* بقلم/ داود سليمان

- إسرائيل والسعي للهدنة
- حماس والاستجابة للضغوط

تحولت السلطة خلال الفترة الماضية إلى وسيط بين حركات المقاومة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية وذلك للمرة الأولى في تاريخها، وتحاول السلطة من خلال وساطتها تلك دفع حركات المقاومة إلى إنجاح فرص التوصل إلى تسوية مع إسرائيل.

لم يكن الحديث عن هدنة تعقد بين الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والحكومة الإسرائيلية بالأمر الجديد، فقد طرح هذا الموضوع قبل عام تقريبا ثم توارى بعد اغتيال القائد العسكري لحركة (حماس) صلاح شحادة .

وعاد الحديث عن الهدنة إلى واجهة الأحداث بعد تعيين رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس والإعلان عن خارطة الطريق، وغدا عقد هدنة بين حماس والحكومة الإسرائيلية أمرا حيويا لإعادة مشروع التسوية إلى مساره الأول، وإنجاح خطة خارطة الطريق.

وازداد الدفع باتجاه الوصول إلى هدنة في أعقاب محاولة الاغتيال الفاشلة لعبد العزيز الرنتيسي أحد قادة حركة حماس، وذلك على عكس ما كان بعد اغتيال شحادة، وفقدان الأمل في أية تهدئة أو هدنة بين محتل يبطش ومقاومة ملاحقة.

الرنتيسي بعد نجاته من محاولة الاغتيال (الفرنسية _ أرشيف)
إسرائيل وجهود الهدنة
في العلن يبدي الساسة الإسرائيليون عدم الاكتراث بأية هدنة، ويعتقد البعض أن مرد هذا التجاهل هو رغبة حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في التخلص من خارطة الطريق، بإفشال جهود إقناع فصائل المقاومة الفلسطينية إعلان هدنة.

لكن آخرين يعتقدون أن ما يطفو على السطح يخالف الحقيقة، إذ يرى هؤلاء أن الحكومة الإسرائيلية تدرك أن "تعزيز قوة الحكومة الفلسطينية الجديدة يمثل الحل الواقعي الوحيد لإنهاء الإرهاب"، حسب تعبيرات الباحث في مؤسسة انتربرايز، وليام شنايدر، الأمر الذي يجعل التوصل إلى هدنة في نهاية المطاف أمرا يصب في مصلحة إسرائيل.

وفي هذا السياق جاءت محاولة اغتيال الرنتيسي حين عمدت الحكومة الإسرائيلية إلى زيادة مكاسبها من الهدنة قبل الوصول لها، فقد سعت حكومة شارون من محاولة الاغتيال إلى التخلص من أحد أقوى قادة حماس، إضافة إلى رغبتها بتوجيه رسالة إلى حماس بأنها قادرة على الوصول إلى أهدافها، وأنه لن يردعها أحد في محاولتها للحفاظ على أمنها، خصوصا بعد قمة العقبة وسط توقعات بأن واشنطن مارست بعض الضغط على الإسرائيليين.

ويدرك الإسرائيليون أن استهداف أحد قادة حماس في هذه الفترة سيدفع حماس للرد على عملية الاغتيال، وهو ما لا تريده الكثير من الأطراف التي ستمارس الضغط على الحركة لمنعها من الرد، وبالتالي عدم إعطاء إسرائيل ذريعة للتنصل من خارطة الطريق، فضلاً عن فتح الباب أمام عقد هدنة مع إسرائيل.

وهو ما حدث إذ تكثفت الجهود المصرية لاحتواء الموقف، وتزامن ذلك مع ما تردد من أنباء عن ضغوط مارستها كل من الأردن والسعودية إضافة إلى مصر على حماس للتهدئة والإعلان عن هدنة مع إسرائيل، إضافة إلى تدخل الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر وواضح في الدفع باتجاه التوصل إلى تلك الهدنة، وذلك للخروج من الجمود الذي يعتري عملية التسوية.


