السود الأميركيين لدى الحزب الجمهوري، متجسدا في تعيين كولن باول وزيرا للخارجية وكوندوليزا رايس مستشارة للأمن القومي في سابقة تاريخية غير معهودة في عرف السياسة الأميركية الداخلية.

وإذا تكشفت الزيارة عن نجاح دبلوماسي، وتم التدخل في ليبيريا بدون ثمن كبير، فمن شأن ذلك أن يزيد احتمالات نجاح بوش في الانتخابات الرئاسية القادمة، من خلال كسبه بعض أصوات السود الأميركيين المعروفين بولائهم تقليديا للحزب الديمقراطي.

ولا تقتصر الزيارة على محاولة كسب قلوب الأميركيين السود، بل تهدف أيضا –فيما يشبه المفارقة- إلى تدعيم مكانة بوش في صفوف الأصوليين المسيحيين من اليمينيين البيض، الذين يطمحون إلى توظيف معونات الولايات المتحدة -خصوصا برنامجها لمكافحة الإيدز– في نشر المسيحية بأفريقيا، وهو أمر يجد حماسا لدى الرئيس بوش، ويفسر ضخامة المبلغ الذي خصصه لذلك البرنامج.

وقد تحدثت بعض وسائل الإعلام الأميركية عن أن كولن باول قدم تقريرا للقس بيل غراهام عن الأوضاع في ليبيريا هذا الأسبوع. وبيل غراهام –لمن لا يعرفه– هو أبرز قادة اليمين المسيحي وأكثرهم شعبية في الولايات المتحدة، وله جهود جبارة في نشر المسيحية في أرجاء أفريقيا والعالم، وقد وصفه بوش مرة بأنه الرجل الذي قاده إلى الرب.

وربما كان هذا الاهتمام الديني -ذو الثمن السياسي- بأفريقيا من أهم الدوافع وراء إعطاء بوش أهمية خاصة للسودان من بين الدول الأفريقية جمعاء. حيث يضغط اليمين المسيحي ذو الوجود القوي في الحزب الجمهوري، لاتخاذ موقف أشد صلابة ضد الحكومة الإسلامية في السودان، دفاعا عن المسيحيين الجنوبيين، وعن الوثنيين أيضا الذين يعتبرهم بيل غراهام ومن شاكله "مؤهلين" لقبول المسيحية بأقل جهد. ومن سوء حظ السودان أن نفطه لم يبلغ بعد مستوى من الإنتاج يغري الحكومة الأميركية بالتسامح معه، والتعامل معه بمنطق تجاري لا ديني، كما هو دأبها في التغاضي عن دول النفط والتسامح مع سلوكها السياسي.

الرهان الصعب في ليبيريا


لا تتضمن زيارة بوش تغييراً جذرياً في السياسة الأميركية تجاه القارة السمراء إلا بقدر ما تمليه مصلحته السياسية وحزبه الجمهوري وحربه على الإرهاب
ويواجه بوش رهانا صعبا في ليبيريا، قد يؤثر في مستقبله السياسي، ومستقبل حزبه الجمهوري الحاكم. فهو لا يريد توريط القوات الأميركية في مشكلات دولة "غير مهمة" بمعايير الإستراتيجية الأميركية، في الوقت الذي لا يزال فيه وضع قواته في العراق غير مستقر، ومفتوح على كل الاحتمالات. وإذا تكشف خلل في حساباته في ليبيريا، ثم واجهت القوات الأميركية هناك مقاومة، فإن ذلك سيزيد من مأزقه السياسي الحالي في العراق. هذا إضافة إلى تململ بعض الأميركيين أصلا من الطابع الإمبراطوري لدولتهم، حيث تشير الإحصائيات إلى أن ثلاثمائة وسبعين ألفا من أصل نصف مليون جندي أميركي نظامي موجودون اليوم في مهمات عسكرية بالخارج.

ومن جهة أخرى لا يستطيع جورج بوش –وهو على أبواب انتخابات رئاسية- تجاهل أصوات الزنوج الأميركيين الذين يطالبونه بإلحاح بالتدخل لإنقاذ الوضع في ليبيريا، ومن أهم هؤلاء وزيره خارجيته كولن باول ومستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس، إضافة إلى صوت الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان.

المعروف أن دولة ليبيريا أسست على أيدي مجموعة من العتقاء الذين كانوا عبيدا في القارة الأميركية ثم عادوا إلى أفريقيا، ولذلك تربط شعبها -أو نخبتها السياسية على الأصح– روابط وثيقة بالسود الأميركيين.

ومما يزكي رجحان العوامل الداخلية هنا –خصوصا أصوات السود في أميركا– الخطوة الرمزية التي خطاها بوش بزيارته جزيرة غوري في السنغال، وهي كانت مركز شحن العبيد الأفارقة إلى أميركا. لكن بوش رفض الاعتذار للأفارقة عن جرائم العبودية، ربما لأسباب داخلية من نوع آخر، وهي خشيته من إغضاب اليمينيين الأميركيين البيض الذين يشكلون أساس قاعدته الانتخابية، وربما أيضا سدا للباب أمام إشكالات سياسية وقانونية عتيقة، أهمها التعويضات التي يطالب بها بعض السود الأميركيين اليوم عن المظالم التي حلت بأجدادهم.

ومهما يكن من أمر، فليس أمام جورج بوش خيار في أن لا يزور أفريقيا، أو يقف على أطلال جزيرة غوري، فقد أصبحت زيارة أفريقيا –منذ عهد كارتر- تقليدا لدى الرؤساء الأميركيين لا مناص منه، لاعتبارات داخلية وخارجية كثيرة. ومن حسن حظ الرئيس بوش أن الرئيس الليبيري تشارلز تايلور أعلن استعداده للتخلي عن السلطة تزامنا مع زيارة بوش لأفريقيا. ولولا هذا الإعلان من طرف مجرم الحرب الليبيري لما كان لجولة بوش الأفريقية أي أثر طيب أو ثمرة ملموسة.

وتظل الزيارة محصورة بنطاق اهتمامات الرئيس الأميركي، وهي اهتمامات ليس من ضمنها تغيير جذري في السياسة الأميركية تجاه القارة السمراء، إلا بقدر ما تمليه المصلحة السياسية للرئيس بوش وحزبه الجمهوري وحربه على الإرهاب.
__________________________
* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

المصدر : غير معروف