علي العبد الله*

-أولوية الدستور الديمقراطي
-وجوب التحرر من الاقتصاد شبه الريعي
-التجمع والدين.. التباس وتعارضات
-السياسة بين الواقع والتجريد

أصدر التجمع الوطني الديمقراطي المعارض في سوريا برنامجاً سياسياً (صدر بتاريخ 20/12/2001) حدد فيه رؤيته لما يجب أن يكون عليه الواقع السياسي والاقتصادي السوري والسياسة العربية والدولية لسوريا.

استطاعت ديباجة البرنامج إبراز مدى إيمان (التجمع) وتمسكه بخيار الديمقراطية وابتعاده عن الأساليب غير الديمقراطية. غير أن الخيار الديمقراطي أو العقلانية لا تستدعي أو تبرر التخفيف من قتامة الصورة التي تعيشها بلادنا، فالمعطيات العميقة تشير إلى أن النسيج الاجتماعي السوري معطوب، بسبب الممارسات القائمة على الامتيازات وعلى التمييز بين الناس والمناطق والاختلال الخطير في توزيع الثروة والسلطة، والوحدة الوطنية مخترقة بأشكال الاستقطابات البدائية (القبلية، المناطقية، الطائفية...إلخ) التي تجعل الوحدة الوطنية مظهراً خارجياً خادعاً. والانقسام العمودي حقيقة واقعة تتحين الفرصة لتذر قرن الفرقة والانقسام وتطيح بالطمأنينة والسكينة الزائفة.

أولوية الدستور الديمقراطي


النسيج الاجتماعي السوري معطوب، بسبب الممارسات القائمة على الامتيازات وعلى التمييز بين الناس والمناطق والاختلال الخطير في توزيع الثروة والسلطة، والوحدة الوطنية مخترقة بأشكال الاستقطابات البدائية (القبلية، المناطقية، الطائفية...إلخ)
تكشف صياغة القسم الأول "بناء الدولة الحديثة" عن خلل منهجي. فالبرنامج لا يميز بين الأساسي والثانوي، بين الأصول والفروع. حيث أن الأساسي في معظم المطالب الواردة هو الدستور وتحديد طبيعة الدستور التي تقود ضمناً إلى تحديد مدى توفر بقية المطالب التي تعتبر مترتباً لطبيعة الدستور. فالدستور أساس النظام وأساس السلطات والرقابة والمحاسبة، فالمطالبة بدستور ديمقراطي وإنجازه يوفر الأساس القانوني لمعظم المطالب من الفصل بين السلطات إلى الحريات العامة، مروراً بالانتخابات الحرة والإعلام الديمقراطي... إلخ. إنها مترتبات لقيام النظام الديمقراطي.

لذا كان على (التجمع) أن يحدد مطالبه وفق التمييز بين الأساسي والثانوي والتركيز على تحرير الدستور من بذور الشمولية بتغييره بكامله أو بتعديل بعض مواده بحيث يستجيب لمطالب محددة: الحريات العامة والمواطنة وحقوق الإنسان وفتح الحقل السياسي أمام جميع القوى والفئات الاجتماعية وأمام الخيارات السياسية والاقتصادية... الخ، كمدخل موضوعي لإخراج البلاد من أزمتها الراهنة, وتحرير البلاد من نمط السياسة السائدة حيث يقوم النظام على مطابقة تامة بين أهدافه الخاصة وإرادة الدولة، بينما ترتكز الدولة الحديثة على التمييز الواضح والقاطع بين الدولة والنظام/ الحكومة، ووضع الدولة في مكانها: شخصية اعتبارية تهيمن على السلطات، تتجسد في الدستور الذي تقوم السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالخضوع له والسهر على تنفيذه في آن واحد.. وهذا يستدعي تركيزاً خاصاً لإخراج سوريا من حالة الخلط السائدة بين الدولة والنظام.

كما قاد افتقاد البرنامج إلى فلسفة محددة ومتماسكة إلى المطالبة بإسناد مهمة "حماية النظام الديمقراطي" إلى الجيش و "سيادة القانون" إلى الأجهزة الأمنية (فقرة 10 و 11 ص6).