إسرائيل لا تقبل باكتفاء السلطة الفلسطينية بوقف إطلاق النار على المدى الطويل، بل تريد منها محاربة البنى الأساسية لفصائل المقاومة

ومع استمرار عمليات الاغتيال حتى بعد الانتقادات التي وجهت لإسرائيل في أعقاب عملية الرنتيسي، يمكن القول إن حكومة شارون هدفت، من خلال تلك العمليات، إلى أن تكون آخر من يطلق الرصاص في حربها مع حركات المقاومة والشعب الفلسطيني، حتى تبدو وكأنها من انتصر في تلك المعركة.

يدرك الإسرائيليون من خلال تجربتهم الطويلة في التعامل مع حركة حماس أنه من الصعوبة بمكان القضاء على الحركة، وأن حماس تخرج بعد كل معركة مباشرة مع إسرائيل أشد قوة وصلابة، لذا فإن حكومة شارون لا تخفي أن المطلوب من حكومة أبو مازن هو قمع حركات المقاومة الفلسطينية. فسيلفان شالوم وزير الخارجية الإسرائيلي يرى أن عملية التسوية "لا يمكن أن تبقى رهينة مجموعة مسلحة متطرفة يجب تفكيكها"، وبالتالي الدخول معها في مواجهة لكسر شوكتها، وهو ما من شأنه أن يضعف الطرفين (السلطة الفلسطينية والمقاومة) بما يصب في خدمة إسرائيل.

ومن هنا فإنه حتى لو تم التوصل إلى هدنة واتفاق بين السلطة وحماس وحركات المقاومة الأخرى، فإن الجانب الإسرائيلي لن يقبل بأن يكون وقف العمل العسكري الفلسطيني هو نهاية المطاف، بل يجب أن يتبعه العمل على نزع سلاح تلك الحركات وهو ما عبر عنه آفي ديختر، رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي، للأميركيين خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، من أن الموقف الإسرائيلي "لا يقبل باكتفاء السلطة الفلسطينية بوقف إطلاق النار على المدى الطويل، بل يتعين عليها أيضا محاربة البنى الأساسية" لفصائل المقاومة.

لذا فإن الحكومة الإسرائيلية تدرك أنه يجب عليها منح حكومة أبو مازن فترة من الوقت لإعادة بناء الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، بعد أن تم تدمير البنية التحتية لتلك الأجهزة ووضع بعض مسؤوليها على لائحة المطلوبين إسرائيليا(رشيد أبو شباك رئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة وأحد رجال محمد دحلان، وقد طالب الأخير إسرائيل بالعفو عنه وعن عدد من المسؤولين الأمنيين)، ولن يتأتى ذلك إلا بالتوصل للهدنة التي ستسهم في إحراز تقدم في خارطة الطريق، ومنح السلطة الوقت لإعادة بناء قدراتها العسكرية.

ويبدو أن السلطة على استعداد لتنحو هذا المنحى، فبعد تعهد رئيس الحكومة الفلسطينية في قمة العقبة بوقف عسكرة الانتفاضة، طلبت السلطة من الاتحاد الأوروبي معونة قدرها 400 مليون دولار لإعادة بناء قواتها وأجهزتها الأمنية، كما أن تاريخ السلطة يشهد بذلك فقد قامت في كثير من الأحيان باعتقال المئات من ناشطي الحركة وزجهم في السجون.

حماس والاستجابة للضغوط


المرحلة الحالية لا تسمح لحماس بالمناورة، وعليها تقديم بعض التنازلات، والهدنة فرصة لها للتخلص من الضغوط ولالتقاط أنفاسها

لم يكن حديث حماس عن الهدنة أمرا جديدا في فكر الحركة السياسي، فقد سبق للشيخ أحمد ياسين أن طرح قيام هدنة بين الحركة وإسرائيل، إلا أنه ومع تغير الظروف وضرورات الواقع تغير موقف حماس وشروطها للهدنة وانخفض سقف الشروط الواجب تقديمها إسرائيليا لتنفيذ الهدنة.

