بقلم/ أكرم البني

بعيد الاحتلال الأميركي للعراق تعالت الأصوات القائلة بأن ما حصل كان مخططا صهيونيا نفذته أياد أميركية وبريطانية، وبعيد مبادرة الرئيس الأميركي جورج بوش حول "الشرق الأوسط الكبير" تسارعت الاجتهادات القائلة بأنها صورة أميركية لتمرير مشروع شمعون بيريز عن "الشرق الأوسط الجديد"، وعادت إلى الواجهة المبالغات حول دور إسرائيل واللوبي الصهيوني في رسم السياسة الأميركية الشرق أوسطية، وصلت عند بعض المحللين السياسيين إلى إحياء نظرية المؤامرة واعتبار الولايات المتحدة بكل جبروتها، مجرد أداة طيعة بيد إسرائيل تسخرها كيفما تشاء لتنفيذ مشروعها الصهيوني.


السياسة الأميركية هي المقررة في نهاية المطاف، وتستطيع في اللحظة الحرجة فرض ما تريد ولجم أي اندفاعة إسرائيلية تخالفها مهما بدت جادة أو صاخبة
فهل ثمة جديد في الإستراتيجية الأميركية؟! وما صحة القول إن سياسة واشنطن الشرق أوسطية تصنع في تل أبيب؟! ثم إلى أي مدى يصح القول بانحسار دور إسرائيل أمام الحضور العسكري الأميركي المباشر؟! وهل ما نشهده من توغل إسرائيلي في الوضع الفلسطيني وشهية مفتوحة على القتل والتدمير هو بمثابة تعويض عن ذلك، شريطة إطلاع واشنطن مسبقا على النوايا والخطط المبيتة، بدليل قلق مستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس لأنها لم تحط علما بحادثة اغتيال الشيخ أحمد ياسين؟!

إن العلاقة بين أميركا وإسرائيل لم تكن في يوم من الأيام سوى علاقة تكامل أو لنقل تناغم بين دورين في خدمة مصالح وأهداف واحدة، فأي تقدم أميركي في المنطقة -عسكريا كان أم سياسيا- يصب الماء في طاحونة إسرائيل ويعزز تفوقها النوعي على خصومها القائمين والمحتملين، والعكس صحيح.

وإذا كان ثمة دور يلعبه اللوبي الصهيوني في التأثير بالسياسة الأميركية الشرق أوسطية، فمن الخطأ والخطر في آن معا معايرة الوزن الإسرائيلي بأكثر مما يستحق، وتجاهل قوة المصالح الإستراتيجية الأميركية الخاصة كدافع حقيقي وراء سياساتها للسيطرة على أغنى بقعة نفطية في العالم.

وبالتالي من الوهم الاعتقاد بأن أميركا غير قادرة على فرض إرادتها أو عاجزة عن إخضاع السياسات الإسرائيلية لإملاءاتها عندما تتطلب مصالحها، ولنتذكر الضغط الذي مارسته لإكراه إسرائيل على توقيع غير اتفاقية من "اتفاقيات السلام" مع أنظمة عربية، أو إهمالها الاعتراضات الإسرائيلية على صفقات أسلحة متطورة عقدت مع مصر والكويت والسعودية.

وأيضا لا يزال حاضرا في الذاكرة ما حدث عام 1992 حين رفض الرئيس الأميركي جورج بوش الأب إعطاء إسرائيل ضمانات قروض إلا بعد إذعانها لاشتراطاته السياسية، وما ترتب على ذلك من انعكاسات على التركيبة السياسية داخل إسرائيل، وعلى نتائج انتخابات الكنيست التي تلت ذلك.

بالمقابل من الوهم اعتبار شارون -أو غيره من قادة إسرائيل- قادرا بطيشه ورعونته أن يسرح ويمرح على هواه وأن يمارس سياسات خاصة قد تنعكس سلبا على المصالح الأميركية.

مثل هذه الحقيقة ترتكز إلى عوامل موضوعية، تبرهن شدة ارتهان الدولة الصهيونية للولايات المتحدة الأميركية، اقتصاديا وعسكريا، فأميركا تزود إسرائيل بنحو ثلثي الأسلحة المتطورة التي تحتاجها، كما تزودها بمعظم مستلزماتها من الصناعات المدنية والعسكرية.

ووفق اتفاق التعاون الإستراتيجي الذي وقعه شارون بنفسه عام 1981 واتفاقية التبادل التجاري الحر 1982 واتفاقيتي الدفاع والتجارة 1985، أصبح الاقتصاد الإسرائيلي جزءا شبه عضوي من الاقتصاد الأميركي، وأضحت المساعدات الأميركية لإسرائيل جزءا من مصروفات وزارة الدفاع الأميركية، وأهمها مساعدة نقدية دورية تتجاوز أربعة مليارات دولار سنويا.

فإلام تهدف هذه المساعدات؟! أليس في اعتماد إسرائيل الواسع عليها هو موت موضوعي لقرارها السياسي المستقل لتغدو في الحسابات الإستراتيجية الأميركية أداة طيعة وتحت السيطرة تماما، بل سلاحا ناجعا وجاهزا -عند الضرورة- لإجهاض أو تثبيط أي تطور أو تحول يمكن أن يهدد استقرار المصالح الأميركية في المنطقة؟!

إن الحجم الهائل من المساعدات الأميركية الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل، يشير بصورة جلية إلى مدى تبعية الكيان الصهيوني والتحاقه بالولايات المتحدة التحاق الحاجة إلى الحياة والاستمرار، وتاليا إلى استحالة الخلاص والانفكاك منها في المدى المنظور، بما يعني صعوبة -إن لم نقل استحالة- أن تغرد الحكومات الإسرائيلية بكل أشكالها وألوان تطرفها خارج السرب الأميركي، أو تقدر على اتخاذ قرارات لا تتفق مع مصالح المانح والشريك الأكبر، فالسياسة الأميركية هي المقررة في نهاية المطاف، وتستطيع في اللحظة الحرجة فرض ما تريد ولجم أي اندفاعة إسرائيلية تخالفها مهما بدت جادة أو صاخبة.


يبدو أن أميركا لا تريد ارتداء لباس المصالح الأنانية، فلجأت إلى التبطين والتستر خلف هدف نبيل كنشر الديمقراطية أو رسالة سامية كتنمية حقوق الإنسان، في محاولة لمغازلة توق الناس إلى الحرية
لكن ما سبق لا يتنافى أبدا مع أهمية اللوبي الصهيوني وقدرته في لحظات معينة على التأثير في السياسات الأميركية الشرق أوسطية وتوسيع زاوية انحيازها لمصلحة إسرائيل.

فالحق يقال أن اليهود هم أكثر الأقليات الأميركية تنظيما على صعيد المؤسسات والفعل الجماعي الملموس، ويعدون بمعايير الفعل والنفوذ قوة ذات تأثير نسبي على القرارات السياسية الأميركية المتعلقة بالشرق الأوسط، لما يملكونه من مصادر للقوة الاقتصادية، ومن شبكة تنظيمية واسعة وبالغة الكفاءة -سياسيا وإعلاميا- نجحت عبر ضغطها الدائم على الإدارات الأميركية المتعاقبة في تعزيز دعم واشنطن لإسرائيل على كافة الصعد، مرة عبر علاقاتها الوطيدة مع بعض المسؤولين الأميركيين، ومرة تحسبا من إمكاناتها في توجيه الرأي العام الأميركي بما يتعارض مع حسابات النخب السياسية خلال عملية تجديد مناصبها، إلى جانب الكثير من المساعدات العسكرية والمعونات المادية التي قدمت لإسرائيل تعويضا لها عما سمي تنازلا للشروط الأميركية.

ويبقى الهاجس الرئيسي لأي إدارة أميركية هو ضمان استقرار مصالحها وتطوير سياسة تحمي هذه المصالح وتنميها، سياسة اتجهت في ظروف الحرب الباردة نحو دعم الحلفاء والوسطاء المحليين في مواجهة المد الشيوعي ولضمان استقرار المصالح الغربية في المنطقة.

لكن يبدو أن سياسة أميركية جديدة في الشرق الأوسط بدأت تتبلور بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وهجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 أقدر على التعاطي مع أزماته وملاحقة إيقاع مشكلاته المتنوعة، جوهرها الاستعاضة عن سياسة الوكلاء بحضور مباشر -عسكري وسياسي- تكلل باحتلال أفغانستان والعراق على التوالي، وبإصرار لافت على التفرد في قيادة إستراتيجية مواجهة الإرهاب والحرب على الأصولية الإسلامية، لتظهر واشنطن اليوم كأنها "جوبيتر" تشهر بيدها قوة أسطورية مفرطة وتتنطح بجسدها لإدارة الصراع العالمي وأزماته.

ومن هنا يمكن القول إنه أيا تكن الأهمية الإستراتيجية التي كسبتها إسرائيل إبان الحرب الباردة فإن وزنها بدأ يتراجع بشكل ملموس وتنحسر الحاجة إلى دورها التاريخي في المنطقة.

ولعل من تجليات هذه الحقيقة سيناريو الحربين الأميركيتين على العراق، وإصرار واشنطن على إخراج إسرائيل من النزاع وإجبارها على البقاء بعيدا عن الصورة تماما، دون أن يعني عدم اللجوء إليها عند الحاجة واستخدامها عصا غليظة لتأديب أي جديد سياسي يمكن أن يحمل اعتراضا على المستقبل الأميركي للمنطقة، كما في لبنان وضد سوريا.

ثمة عنصر آخر ذو قيمة إستراتيجية في جديد السياسة الأميركية يمكن وصفه بالسعي لبناء علاقات سيطرة بعيدة المدى على بلدان المنطقة تتجاوز ما درجت عليه العادة من تدابير سياسية ظرفية أو تفاهمات مؤقتة مع الحكام أيا كان نوعهم وأيا كان شكل الحكم القائم ونمط المجتمع الذي يحكم، لمواجهة خطر داهم كالنفوذ الشيوعي أو التطرف والإرهاب.

فالتدابير القديمة تترك الأوضاع عرضة للقلاقل والانتكاس تبعا لدرجة ثبات النخب الحاكمة واحتمالات تطور حسابات المصالح، مما شجع صناع السياسة الأميركيين على إشهار سياسة من نوع آخر تتطلع إلى تغيير البنى المجتمعية ككل، والسعي لخلق مجتمعات جديدة تستند إلى علاقات مؤسسية أكثر استقرارا ونمط حياة وفق قيم النموذج الليبرالي الأميركي ومعاييره -هو أقل قابلية للارتداد والارتكاس- الأمر الذي يساعد واشنطن من زاوية أخرى على إنجاح حملتها المحمومة ضد الإرهاب والأصولية الإسلامية وفق اعتبار يقول إن الديمقراطية هي أفضل المناخات المساعدة على تجفيف منابع الإرهاب وسحب البساط من تحت أقدام قوى التعصب والتطرف، وإن تنمية المنطقة اقتصاديا وتعليميا ودعم الحريات السياسية فيها يمكن أن يخفف إلى حد كبير من عداء المجتمعات العربية لأميركا ومن نمو ردود أفعال حادة وعنيفة ضدها.

ناهيك عن دور مناخات الديمقراطية برأي أصحاب البيت الأبيض في استتباب الاستقرار والأمن العالميين نظرا لأن الانفتاح والتعددية السياسية يوفران شرطا جديدا ينأى عن استخدام العنف في تسوية النزاعات الدولية، ويمكن أن يخفف من صور الكراهية والضغائن في النفوس ويخلق أيضا آليات لمحاسبة القيادات السياسية عما تقوم به من أعمال أمام شعوبها فيقيد حركتها إلى حد كبير ويلجم اندفاعاتها العدوانية الخارجية.

