بقلم/ غراهام فولر*

يبدو أن إستراتيجية القاعدة تدخل في زقاق مظلم، فهي توسع عملياتها لتستهدف الغرب بشكل عام ولتنفيذ عمليات في العالم الإسلامي بطرق تضر بمصالح المسلمين بشكل متزايد. وإذا ما استمر هذا النهج فإن بن لادن سيفقد تعاطف الكثيرين في العالم الإسلامي معه.


كانت بداية إيديولوجية بن لادن رفضه للوجود العسكري الأميركي في السعودية وهو الوجود الذي وافق عليه علماء السعودية مع أن الكل يعلم أن علماء السعودية يدلون بفتاوى يريدها النظام بشكل عام
كانت بداية إيديولوجية بن لادن رفضه للوجود العسكري الأميركي في السعودية وهو الوجود الذي وافق عليه علماء السعودية مع أن الكل يعلم أن علماء السعودية يدلون بفتاوى يريدها النظام بشكل عام. ولذلك انصب غضب بن لادن على الولايات المتحدة وكذلك على علماء السعودية والنظام فيها بسبب دعم هؤلاء للوجود العسكري الأميركي. كما أن بن لادن اعتبر الولايات المتحدة العدو الأول بسبب قوتها ووجودها في منطقة الشرق الأوسط.

ولو كان بن لادن يتمتع بتعاطف عام معه في العالم الإسلامي فإن ذلك مرده الكراهية الكبيرة التي يكنها كثير منهم للولايات المتحدة بسبب سياساتها في المنطقة، خصوصا في ما تعلق بإسرائيل والحصار الذي تفرضه على العراق. ويبدو الأمر وكأن بن لادن خطط لكي يركز هجماته على أهداف أميركية بشكل أساسي باعتبار أن الولايات المتحدة دولة غير محبوبة في العالم الإسلامي بعد إسرائيل، لكن الإستراتجية الجديدة يبدو أنها لم تعد تركز على الهدف الحقيقي، وهو واشنطن.

نحن لا نعرف إن كان بن لادن مازال على قيد الحياة اليوم أم لا, ولكن إن كان قد مات فإن الذين خلفوه يبدون وكأنهم يتحركون في اتجاه جديد يوسع دائرة الصراع، فهم نفذوا تفجيرا مرعبا في بالي بإندونيسيا عندما هاجموا ملهى ليليا أدى إلى مقتل 187 شخصا وعدد كبير من الضحايا كانوا من السياح الغربيين الذين يقضون إجازتهم في بالي وغالبيتهم من الأستراليين إضافة إلى الكثير من الإندونيسيين سواء من الهندوس أو المسلمين.

ولم تكن أستراليا هدفا لتنظيم القاعدة من قبل لكنها كانت الضحية الأولى والكبرى لهجوم بالي، ونتيجة لذلك أصبحت أستراليا اليوم مستعدة للتعاون أكثر مع واشنطن في حربها على الإرهاب وسوف تضغط على الحكومة الإندونيسية لاتخاذ خطوات أكثر صرامة لمراقبة كل الإسلاميين. وشكل الهجوم ضربة قوية للسياحة الإندونيسية، إذ إن جزيرة بالي موقع سياحي رئيس في البلاد.

يأتي ذلك في الوقت الذي يعاني فيه اقتصاد إندونيسيا من الكساد المالي الدولي وانعدام ثقة كثير من المستثمرين الأجانب بالحكومة الإندونيسية، كما تستمر القلاقل الداخلية بين المسلمين والمسيحيين وتقع المذابح بين الجانبين، وبمعنى آخر فإن أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان تعاني من مشكلة كبيرة، ولا شك أن الوضع سيسوء كثيرا بعد انفجارات بالي.


نحن لا نعرف إن كان بن لادن مازال على قيد الحياة اليوم أم لا, ولكن إن كان قد مات فإن الذين خلفوه يبدون وكأنهم يتحركون في اتجاه جديد يوسع دائرة الصراع
ومرة أخرى نعود لموضوع أهداف القاعدة، فلو كان هدف بن لادن تدمير كل العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب فإنه يحقق النجاح في هذا المضمار. لكن هذا الهدف سلبي تماما ولن يفيد أحدا، وسيضر المسلمين أكثر من إضراره بالغرب كما رأينا. أما إذا كان هدف القاعدة هو مهاجمة كل الدول الإسلامية التي تقيم علاقات جيدة مع الغرب فإنه سيضر بغالبية هذه الدول الإسلامية وسكانها. وحتى لو كان كثير من الأنظمة في العالم الإسلامي سيئا فإن المصالح الاقتصادية للمسلمين تتعرض للضرر مما سيثير غضب هؤلاء المسلمين.