كنا نتوقع من البرنامج كي يكون متسقاً مع دعوته الديمقراطية، أن يطالب بتحرير الجيش من فلسفة الجيش العقائدي الذي يعتمدها النظام، وأن يدعو إلى إبعاد الجيش عن السياسة وتحويله ثانية إلى جيش للوطن لا جيش للحزب الحاكم. إن تكليف الجيش بـ "حماية النظام الديمقراطي" يمنحه سلطات استثنائية تجعله الطرف القوي في المعادلة الداخلية, في حين أن المطلوب هو إنهاء جميع حالات الاستثناء السائدة.

أما اعتبار "سيادة القانون" جزءاً من صلاحيات الأجهزة الأمنية فمثال آخر على تناقضات البرنامج -الذي يطالب بالحريات العامة والمواطنة وحرية الفرد وحقوق الإنسان إلخ- وهو ما يسمح باستمرار سيادة فلسفة "السياسة أمن" وتسرب النظرة الشمولية إلى رؤى (التجمع)، في حين يقتضي خط (التجمع) الفكري والسياسي المعلن في برنامجه تحديد الاختصاصات ومحاربة كل تعويم أو توسيع للصلاحيات يقود إلى التسلط والاستبداد وسيادة التجاوزات والانحيازات والامتيازات. فالمنطق يستدعي أن يكون القضاء والمحكمة الدستورية العليا صاحب الحق الوحيد في رعاية سيادة القانون.

وجوب التحرر من الاقتصاد شبه الريعي

تميزت رؤية (التجمع) الاقتصادية (القسم الثاني في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية) التي عرضها البرنامج بالعمومية، حيث جاء التصور عاماً ومختزلاً، ولم يقدم قراءة عينية للمشكلات الاقتصادية التي تواجهها سوريا، حيث الحالة المعيشية مترتب لمجموعة من السياسات القطاعية: المالية والنقدية والأجور والتوظيف والاستثمار، والسياسة الاقتصادية بالإضافة إلى نتائجها الواقعية على صعيد التضخم والدخل والأجور والبطالة والميزان التجاري والعجز في الموازنة، والمديونية الداخلية والخارجية وخدمة الدين والناتج الوطني العام... إلخ.


كنا نتوقع من البرنامج، كي يكون متسقاً مع دعوته الديمقراطية، أن يطالب بتحرير الجيش من فلسفة الجيش العقائدي الذي يعتمدها النظام، وأن يدعو إلى إبعاد الجيش عن السياسة وتحويله ثانية إلى جيش للوطن لا جيش للحزب الحاكم

إن إعطاء رأي أو حل للمشكلات الاقتصادية والمعيشية والخدماتية التي تعاني البلاد من تبعاتها، يستدعي فهم بنية الاقتصاد وقطاعاته ودور كل قطاع في الناتج الوطني العام، ومدى ثبات هذا الدور ومناسبته لتنمية وطنية مستديمة تؤمن استقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتضع البلاد على عتبات سلم صاعد.

لذا كان على البرنامج تناول كل هذه المسائل ووضع حلول واقعية بعد تحديد وضعها الراهن، فإن نظرة إلى التركيب القطاعي للاقتصاد السوري تكشف دون عناء عن طبيعته شبه الريعية، حيث الاعتماد الرئيس في هذا الاقتصاد (أكثر من 60% من الناتج الوطني العام) على القطاعات المنجمية (نفط وفوسفات) وتحويلات العاملين السوريين في الخارج (حوالي 1.5 مليون شخص) والمساعدات العربية، مما جعل سوريا دولة شبه توزيعية.

إن تحديد طريقة إنتاج الثروة الوطنية يكشف نقطة ضعف الاقتصاد السوري القاتلة، وهي اعتماده على الريع (نفط وفوسفات ومساعدات عربية وتحويلات العاملين), وكلها مصادر مرتبطة بشروط خارج السيطرة الوطنية (أسعار النفط والمساعدات والتحويلات), مما يترك الاقتصاد السوري عرضة للاهتزازات العنيفة التي تتعرض لها الأسواق الدولية، كأسعار النفط والفوسفات ووضع الدول المساعدة التي تستقبل في الوقت نفسه معظم الأيدي العاملة السورية المهاجرة.

بعد هذه النظرة العامة والأساسية يمكن تركيب تصور اقتصادي يراعي نقطة الضعف السابقة, ويقيم علاقة تكاملية بين عناصر المعادلة الاقتصادية من جهة والحاضر والمستقبل من جهة ثانية, ووضع حلول للمشكلات العينية الماثلة في الاقتصاد, كالأجور والبطالة والركود والتضخم والاستثمارات. كل هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن وضع تصور اقتصادي عام وتنفيذه غير ممكن ما لم تتوفر أرضية سياسية/ قانونية، تبدأ بسيادة القانون والمحاسبة ومحاربة الفساد.

التجمع والدين.. التباس وتعارضات

يتضمن موقف (التجمع) من الدين التباسا وعدة تعارضات, الالتباس في إلحاقه الدين بالمجتمع المدني دون تحديد أي مجتمع مدني وبأي المفاهيم, أم بالمفاهيم التي تجعل المجتمع المدني خارج المستوى السياسي (كما ذهب كل من هيغل وماركس )؟ أم بالتي تجعل المجتمع المدني جزءا من السياسة (كما ذهب غرامشي)؟

أما التعارضات فتتمثل في تسليمه "بحرية الفكر والضمير والتعبير والاعتقاد" من جهة , ومن جهة ثانية تقييده حق المواطنين وحريتهم في ممارسة شعائرهم الدينية بـ "مبادئ النظام العام وتعزيز وحدة المجتمع وتعميق الاندماج الوطني".


اعتبار "سيادة القانون" جزءاً من صلاحيات الأجهزة الأمنية مثال آخر على تناقضات البرنامج – الذي يطالب بالحريات العامة والمواطنة وحرية الفرد وحقوق الإنسان ...الخ
كيف اجتمعت الحرية والتقييد؟ ومتى كان النظام العام قيدا على عقيدة المجتمع؟ فالنظام العام يصاغ عادة على ضوء عقيدة مجتمعه ليكرسها, فهي تحدد له سياقاته وتمنحه الشرعية وهو بدوره يقننها ويؤطرها. أما أن يكون النظام العام مقطوع الصلة بعقيدة المجتمع فأمر شاذ وغير معقول ويستدعي التصحيح وإعادة النظر, ثم لماذا يفترض البرنامج أن ممارسة الشعائر الدينية تنطوي على أخطار تهدد وحدة المجتمع واندماجه الوطني حتى يجعل من وحدة المجتمع واندماجه إطارا لممارسة الشعائر الدينية؟ ثم كيف يحدد مضمون الدين بـ "الروحي" ووظيفته بـ "الأخلاقية"؟ وهي نظرة لا يمكن تعميمها على كل الأديان إذ أن للإسلام وظائف أبعد وأشمل, ويحذر من فقدان هذا المضمون وهذه الوظيفة إذا ما تحول الدين إلى أداة في خدمة أهداف سياسية, ويدعو إلى إصلاح الفكر الديني وتجديده باعتباره "أهم عوامل النهوض والتقدم" في آن واحد، ناهيك عن أن الفقرة تتحدث عن الدين دون تحديد لصفته, بينما هي تقصد بحدودها وقيودها الدين الإسلامي لأنه دين الأغلبية في المجتمع السوري. فإذا كان الأمر كذلك فإن الأحكام التي صدرت تصبح غير واقعية, لأن في الإسلام أكثر من المضمون الروحي والوظيفة الأخلاقية, إنه صاحب رأي ورؤية في إدارة شؤون الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية, وتجاهل ذلك يعكس عدم موضوعية البرنامج, إن لم نقل تعمده تجاهل ذلك لاعتبارات سياسية, هي التخلص من خصم سياسي وعقائدي كبير أو لاسترضاء السلطة باستبعاد التيار الإسلامي من الفضاء السياسي السوري, وربما يفسر ذلك إدخال البرنامج الديني في إطار المجتمع المدني, ويحدد معنى المجتمع المدني المتداول في أدبيات (التجمع) أي وضع الدين خارج السياسة.

السياسة بين الواقع والتجريد

سيشعر قارئ القسم الثالث "في السياسة العربية والدولية" من البرنامج بمرارة وخيبة أمل, لأن البرنامج لم يأت -على عكس القسمين السابقين على ضعفهما- بما يفترض أن يتضمنه قسم يتناول السياسة العربية والدولية لسوريا. إذ أن المنطقي أن يتحدث هذا القسم عن سياسة سوريا العربية ويحدد صورتها ومدى تطابقها مع المنطلقات النظرية للنظام من جهة، ومدى صلاحيتها للتعاطي مع الواقع العربي والمشكلات التي يعاني منها في ضوء الاعتبارات العربية والإقليمية والدولية من جهة ثانية.
لقد انغمس البرنامج في حديث نظري وفرضيات مجردة عن الرؤية القومية والديمقراطية والنزعة القطرية، والارتباط بين التابعية والاستبداد والوحدة العربية وإدانة السياسة الإمبريالية، والتشاغل في قضايا غير راهنة كالوحدة العربية، وترك القضايا الراهنة للسياسة العربية والدولية لسوريا خارج نطاق معالجته وأولوياته, في عملية هروب إلى الأمام غير مبرر من (تجمع) مناضل من أجل قضايا الحرية والوطن.

كما سيجد قارئ هذا القسم نفسه أمام جملة تقديرات غير دقيقة مثل قول البرنامج إنه "صراع وجود مرتبط بميزان القوى الدولي والإقليمي والعربي لا بميزان القوى العربي الإسرائيلي فقط، وقد كان هذا الميزان ولا يزال في مصلحة إسرائيل". ويربط استمرار ميل ميزان القوى لصالح إسرائيل بـ"التأخر والتجزئة والاستبداد في الجانب العربي".


النظام العام يصاغ عادة على ضوء عقيدة مجتمعه ليكرسها, فهي تحدد له سياقاته وتمنحه الشرعية وهو بدوره يقننها ويؤطرها, أما أن يكون النظام العام مقطوع الصلة بعقيدة المجتمع فأمر شاذ وغير معقول ويستدعي التصحيح وإعادة النظر
فالتناقض بين بداية التقدير ونهايته واضح، إذ أن الصراع في بداية التقدير مرتبط بميزان قوى دولي وإقليمي وعربي, واستمرار ميله لصالح إسرائيل سببه -كما جاء في نهاية التقدير- "التأخر والتجزئة والاستبداد في الجانب العربي". وهذا يجعل الصراع مرتبطا بميزان قوى عربي إسرائيلي. صحيح أن خروج الأمة العربية من حالة التأخر والتجزئة والاستبداد سيحسن موقعها في ميزان القوى, ولكنه لا يعدله إلا في ظل معادلة دولية وإقليمية مواتية.

في ذات السياق يرى البرنامج أن "فرصة سنحت لتعديل ميزان القوى بمحاولة النهضة العربية الثانية التي قادها عبد الناصر ولكن الأمة العربية ضيعت تلك الفرصة التاريخية". إن عجز الأمة العربية عن الانتصار في معركة كبيرة ومعقدة لا يقود إلى الاستنتاج الساذج أنها ضيعت الفرصة "وكأنها كانت متروكة أو تمارس عملية نهوض منعزلة عن الشروط الموضوعية للصراع وعجزت لأسباب جوهرية عن تحقيق نهضتها الثانية، هذا ناهيك عن عدم دقة قول البرنامج إن الأمة ضيعت الفرصة، لأن الذي انهزم هم قادة الأمة ونخبتها السياسية والثقافية وبرامجها وأساليبها.

في الختام كنا نتوقع من التجمع الوطني الديمقراطي -بدلالة مبادئه ووعوده- برنامجا واضحا ومفصلا يتناسب مع طموحات شعبنا ووطننا اللذين نحبهما.

_______________
* كاتب ومحلل سياسي سوري

المصدر : غير معروف