إذا فالأهداف الإستراتيجية والمصالح الحيوية الأميركية تقتضي اليوم الجمع بين الحضور العسكري المباشر في حروب هجومية ودفاعية وأيضا استباقية مع مساعي تبدو جدية لتغيير النظم والشعوب في آن معا، ويبدو أن أميركا لا تريد أن ترتدي لباس المصالح الأنانية، فلجأت إلى التبطين والتستر خلف هدف نبيل كنشر الديمقراطية أو رسالة سامية كتنمية حقوق الإنسان، في محاولة لمغازلة توق الناس إلى الحرية وتسويغ أي دور يمكن أن تضطر إليه لردع ما يمكن أن يهدد هيمنتها أو يخدش نفوذها، خصوصا ضد نمو مستوى من الاستقلالية المناطقية أو الإقليمية للسيطرة على الثروة النفطية.


الغاية الرئيسية من شن الحرب على العراق هي دعم تفرد واشنطن في الهيمنة على العالم والسيطرة على عملية تدفق النفط إلى الأسواق العالمية للتحكم إستراتيجيا بمستهلكيه من دول أوروبا واليابان
وجديد السياسة الأميركية هو نتيجة طبيعية لما صارت إليه الولايات المتحدة من قوة عسكرية واقتصادية تتعاظم وتتوسع كل يوم، مما يمنحها ديمومة ودينامية تتجاوز إرادة رئيس ما أو إدارة بعينها، كما لا ترتهن كما يرى الكثيرون لفكر المحافظين الجدد أو المتنفذين في البيت الأبيض.

ولعل من يندفع إلى تقسيم شائع وساذج لإدارة البيت الأبيض إلى صقور وحمائم، محافظين أو غير محافظين، أو من يراهن على حصول تغير نوعي في اتجاهات السياسة الأميركية إن هزم بوش وانتصر كيري، يجهل حقيقة تشابك مصالح النخب الأميركية ومدى النضج الذي استدعى موضوعيا هذا الشكل الجديد من إدارة الصراع العالمي.

ومثله أخطأ من ظن أن الحرب على العراق شنت من أجل الثروة وحدها أو نزولا عند رغبة اليمين المحافظ أو ضغط اللوبي الصهيوني أو لغرض التهرب من استحقاقات السياسة الداخلية، وأغفل غايتها الرئيسية في دعم تفرد واشنطن في الهيمنة على العالم والسيطرة على عملية تدفق النفط إلى الأسواق العالمية للتحكم إستراتيجيا بمستهلكيه من دول أوروبا واليابان.

ومن القناة نفسها يمكن النظر إلى مشاريع إصلاح النظم والمجتمعات العربية وإلى المثابرة على تقليم أظافر بعض الأنظمة وتخفيض ترساناتها كإثارة موضوع أسلحة الدمار الشامل في إيران وسوريا، فضلا عن الاستمرار في تكريس تفوق الكيان الصهيوني وحال الاختلال في توازن القوى العربي الإسرائيلي المتدهور أصلا.

وتكتمل اللوحة بحاجة أمنية تقتضي تحرير أميركا من أي التزام لتغدو غير مقيدة لا بالشرائع الدولية ولا بمواقف أي من حلفائها كي تدير بمفردها مركزا عالميا للشرطة تخضع له كل بقاع الأرض يمكنها من إكمال هيمنة ما انفكت ناقصة على العالم، طالما لم تنجح في هزيمة الإرهاب بعد، ولا في إرساء حكومات صديقة مستقرة، أو إعادة بناء الأمم والدول على صورتها ومثالها، أو تحجيم الشركاء في أوروبا والصين واليابان وروسيا واستبعاد أدوارهم التنافسية إلى مسافة آمنة.

إن السلوك الأميركي المتفرد المقترن بقوة مفرطة هو سمة العالم اليوم، يطلق جبروته استمرار ضعف الآخر وتفككه. وما تعيشه اليوم منطقتنا ليس قدرها بل واقع طارئ تصنعه أطماع الفاسدين ومناخات الاستبداد وترعاه توازنات قوى لم نسع بإنساننا الحر إلى تعديلها أو تغييرها.
________
كاتب سوري

المصدر : غير معروف