وكان الحادث الثاني المهم الذي وقع مؤخرا هو هجوم القاعدة على ناقلة النفط ليمبورغ قبالة سواحل اليمن. والسفينة هي في الواقع ملك لشركة النفط الوطنية الماليزية وكانت تحمل نفطا ماليزيا على الرغم من أنها كانت تحمل العلم الفرنسي، فماذا كانت نتيجة ذلك الحادث؟ أصبحت اليمن تحت ضغوط أكبر لأن الهجوم وقع في مياهها الإقليمية.

ولأن السفينة كانت تحمل العلم الفرنسي أعربت الحكومة الفرنسية عن غضبها من الحادث وتحدث الرئيس جاك شيراك عن الحاجة لتعزيز النضال ضد الإرهابيين، على الرغم من أن فرنسا كانت في الماضي متعاطفة مع كثير من قضايا المسلمين.

كما أن الحكومة الماليزية غاضبة على الرغم من أن رئيس الوزراء محاضر محمد كان يدعو باستمرار لدعم كثير من قضايا المسلمين حتى مع وجود علاقات جيدة له مع الغرب. كما أن الاقتصاد الماليزي الضعيف تلقى ضربة أخرى بهذا الهجوم، ومع ذلك فإن المصالح الأميركية لم تتضرر إلا قليلا جدا.

يبدو أن القاعدة تشبه أكثر وأكثر الحركة الفوضوية التي ظهرت في بدايات القرن العشرين عندما لم يكن همّ الإرهابيين الفوضويين سوى تقويض كل الحكومات والأنظمة في العالم، وقاموا بحملات اغتيال ضد القادة السياسيين في مختلف دول العالم. إن هدف تنظيم القاعدة يبدو شبيها بذلك العمل غير الهادف. فلو كان موجها ضد واشنطن وحدها لكان حصل على تعاطف شعبي أكبر بعض الشيء في مناطق من العالم الإسلامي الساخطة من السياسات الأميركية. ولكن إذا تضررت قوى غربية مثل فرنسا وأستراليا أيضا فإن دائرة الحرب تتسع وتنظيم القاعدة يكسب أعداء جددا بسرعة. وبسبب إضرارها بمصالح المسلمين أنظمة وشعوبا أيضا فإن التنظيم ربما يتجه إلى النهاية.

يستطيع تنظيم القاعدة بالتأكيد الاستمرار في قتل الناس وتفجير الأهداف، ولكن لن يكون لها سوى تأثير سياسي سلبي. والمسلمون أنفسهم يعرفون أن مثل هذه التكتيكات والإستراتيجيات لا تضر إلا قضيتهم حتى لو كانت المصالح الغربية هي المتضررة.

إن أساليب القاعدة تشبه أيضا أساليب الجماعة الإسلامية في مصر التي قتلت العشرات من السياح الأجانب في معبد الأقصر قبل خمس سنوات بغرض تدمير السياحة في مصر، إن جميع المصريين تقريبا شعروا بالغضب من هذه العملية التي لم تحقق شيئا سوى الإضرار بالاقتصاد المصري وبمصالح مئات الآلاف من الناس الذين يعتمدون على السياحة كمصدر دخل لهم. صحيح أن الهجوم أضر بنظام الرئيس مبارك أيضا لكن الثمن الذي دفعه البلد كله كان باهظا.


إنني أرى علامات على أن كثيرا من المسلمين -حتى الذين لهم ما يبرر غضبهم على كثير من السياسات الأميركية- بدؤوا يعترفون بأن عمليات القاعدة هذه تتحرك باتجاه طريق مسدود أو زقاق مظلم
كانت تلك ضربة كبيرة وجهها الشارع المصري ضد الجماعة الإسلامية، وهو السبب الذي يجعل كثيرا من أعضاء الجماعة يعترفون اليوم بغباء تلك الأساليب واعتذروا للشعب المصري عن الكثير من العمليات التي قاموا بها. وحتى نكون أكثر دقة، فإن هذا الاعتذار جاء من جانب إرهابيين في السجون لكن إقرارهم بالفشل وفقدان الشعبية صحيح سواء كانوا داخل السجن أو خارجه.

إنني أرى علامات على أن كثيرا من المسلمين -حتى الذين لهم ما يبرر غضبهم على كثير من السياسات الأميركية- بدؤوا يعترفون بأن عمليات القاعدة هذه تتحرك باتجاه طريق مسدود أو زقاق مظلم. إن هجماتها لم تعد مقصورة على المصالح الأميركية بل هي تضرب الآن كل شخص وتدفع قوات الأمن في كل مكان لتعزيز صفوفها. وبهذا الأسلوب الذي تستهدف فيه العالم أجمع تثبت القاعدة أنها لا تمتلك إستراتيجية أو رؤية للمستقبل سوى التدمير. المطلوب أن يقوم العالم الإسلامي نفسه بالتعامل مع هذه المشكلة وألا يترك علاجها لإدارة بوش التي تستخدم أساليب أكثر قسوة في حربها على الإرهاب.

المصدر : غير معروف