ففي الوقت الذي كان يتم التشديد فيه على أن تنفيذ الهدنة مرتبط بانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من الضفة الغربية وقطاع غزة (الأراضي المحتلة في عام 1967) بشكل تام، وإطلاق سراح كافة المعتقلين الفلسطينيين، أصبح المحور الأساس في الحديث عن الهدنة هو وقف الاغتيالات في صفوف كوادر الحركة وإلحاق قضايا أخرى مثل انسحاب إسرائيلي من الأراضي التي أعادت احتلالها وإطلاق سراح معتقلين فلسطينيين.

ويمكن إرجاع ذلك إلى أن المرحلة الحالية لم تعد تسمح للحركة بالمناورة وأن عليها تقديم بعض التنازلات، خصوصا بعد الضغوط السياسية الشديدة التي مورست عليها من قبل بعض الدول العربية، والإجراءات القاسية والضربات المتلاحقة التي قامت بها إسرائيل ضد حركة حماس والتي أثرت على الأجهزة العسكرية للحركة، ومن شأن عقد هدنة أن يمنح الحركة الفرصة لالتقاط أنفاسها وإعادة تنظيم وترميم أجهزتها العسكرية، إضافة إلى تخليصها من الضغوط العربية.

كما أن حماس تسعى لفتح قنوات اتصال مع الدول العربية أو تقوية تلك القنوات، إذ عانت حماس من عزلة في علاقات الدول العربية معها، فقد كان يتم التعامل معها في الخفاء وفي مستويات تمثيل منخفض، فمن شأن فتح خطوط الاتصال السياسي بين الحركة وبعض الدول العربية أن يضع تلك الدول في مساءلة حول موقفها من عملية التسوية والسلطة الفلسطينية، لذا فإن الحركة تجد في الهدنة فرصة لفتح قنوات الاتصال مع الدول العربية وعلى رأسها مصر والسعودية.

وبالرغم من أهمية تلك الخطوة سياسيا بالنسبة لحركة حماس، فإنه يجب أن لا يغيب عنها أن الدافع وراء تلك التحركات العربية المكثفة هو تحسين علاقة تلك الدول مع الولايات المتحدة، وإنهاء حالة الجمود التي تسود عملية التسوية التي وضعت جميع الأطراف في المنطقة أمام مأزق بات الخروج منه يزداد صعوبة مع اشتداد حدة حرب التحرير الفلسطينية.

ولتحقيق أفضل المكاسب من تلك الهدنة، فإن على حماس في حال موافقتها عليها، أن تجعل الدول العربية التي تسعى لإنجاز تلك الهدنة تضمن لها أن السلطة لن تقوم -بعد بناء أجهزتها الأمنية- بمهاجمة البنى التحتية للحركة واعتقال قادتها وكوادرها كما كان يحدث سابقا. فحكومة أبو مازن تدرك أن حماس لن تنجر إلى حرب أهلية فلسطينية، وهو نهج رسمته حماس لنفسها منذ تسلم السلطة إدارة الحكم الذاتي في قطاع غزة والضفة الغربية، وفي حال حدوث أي خرق في الهدنة فإن الحركة لن تكون مسؤولة عن أي اتفاق أو التزام مع السلطة.

مهما تعددت أسباب كل طرف لقبوله للهدنة وبغض النظر عن تفاصيلها، فإن هدنة يتم التوصل إليها عبر ممارسة ضغوط دولية وإقليمية وعدم الالتفات إلى حقوق شعب يكافح لنيل استقلاله لن يكتب لها الصمود طويلا، كما أنها قد لا تكون في صالح قوى المقاومة في حال عدم استغلالها بشكل جيد.
ـــــــــــــــــ
* كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف