بقلم/ غراهام فولر*

سجلت هذا الشهر واقعة كبيرة في العالم الإسلامي تمثلت في انتصار حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التركية. وينبغي على الغرب والعالم الإسلامي على حد سواء الانتباه جيدا إلى هذا الحدث لأنها المرة الأولى التي يصل فيها حزب إسلامي إلى السلطة في انتخابات حرة نزيهة.

وقد لاحظت أولا أن بعض الإسلاميين في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي كانوا قد أعلنوا من البداية أن حزب العدالة حزب إسلامي "مزيف"، لأنه لا يملك أجندة إسلامية حقيقية بعد أن أعلن هذا الحزب أنه لا يعتزم تطبيق الشريعة الإسلامية وأنه يؤيد العلمانية. وهؤلاء الإسلاميون أنفسهم يزعمون أن تركيا "بيعت" للغرب، وينكرون تراثها الإسلامي. دعونا في هذا المقام نبحث هذه الانتقادات.


حزب العدالة لا يمكنه إلا إعلان نفسه حزبا علمانيا حتى لا يخرج على الدستور، وبعض الأتراك يتهمونه بالتقية
صحيح أن حزب العدالة يدعي أنه حزب غير إسلامي فهو لا يملك أي خيار سوى إعلان نفسه حزبا علمانيا لأن أي حزب، وفق الدستور التركي، يحاول تدمير النظام العلماني فإنه حزب غير قانوني. والواقع أن بعض الأتراك يشككون في أن حزب العدالة ربما يكون يمارس نوعا من "التقية" عندما يصف نفسه بالعلماني. لكن ذلك ليس هو الواقع، فحزب العدالة جاء من رحم أحزاب موجهة إسلاميا في تركيا كانت قد حظرت في الماضي. وهو يملك قيادة شابة جديدة تحل مكان قيادة نجم الدين أربكان الإسلامي الذي يمثل سياسة الماضي. وتعتقد هذه القيادة الجديدة اعتقادا واضحا أن القيم الإسلامية لها دور مهم تلعبه في السياسة التركية والمجتمع التركي حتى لو لم يتم السماح بتطبيق الشريعة الإسلامية. والواقع أنه من غير المسوح به عمل ذلك.

ولكن هل تطبيق الشريعة هو المقياس الوحيد للحكم على حزب ما بأنه إسلامي أو يمثل القيم الإسلامية؟ إن غالبية القضايا المتعلقة بالحكم في المجتمعات الحديثة تتعامل مع مسائل معقدة كالحرب أو السلام، والتعليم وسياسة الضرائب، ومسائل استثمارات الدولة والقروض الخارجية وتطوير التكنولوجيا والتجارة وهي كلها ليس لها علاقة مباشرة بالشريعة. ولاشك أن المسلمين يمكنهم استنباط قيم أساسية ومبادئ عامة من الإسلام تتعلق بالسياسات، مثلما يعتقد كثير من المسيحيين في الغرب أن الإجهاض يخالف القيم المسيحية حتى لو لم يأت الإنجيل على ذكر شيء عن الإجهاض. ولذلك لا يمكننا اعتبار الشريعة بأنها أهم عامل في الحكم على حكومة ما من حيث كونها جيدة أو غير ذلك، أو إن كانت هذه الحكومة متأثرة بالقيم الإسلامية أم لا.

ولابد أن نتذكر أيضا أن أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل تركيا حليفا قويا للغرب اليوم يأتي من الجغرافيا والجيو-سياسة. فالدولة التركية كانت لمئات السنين الضحية الرئيسية للتوسع الروسي (وينطبق هذا الحال على إيران أيضا) إذ أن روسيا والإمبرياليين السوفيات بعد ذلك غزوا أجزاء من الدولتين العثمانية والصفوية. وسعت تركيا للحصول على المساعدة من الغرب لتأمين الحماية لها من المزيد من العدوان والتهديدات الروسية التي استمرت حتى انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن روسيا لم تكن مشكلة بالنسبة للعرب إذ أن الإمبريالية الأوروبية هي التي كانت الخطر الأكبر الذي يتهددها.


العلمانية الحقيقية ليست التي يمارسها أو يريدها الجيش التركي الذي يريد للدولة أن تهيمن على الدين فهذه ليست علمانية.. وكثير من الإسلاميين في تركيا يبدون إعجابهم بالعلمانية الحقيقية كما هي في الغرب

كما أن حزب العدالة في تركيا قبل بالعلمانية كما ينص الدستور وهو ما يطالب به الجيش التركي أيضا. ولكن ماذا تعني العلمانية في واقع الأمر؟ إنها في تركيا تعني أن الدولة تسيطر على الدين وأحيانا كثيرة تقمعه. لكن هذه ليست هي العلمانية الحقيقية، بل هي العكس تماما. فالعلمانية في أميركا تعني أن الدين لا يستطيع فرض نفسه بموجب القانون على الدولة، ولكن الأهم من ذلك أن الدولة لا تستطيع السيطرة على الدين، فالمؤسستان الدينية والسياسية منفصلتان عن بعضهما. لكن القيم والأفكار الدينية تلعب دورا كبيرا في السياسة الأميركية، وانظر إلى الحركات القوية المناهضة للإجهاض والمسيحيين الصهاينة الذين يدعمون إسرائيل بقوة. إن كثيرا من الإسلاميين في تركيا اليوم يبدون إعجابهم بالعلمانية الحقيقية التي تحمي الدين من الدولة. ومثل هذا المبدأ يمكن أن يكون مهما جدا بالنسبة للإسلاميين المعتدلين في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي حيث يتعرضون للاضطهاد.

كما أن الانتصار الذي حققه حزب العدالة سيؤثر أيضا على وجهة النظر الأميركية بشأن الأحزاب الإسلامية. فمن الواضح أن واشنطن اتخذت موقفا سلبيا تماما من (الإسلامية) منذ الثورة الإيرانية وخصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر التي نفذتها القاعدة باسم الإسلام. لكن واشنطن تبدو الآن قد أعادت تقييم موقفها هذا بعد النصر الذي حققه حزب العدالة، فقامت وزارة الخارجية بتهنئة تركيا على الانتخابات النزيهة وهي تبدو مستعدة للتعامل مع حزب العدالة إذا شكل الحكومة الجديدة. كما أنها من حيث الواقع تقول للجيش التركي ألا يحاول حظر الحزب مقدما. إنني أرى هذا التطور مشجعا جدا لأنه يمثل سابقة لقبول أميركي محتمل بالأحزاب الإسلامية في الدول الأخرى في المستقبل. فهناك بعض الحواجز تم كسرها.

هل يساوم حزب العدالة في تركيا على شخصية الإسلام الحقيقية؟ بعض المسلمين وخصوصا من التيار السلفي سيقولون إن هذا ليس إسلاما "حقيقيا". ولكن ما هو الإسلام الحقيقي؟ بعيون من؟ هل يتوجب على حزب العدالة المطالبة بعودة الخلافة حتى يعتبره المسلمون الآخرون حزبا إسلاميا "حقيقيا"؟ ولو استطاع حزب العدالة جلب مزيد من الحرية للإسلام في تركيا ورفع الحظر المفروض على ارتداء الفتيات والنساء لغطاء الرأس داخل الجامعات أو في مؤسسات الدولة، ولو نجح هذا الحزب في تحسين علاقات تركيا مع الدول الإسلامية الأخرى، ونجح في تحسين معيشة المسلمين الأتراك وتعزيز هذا البلد المسلم، ألا تعتبر هذه مكاسب إيجابية لدور الإسلام في العالم الإسلامي؟

إن تركيا تواجه بعض المشكلات شديدة الصعوبة وخصوصا في المجال الاقتصادي والناس تطالب بالتغيير والتحسين. إنني بصراحة لا أعرف المدى الذي سينجح فيه حزب العدالة في إدارة البلد لكن الزمن كفيل بتوضيح ذلك. إن قيم الحزب الإسلامية يمكن أن تكون مرشدا أخلاقيا مهما للقيادة، لكن كثيرا من المهارات الأخرى مطلوبة غير المعرفة بالقرآن والفقه إن أراد حزب العدالة أن يثبت للشعب التركي أنه يستحق أن يكون في السلطة، أو لكي يعيد انتخابه. وعلى حزب العدالة أن يثبت للشعب التركي أنه مهتم في كل القضايا التي تؤثر على البلاد وأنه يملك المواهب والأفكار لحل المشاكل المعلقة. هذا هو الاختبار الحقيقي.

والواقع أن أي حزب مهتم بالدين والشريعة ربما لا ينبغي عليه أن يأتي إلى السلطة في أي بلد لأن مهمة الحكومة أكبر بكثير من التعامل مع المسائل الدينية. إن المسائل الدينية مهمة ولكن إذا كانت مجموعة ما مهتمة بها بشكل رئيسي فمن الأولى لها أن تبقى حركات لإيصال الدعوة للناس والتركيز على الخطاب الديني والأخلاقي، ولكن ينبغي ألا تشكل حكومة.

ولذلك فإن الغرب والعالم الإسلامي مدعوان لمراقبة هذا التطور الجديد والمهم في تركيا، فما يحدث في تركيا يؤثر ولابد أن يؤثر على بقية دول العالم الإسلامي. إن تركيا اليوم أكثر دولة إسلامية ناجحة في العالم من حيث الديمقراطية والحرية. فصوت الشعب مسموع والناس هناك قادرون على الإطاحة بالحكام الذين لا يريدونهم. إنني أتوقع أن تتحرك تركيا نحو الاتحاد الأوروبي ببطء حتى لو كان بعض الأوروبيين يعارضون هذا باعتبار أن تركيا دولة مسلمة. والواقع أن حزب العدالة يريد إدخال تركيا إلى أوروبا حتى يكون للإسلام صوت داخل أوروبا.

ولأول مرة منذ كمال أتاتورك، يدخل السياسة التركية حزب مهتم بتطبيق القيم الإسلامية في الحكومة والمجتمع على حد سواء، وهو حزب العدالة. إنهم لن يفرضوا وجهات نظرهم بالقوة، وسيتركون السلطة عندما يشعر الشعب أنهم لم يعودوا يعملون جيدا. وخلال مراقبة هذا التطور في تركيا يتعلم كل من الغرب والجيش التركي والإسلاميون الأتراك وبقية العالم الإسلامي والأحزاب الإسلامية خارج تركيا، بعض الدروس المهمة .. خير إن شاء الله.

المصدر : غير معروف