بقلم: محمود عبد الهادي*

انهيار برجي مركز التجارة العالمي
الجانب الذي تعرض للهجوم من مبنى وزارة الدفاع الأميركية
لم يكن الهجوم الذي تعرضت له الولايات المتحدة الأميركية يوم الثلاثاء 11/9/2001م وأدى إلى تدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك وقسم من مبنى وزارة الدفاع (البنتاغون) وأسفر عن خسائر بالغة سياسية واقتصادية وأمنية..، لم يكن الحدث الإرهابي الأول أو الأبشع الذي تتعرض له البشرية في تاريخها القديم أو الحديث أو المعاصر، وما زالت الذاكرة تعج بصور وأخبار قريبة لمآس إنسانية بشعة خلفتها أعمال إرهابية جنونية في رواندا وبوروندي، وفي البوسنة والشيشان وفلسطين، وفي العراق وأفغانستان،.. وتتحمل مسؤولية بعضها دول كبرى يفترض فيها أنها تقود مسيرة الحضارة والمدنية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا. بل لطالما دعا الرئيس المصري حسني مبارك المجتمع الدولي لعقد مؤتمر دولي يهدف إلى اتخاذ إجراءات دولية لمواجهة الإرهاب ولكن دون جدوى.

ولكن هذا الهجوم هو الحدث الأكبر على مستوى الولايات المتحدة نفسها وهي القوة العظمى المهيمنة في عالم تشكل فيه القطب الأوحد المتحكم في القسم الأكبر من حركته السياسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية والحضارية، وقد أثار هذا الحادث من هوله ذهول العالم أجمع واستقطب تفاعل وتعاطف الجميع مع الولايات المتحدة، وإبداء الاستعداد لبذل الجهود المكثفة للقيام بما ينبغي من إجراءات محلية وإقليمية ودولية لمواجهة ومحاربة الجهات التي تقف وراء الهجوم، وسرعان ما تسارعت الأحداث ليتصدر الرد العسكري الأميركي على الهجوم قائمة الإجراءات التي ستتخذ في الميادين المختلفة لمواجهته. وسنحاول في هذا التحليل الوقوف على جوانب خصوصية هذا الحدث ودلالاته من جهة، لما لها من أهمية في فهم واستقراء النتائج والآثار المترتبة عليه، ومن جهة أخرى محاولة التعرف على الجهة التي تقف وراء الهجوم والأدلة الأميركية على ذلك والمأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة في محاولتها الرد العسكري على الهجوم.

- خصوصية الهجوم ودلالتها
- من وراء الهجوم
- مأزق الرد الأميركي العسكري
- السيناريوهات المحتملة للرد:
أولاً: سيناريوهات التراجع عن الهجوم
ثانياً: سيناريوهات الحرب:
أ- سيناريوهات القوى المشاركة في الهجوم
ب- سيناريوهات الهجوم


خصوصية الهجوم ودلالتها

بالرغم من كون هذا الهجوم ليس الحادث الإرهابي الأول الذي يشهده العالم وتتعرض له الولايات المتحدة إلا أنه تفرد بجملة من الخصائص ميزته عن غيره من الأحداث الإرهابية التي شهدها العالم في تاريخه المعاصر سواء ما كان منها ذا طابع سياسي أو عسكري أو اقتصادي، بما في ذلك ما شهده من أحداث الحربين العالميتين الأولى والثانية. وبقدر خصوصية وتفرد هذا الهجوم بقدر ما ستكون الآثار وردود الفعل عليه بالغة ومتفردة، وكما أن الحروب الكبرى تكون دائما بداية لتحولات عالمية كبيرة، فإن هذا الحدث سيكون له ما بعده من التحولات الإقليمية والدولية... ونستعرض فيما يأتي أبرز الجوانب التي تعكس خصوصية هذا الهجوم لما لها من دلالات حيوية، ولما لها من دور استشراف الردود المتوقعة والآثار المترتبة عليها:

  1. أن هذا الهجوم استهدف الولايات المتحدة الأميركية الدولة الأقوى في العالم والأكثر هيمنة على الإعلام والسياسة والاقتصاد، مما يعني قدرتها الفائقة على استقطاب وتجييش الموقف الدولي بكل مؤسساته، وتعبئة الرأي العام العالمي ضد هذا الهجوم وتحريك الجميع لاتخاذ الإجراءات المناسبة لتصفية المسؤولين عنه وكل من يمت لهم بأدنى صلة، وسوف تعمد الولايات المتحدة إلى استثمار هذا الحدث بكل طاقاتها وفي كل الاتجاهات والمجالات تتجاوز في أهدافها حدود الرد على الهجوم.
  2. أن الهجوم أصاب وبنجاح مواقع حيوية وإستراتيجية ضربت الولايات المتحدة في قلب مكانتها الدولية وهيبتها، مما يعني انهيار المزاعم الأمنية الأميركية، وأنها في الوقت الذي تتحرك فيه لبناء درع صاروخي يحميها من أي اعتداءات إرهابية خارجية جاءتها الاعتداءات من داخلها وبصورة لم تخطر على بال أحد من حماة الأمن والاستقرار الأميركي، الأمر الذي سيدفع القيادة الأميركية إلى القيام بمراجعات شاملة لمفهوم الأمن المحلي ومؤسساته وبرامجه ضمن إستراتيجيات جديدة تأخذ في اعتبارها التهديدات الداخلية بنفس القدر الذي تأخذه للتهديدات الخارجية.
  3. أن هذا الهجوم لم يتم من قبل دولة أو عدو محدد يمكن الرد عليه وإلحاق الهزيمة به بما يعيد لأميركا هيبتها ومكانتها المنهارة، وبما يكيل له الصاع صاعين، وأن أقصى ما يمكن لأميركا القيام به هو توجيه ضربات عسكرية استئصالية حاسمة للعناصر المشتبه في ضلوعهم في الهجوم، وهذا يعني محاولة القضاء على مجموعات زئبقية مكونة متناثرة تدرك أميركا استحالة القضاء عليهم، وحتى في حال نجاحها فإن مثل هذا الرد لا يتناسب مع حجم الخسائر المادية والمعنوية التي أوقعها الهجوم ولا مع حجم ومكانة الولايات المتحدة الدولية وقوتها السياسية والعسكرية، وهذا يعني أن الرد لن يقتصر على هدف القضاء على المجموعات المسؤولة عن الهجوم، وإنما سيتجاوز ذلك بكثير بما يتناسب وحجم الولايات المتحدة ويسمح لها باستعادة هيبتها ومكانتها.
  4. أن مثل هذا الهجوم لا يمكن بحال من الأحوال أن يتم من قبل دولة من الدول، لا بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر، لأن حسابات الدول تختلف عن حسابات الأفراد، ولا توجد دولة من دول العالم الراهنة يمكنها المجازفة بعمل من هذا النوع مهما كان عداؤها للولايات المتحدة، وهذا يؤكد أن منفذي الهجوم ليسوا سوى أفراد ينتمون إلى فكر وعقيدة خاصين ويتخذون مواقف حادة تجاه سلوكيات الولايات المتحدة السياسية والعسكرية.
  5. إذا افترضنا أن الطائرة الرابعة لم تصب هدفها كما تردد، فإن هذا الهجوم حقق أهدافه بنسبة 75% دون أن يكلف الطرف الآخر خسائر تذكر، وهو معدل نجاح مرتفع نسبياَ في ضوء حجم الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بالولايات المتحدة، وحتى يكون رد الفعل متناسباً مع هذه الخسائر وملبياً لنزعة الانتقام لابد وأن تكون الخسائر التي يتكبدها منفذو الهجوم أشد وأبلغ من الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة، وهذا ما لا يمكن أن تحقيقه مع عدو من هذا النوع حتى ولو تم القضاء على أسامة بن لادن ومجموعته، وحتى لو تم إسقاط حكومة طالبان وتدمير البنية الفوقية والتحتية -غير الموجودة من الأصل- لأفغانستان، مما يشكل حرجاً عسكرياً وسياسياً كبيراً للولايات المتحدة، فهي ما بين افتقاد العدو الكامل الأهلية الذي يوجه إليه الرد ويكون هدفاً صالحاً لإيقاع خسائر أكبر مما تكبدتها وبين إلحاح الرد العنيف واستعادة الهيبة، وأمام إلحاح الرد ستقوم الولايات المتحدة بصناعة عدو يتناسب مع حجمها ومع حجم التحرك الذي ينبغي أن تقوم به، هذه الصناعة التي ستجعل من أسامة بن لادن ومجموعته قوة عظمى وخطراً يهدد الاستقرار والأمن العالميين، وعلى الولايات المتحدة قيادة العالم المتحضر للتحرك المشترك من أجل القضاء على هذا الخطر.
  6. رغم فداحة الهجوم إلا أنه تم من قبل أفراد معدودين وبدون أسلحة، وإنما لجأ المهاجمون إلى توظيف وسائل مدنية بعيدة عن أي شبهات في تحقيق إصابات وخسائر لا تقدر على تحقيقها بهذه الدقة الصواريخ الذكية الموجهة.
  7. أن الهجوم لم يأت من خارج الولايات المتحدة، وإنما من داخلها وعبر مطاراتها وأدواتها وأجهزتها المدنية المختلفة، ولابد أن يكون قد استغرق وقتاً طويلاً من الإعداد والتدريب داخل الولايات المتحدة، مما ينسف قدرات الأجهزة الأمنية الأميركية.
  8. أن الطريقة التي تم بها الهجوم أذهلت الجميع وفاقت جميع التوقعات، وهذا يعني أن الذهنية التي تفتقت عن مثل هذه العمليات يمكن أن تتفتق عن أفكار جديدة أكثر خطورة وأفدح آثاراً.
  9. أن الهجوم ليس له صاحب، أي لم يتبنه أحد، ولم يفصح عن أهدافه وغاياته أحد مما يزيد من إرباك الأجهزة الأمنية الأميركية وغير الأميركية بحثاً عن الجهات التي تقف وراءه، ويؤخر إجراءات رد الفعل الذي سيظل قائماً على التوقعات والاستنتاجات.
  10. أن الجهة المستهدفة من الهجوم وهي الولايات المتحدة الأميركية يشترك معها العديد من الدول الكبرى في الدوافع التي قد تقف وراء الهجوم مثل عضوية حلف الناتو وتبني سياسات العولمة نفسها وسياسات السوق، والهيمنة على البنك الدولي وصندوق النقد وفرض سياساتهما، وتأييد دولة إسرائيل وحصار العراق ومحاربة المد الإسلامي، مما يجعل تلك الدول تعي بجدية أبعاد ما حدث، وتتوقع حدوث الأمر نفسه لها في أي وقت من الأوقات، وإن كانت الولايات المتحدة قد فاقت الجميع في حدة السطوة والعنجهية والصلف.
  11. أن الهجوم استهدف الولايات المتحدة الأميركية فقط، دون غيرها من الدول وكان من الممكن توجيه عدة ضربات مماثلة متزامنة في أكثر من دولة في العالم، مما يعني أن الولايات المتحدة مستهدفة لذاتها كرد فعل على سياسات ومواقف وتصرفات معينة، فهي المعتدى عليها وهي المعنية قبل غيرها بالرد على الهجوم وتحديد الوسائل والإجراءات المناسبة التي تحقق أهدافه، وإن تعارضت مع وجهة نظر حلفائها والمتعاطفين معها.
  12. أن هذا الهجوم يستفز ويستنفر جميع الدول بلا استثناء للوقوف صفاً واحداً للرد على المسؤولين عنه ومواجهة آثاره وتداعياته، وبالأخص الدول التي تعاني من مشكلات سياسة داخلية، أو التي تتوقع أن يكون لهذا الهجوم امتدادات أو انعكاسات بشكل أو بآخر داخلها، قد تجعلها معرضة لهجمات مماثلة في المستقبل، وستتراوح مواقف الدول المختلفة من الرد على الهجوم تأييداً وتحفظاً بحسب توازنات مصالحها الداخلية والخارجية، حيث سيدفع الرد على هذا الهجوم الولايات المتحدة إلى طلب التعاون من دول معينة قد أخذت منها من قبل مواقف متشددة مثل باكستان وإيران وروسيا والصين.
  13. أن هجوما بهذا الحجم يعتبر درساً بليغاً لطرفي الصراع في الدول التي تعاني من توترات وأزمات سياسية داخلية على أساس ديني أو عرقي أو حزبي، فهو درس للأنظمة الحاكمة بضرورة مراجعة سياساتها الداخلية التي تقف وراء أسباب التوتر والصراع وليس فقط مراجعة البرامج والسياسات الأمنية التي تعالج بها هذا التوتر والصراع، وهو في الوقت نفسه درس للقوى المعارضة المتطرفة فيما يمكن أن تذهب إليه في عملياتها الموجهة ضد الأنظمة الحاكمة التي تعارضها، وهذه القوى غالباً ما لا تحسب حسابات متزنة للنتائج والآثار التي تترتب على أعمال العنف التي تقوم بها.
  14. أن هذا الهجوم لم يكن الأول الذي تتعرض له مصالح الولايات المتحدة، وإن كان الأعنف حتى الآن، وهذا يعني أنه لن يكون الأخير ولا الأشد عنفاً، وأن على الولايات المتحدة أن تتجه للبحث عن الأسباب التي تجعلها هدفاً لمثل هذه الهجمات دون غيرها وتعالجها، خصوصاً وأنها فشلت خلال السنوات الخمس الأخيرة في مواجهة هذه الهجمات ومنعها بالطرق والإجراءات الأمنية والدبلوماسية والسياسية والعسكرية.


من وراء الهجوم؟

لم تعثر الإدارة الأميركية حتى الآن على أدلة قاطعة تحدد الجهة المسؤولة عن الهجوم مما يترك الباب مفتوحاً أمام العديد من الاحتمالات التي يسوقها تحديد الجهات المستفيدة من الهجوم داخلياً وخارجياً، ولكن الإدارة الأميركية حسمت الأمر وحددت الجهة التي تقف وراء الهجوم، وحصرت التهمة في أسامة بن لادن وأتباعه ومعاونيه وداعميه، وبدأت في الاستعداد للرد العسكري العاجل وحشد الموقف العالمي لتأييدها والمشاركة فيه، دون أن انتظار الحصول على أدلة قاطعة تحدد الجهة المسؤولة عنه، بل إن أحداً من الدول التي بادرت بالتأييد والمشاركة ودخلت في إجراءات تشكيل التحالف الدولي للقيام بالهجوم لم تعلق تأييدها ومشاركتها على التحقق القطعي من الجهة المشتبه في قيامها بالهجوم أو التورط فيه أو تقديم الدعم لمنفذيه، على الرغم من أن أي رد عسكري أو غير عسكري قادم سيكون تعسفياً وعملاً إرهابياً من الدرجة الأولى لأنه سيذهب ضحيته العديد من المدنيين الأبرياء. وبذلك تكون الولايات المتحدة قد صرفت الأنظار وبشكل يبدو متعمداً عن أي أطراف أخرى يفترض المنطق والتحليل السياسي طرحها ضمن الجهات المحتمل وقوفها وراء الهجوم.

وفي ضوء ذلك سندع جانباً الخوض في الأطراف المحتمل وقوفها وراء الهجوم إلى مناسبة أخرى إذا دعت الضرورة لذلك، ونتساءل: كيف تأكدت الإدارة الأميركية من أن أسامة بن لادن هو المسؤول عن هذا الهجوم؟ وهل تعتبر استضافة طالبان لابن لادن على أراضيها جرماً تستحق عليه انتهاك سيادتها وتدمير استقرارها في الوقت الذي أعلنت فيه مراراً استعدادها لمحاكمة وتسليم بن لادن إذا ثبت تورطه في أية هجمات إرهابية، وفي الوقت الذي تستضيف فيه العديد من الدول الغربية أقطاباً لجماعات عربية معارضة تعتبر في نظر حكوماتها جماعات إرهابية ومحكوم على بعض قياداتها بالإعدام، بل يتم توظيف الدول الغربية للبعض منهم للقيام بأعمال عسكرية -إرهابية في محصلتها- تستهدف إسقاط الأنظمة الحاكمة أو زعزعة استقرارها كما حدث مع المعارضة العراقية والسودانية؟

لقد تعرضت الولايات المتحدة الأميركية ومصالحها في مناطق مختلفة من العالم إلى عدة هجمات نوعية منذ عام 1995م تشترك جميعها في جملة من الصفات، أهمها:

  1. أن أحداً لم يعلن تبنيه لأي من هذه الهجمات.
  2. أن المعلومات التي جمعت ممن تم القبض عليهم في التحقيقات التي أعقبت الهجمات لم تكف لتحديد الجهة التي تقف وراءها بشكل قاطع.
  3. أن أصابع الاتهام كانت توجه مباشرة إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة وفي مقدمتها تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وتنظيم جماعة الجهاد (المصرية).
  4. أنها كانت تحظى بتأييد أسامة بن لادن لها رغم إنكاره لمسؤوليته عنها.
  5. أنها وقعت في فترة لا يوجد في المنطقة العربية والإسلامية –بل والعالم- من يعلن معاداته الصارخة للسياسات الأميركية والوجود الأميركي في الوطن العربي ويدعو إلى ضرب المصالح الأميركية سوى جماعة بن لادن وجماعة الجهاد (المصرية) كجماعات أيديولوجية منظمة تعتمد العمل العسكري وسيلة أساسية من وسائل تحقيق أهدافها وتصر أدبياتها على ضرورة انسحاب القوات الأميركية من المنطقة العربية وتهدد بضرب المصالح الأميركية.
  6. أن جميع من تم القبض عليهم من المشتبه بهم في هذه الهجمات من العرب المسلمين المتشددين.
  7. أنها تكشف عن تطور تكتيكي متنام بشكل مذهل لدى المسؤولين عنها، حيث تنوع الأهداف وتغيير الأرض وتطوير الأدوات التنفيذية، فمن ضرب أهداف أميركية عسكرية في السعودية في عامي 1995 و1996 (آسيا-الشرق الأوسط) إلى ضرب أهداف سياسية في كينيا وتنزانيا عام 1998 (أفريقيا) إلى ضرب هدف بحري في اليمن عام 2000 (آسيا) إلى ضرب أهداف إستراتيجية ضخمة في الولايات المتحدة نفسها عام 2001 مما يربك أجهزة التحقيق والمتابعة ويربك مختلف الإدارات والأجهزة ويعقد عملية الحصول على الأدلة ولا يترك مجالاً أمام الولايات المتحدة للرد، وقد فشلت محاولة الرد التي قامت بها عام 1998 عندما ضربت أهدافاً في السودان وأفغانستان في تحقيق أهدافها.

ويبدو أن الولايات المتحدة ومن خلال التحقيقات التي قامت بها عبر السنوات الست السابقة وما تجمع لديها من معلومات وتحليلات واستنتاجات وتحذيرات، يبدو أن الحال وصل بها إلى ما يأتي:

  • باتت على يقين من أن جميع هذه الهجمات ترجع المسؤولية عنها إلى جهة واحدة بعينها، وأن لأسامة بن لادن وجماعته صلات مباشرة أو غير مباشرة بهذه الهجمات.
  • أن الهجوم الأخير من الفداحة بمكان بحيث لا يمكن السكوت عليه كما حدث في المرات السابقة دون توجيه ضربات عسكرية نوعية للجهات المشتبه في مسؤوليتها عنه.
  • أنها لم تعد قادرة على الاستمرار مدة أطول من ذلك في موقف العاجز أمام عدو يتربص بها من كل مكان، ويخرج إليها في كل مرة من حيث لا تحتسب، وبصورة أقوى مما كان عليه في المرات السابقة.
  • أنها لا تأبه لنفي بن لادن المتكرر مسؤوليته عن هذه الهجمات، وترى أنها لم تعد كافية لإثبات ذلك، وأنها غير مطالبة بتقديم أدلة قطعية تثبت ضلوعه فيه وتبرر سعي الولايات المتحدة إلى القضاء عليه.
  • أن العدو الذي تواجهه من نوع خاص جداً، ولا بد من مواجهته بطريقة خاصة جداً، تعوض فشل السنوات السابقة في محاربته، ويعيد إليها ما فقدته من كبرياء وخسائر داخلية وخارجية، ولو على الصعيد الإعلامي على أقل تقدير، وفيها أمهر المخرجين من الإعلاميين والسياسيين القادرين على صناعة العدو وصناعة النصر عليه.


مأزق الرد الأميركي العسكري على الهجوم

بغض النظر عما إذا كان الاتهام الأميركي لبن لادن وجماعته وحلفائه صحيحاً أم افتراء، فإن الولايات المتحدة قد حسمت أمرها سريعاً قبل مرور 48 ساعة على الهجوم، واستقر رأيها على ذلك وشرعت في التحرك داخلياً وخارجياً على الصعيدين السياسي والعسكري للقيام بالرد المناسب سياسياً وأمنياً وعسكرياً واقتصادياً وإعلامياً وثقافياً..

ولكن الرد العسكري قفز إلى السطح سريعاً نظراً لحاجة الولايات المتحدة الأميركية الماسة إليه الآن قبل الغد، لاقتناعها –وفقاً لمنهجها- بأنه الوسيلة الأكثر فاعلية لتخفيف هول الصدمة التي تعرضت لها الولايات المتحدة واستعادة كبريائها وثقة شعبه، فبدأت التحرك الفوري لتوجيه ضربة عسكرية نوعية تهدف للقضاء على المشتبه في مسؤوليتهم عن الهجوم. وكان لموافقة الحكومة العسكرية في باكستان على المشاركة في الهجوم وتقديم جميع التسهيلات الدور الأكبر في تسريع إجراءات التحضير للضربة العسكرية القادمة لبن لادن والتي ستطول بطبيعة الحال حكومة طالبان والشعب الأفغاني، ومن الطبيعي أن تكون الإدارة الأميركية وهي تقدم على هذا الهجوم قد أخذت في حسبانها الاعتبارات الحيوية الآتية:

  • تحديد الهدف من الهجوم.
  • تحديد العدو الذي سيوجه إليه الهجوم.
  • فهم طبيعة العدو وتقدير إمكاناته البشرية والعسكرية واللوجستية.
  • تحديد الأرض التي يقيم عليها هذا العدو.

ويكشف لنا التأمل في هذه الاعتبارات حجم المأزق الذي تواجهه الإدارة الأميركية وهي تقدم على هذا الهجوم، وذلك للأسباب الرئيسية الآتية:

  1. أن الهدف الرئيس من وراء هذا الهجوم هو تحقيق انتصار نوعي للقوة والهيمنة الأميركية يعيد لها كبرياءها الذي سحقه الهجوم على نيويورك وواشنطن، وليس الهدف هو القضاء على الإرهاب لأنه هدف لا يمكن تحقيقه بهذه الطريقة.
  2. أن العدو المستهدف من الهجوم ذو طبيعة خاصة لا يمكن إخضاعها لمقاييس وحسابات الحرب العادية، فهو لا يتجاوز المئات وذو كيانية زئبقية متناثرة داخل أفغانستان وخارجها.
  3. أن هذا العدو غير موجود في أفغانستان في قواعد محددة يمكن تدميرها عن بعد أو إنزال قوات خاصة لمواجهتها، مما سيؤدي إلى سقوط عدد كبير من الأبرياء، وربما دون أن تتمكن القوات الأميركية من تحقيق هدف القضاء على أسامة بن لادن وجماعته.
  4. أن هذا العدو يقيم على أرض دولة ذات سيادة ترفض حكومتها -حكومة طالبان- التعاون بتسليم بن لادن وجماعته دون تقديم الأدلة القطعية على تورطه في الهجوم، وتصر على حمايته وقررت التصدي لأي اعتداء على أراضيها، والدخول الأميركي في المستنقع الأفغاني قد يكون الورطة الكبرى التي تقع فيها الولايات المتحدة وترددت في الإقدام عليها طيلة السنوات الست الماضية، وبداية لانفجار كبير في المنطقة سيجر عليها الكثير من الويلات، وقد يمتد ذلك إلى ما هو أبعد من هذا بكثير وإقحام العالم في حرب عالمية ثالثة محدودة إذا ما توفرت لها عواملها الأولية.
  5. أن المستنقع الأفغاني قد يضرب بحسابات الخسائر التي ستتكبدها القوات الأميركية في هذا الهجوم عرض الحائط، وتضطر في النهاية إلى الانسحاب دون تحقيق أهدافها.
  6. أن القضاء على بن لادن وجماعته لن يقضي على جميع أتباعه ومؤيديه، فبن لادن أصبح جزءاً من حاضر أمة تمثل ربع سكان العالم وتمتد جذورها عميقاً في التاريخ والحضارة. وأكثر من ذلك، أنه أصبح جزءاً أساسياً من فكر وعقيدة وثقافة لا يمكن اجتثاثها بمثل هذه الإجراءات.

ولا شك أن الإدارة الأميركية تعي هذه الأسباب، خصوصاً وأن لها اتصال طويل بالواقع الأفغاني وتعي تماماً نتائج الدرس الروسي في أفغانستان ومن قبله الدرس البريطاني، وستسعى الإدارة الأميركية إلى اتباع سياسات تكتيكية في الهجوم تمكنها من تحقيق هدفها بأقل الخسائر وتجنبها الانزلاق في المستنقع الأفغاني، وفي مقدمة هذه السياسات التكتيكية:

  • التحديد الدقيق للأهداف العسكرية المطلوب ضربها.
  • تقصير المدة التي سيستغرقها الهجوم، بما لا يزيد عن بضعة أيام.
  • استخدام أسلحة نوعية تدعم تحقيق النقطتين السابقتين.
  • تقليل الخسائر المدنية.
  • الاعتماد على القوات الجوية في هجمات خاطفة وتجنب البقاء على الأرض الأفغانية.
  • الاستعانة بقوات حليفة من المنطقة للقيام بالمهام الصعبة التي يخشى أن تجر القوات الأميركية إلى الانزلاق في المستنقع الأفغاني.

ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كانت الإدارة الأميركية ستعمد إلى إسقاط حكومة طالبان كهدف تكتيكي أو إستراتيجي، وإن كان من المتوقع أن يعيد هذا الهجوم خلط الأوراق من جديد في أفغانستان لما سيترتب عليه من إضعاف لحكم طالبان ودعم لقوات التحالف المعارض إذا ما نجحت القوات الأميركية فعلياً في هجومها.

ومهما يكن من شأن هذه السياسات فإنها قد تكون مجدية من المنظور العسكري البحت، ولكنها ستختل كثيراً عند التعامل مع الواقع الميداني الأفغاني الذي استعصى على كل الغزاة، ولكن حاجة أميركا الماسة في الظرف الراهن إلى تحقيق انتصار نوعي باهر وسريع في هذا الهجوم تسد أمامها -من جهة- باب الخيارات وتصم آذانها عن الاستماع إلى أصوات حلفائها ومؤيديها المطالبة بمعالجة متعقلة للأزمة، ومن جهة أخرى تترك الباب مفتوحاً أمامها للانزلاق القسري في المستنقع الأفغاني إذا ما اضطربت حسابات القيادة العسكرية للهجوم بسبب إفرازات الميدان القتالي في أفغانستان والطبيعة الخاصة للمقاتل الأفغاني.

وحيث إن الهدف الأول لدى الإدارة الأميركية من وراء هذا الهجوم هو تحقيق الانتصار وليس مجرد ضرب الإرهاب، فإنها لن تقبل بالخروج منه إلا منتصرة ولو على الصعيد الإعلامي في أسوأ الظروف.


السيناريوهات المحتملة للرد

في ضوء التحركات والاستعدادات الجارية التي تقوم بها الولايات المتحدة لتوجيه ضربة عسكرية تهدف إلى القضاء على الجهة المسؤولة عن الهجوم متمثلة في أسامة بن لادن وجماعته، وفي ضوء ردود الفعل الدولية والإقليمية والمحلية على هذه التحركات، وفي ضوء الموقف الأفغاني منها، يمكننا استقراء السيناريوهات المحتملة على النحو الآتي:

أولاً: سيناريوهات التراجع عن الهجوم
رغم جميع التحركات والاستعدادات التي تمت ومازالت تتم، ورغم حاجة الإدارة الأميركية إلى شن الهجوم وتحقيق النصر إلا أن الفرصة مازالت قائمة للتراجع عن الهجوم في حال تحقق أي من السيناريوهات الآتية:

  1. استجابة الولايات المتحدة لنداءات حلفائها ومؤيديها المطالبة بالتأني وعدم القيام بالهجوم والبحث عن وسائل أكثر فاعلية ضمن تحرك دولي تحت مظلة دولية، تجنباً لأية مضاعفات قد تنشأ عن الهجوم في المنطقة، ولا يبدو أن هذا السيناريو وارد الحدوث لأن الولايات المتحدة تعودت في مثل هذه الظروف اتخاذ قراراتها بمفردها والقيام بما تعتقد أنه يحقق مصالحها وحدها وإن خالف رأي المجتمع الدولي.
  2. استجابة حكومة طالبان للمطالب والضغوط التي تتعرض إليها من قبل المجتمع الدولي والدول الصديقة، والبحث عن مخرج لالتزامها مع بن لادن بمحاكمته دولياً وعلى أرض غير أميركية على غرار ما حدث مع مقراحي وفحيمة المتهمين الليبيين في تفجير طائرة لوكربي. وبالرغم من أن هذا السيناريو لا ينسجم مع شخصية قيادة طالبان وسياساتهم ومواقفهم تجاه المفاوضات والوساطات المحلية والدولية، إلا أن خصوصية الحدث قد تدفع ببعض عناصر القيادة أو بعض علمائها الدينيين إلى المناداة بتحكيم صوت العقل وعدم التضحية بالدولة في سبيل فرد أو أفراد قلائل، وسيجدون في الفقه الإسلامي تخريجاً شرعياً لهذا التصرف، ولو بتسليم أو إخراج البعض وإفساح المجال أمام البقية للاختفاء في الجغرافيا الأفغانية الواسعة بجحورها المترامية، أو مغادرة أفغانستان.
  3. اختطاف بن لادن أو تصفيته بواسطة عملاء للاستخبارات الأميركية من القوى الأفغانية الموالية لتحالف القوى المعارضة، وخاصة بعد مقتل زعيم المعارضة القائد العسكري البارز أحمد شاه مسعود بأيدي عناصر عربية لا تشك المعارضة في انتمائها لجماعة أسامة بن لادن، وعلى الرغم من وجاهة هذا السيناريو وإمكانية تنفيذه في الحروب الاستخباراتية، إلا أن فشل الولايات المتحدة في تحقيق ذلك في السنوات السابقة، وشدة الاحتياطات الأمنية التي تحيط ببن لادن تضعف من احتمالات القيام به أو نجاحه في حال تنفيذه.
  4. مغادرة ابن لادن وجماعته –كلهم أو بعضهم- لأفغانستان، وإصداره بياناً من خارجها يشكر فيه حكومة طالبان على حسن ضيافتها، ويعلن أنه غادر أفغانستان رفعاً للحرج عنها وتجنيبها والشعب الأفغاني ويلات الحرب بسببه، كما فعل مع الحكومة السودانية عندما غادرها عام 1996م إلى أفغانستان. وسيكون المكان البديل المرجح في هذه الحالة هو جبال الهندوكوش في كشمير الهندية أو الباكستانية مع المجاهدين الكشميرين، وهي تتسع للآلاف من أسامة بن لادن وأمثاله. ويبدو هذا السيناريو الأكثر احتمالاً، ومن غير المستبعد أن بن لادن قد غادر أفغانستان بالفعل، ولم يعد له وجود فيها هو وأبرز أفراد جماعته.

ثانياً: سيناريوهات الحرب
كما أسلفنا فإن الإدارة الأميركية مندفعة أشد الاندفاع للقيام بالهجوم تحت وطأة الحاجة إلى استعادة كبريائها وإيجاد عدو تقوم بتضخيمه لتحقق عليه نصراً يتناسب مع مكانتها وهول الصدمة والخسائر التي تعرضت إليها، ويعتبر تحقق أي من السيناريوهات السابقة بمثابة خيبة أمل شديدة تواجهها الولايات المتحدة لأنها ستفقد أهم المبررات التي تسوقها للهجوم، على الرغم من أن هذا سيجنبها في الوقت نفسه مغبة الخوض في غمار تدرك جيداً أنه قد يعصف بحساباتها.

أما في حال عدم تحقق أياً من سيناريوهات التراجع عن الهجوم، فإن الهجوم واقع لا محالة، وأبرز السيناريوهات المتوقعة له هي:

أ- سيناريوهات القوى المشاركة في الهجوم:

  1. انفراد الولايات المتحدة بالهجوم وهو ما يتناسب مع احتياجاتها الراهنة وما يبدو أنها عازمة عليه، وستكتفي بالتعاون الذي ستقدمه لها دول حليفة كبريطانيا وأستراليا وباكستان وتركيا وبعض الدول الخليجية.
  2. مشاركة حلف الناتو في الهجوم كذراع مساندة إذا استدعت التطورات تقديم مساعدة عاجلة للقوات الأميركية، وما زالت بعض دول الناتو الأوروبية تعارض إقدام الولايات المتحدة على الهجوم وتتحفظ على المشاركة فيه بالشكل الذي تريده واشنطن، ولكن قوات الناتو ستكون على أهبة الاستعداد ولن يستمر هذا التحفظ طويلاً إذا ما تطلب ميدان المعركة ذلك أمام أية تطورات مفاجئة.
  3. تشكيل تحالف دولي لمحاربة الإرهاب بزعامة الولايات المتحدة على غرار التحالف الذي تشكل لإخراج القوات العراقية من الكويت بعد احتلالها عام 1991، ولاتزال احتمالات هذا السيناريو قائمة بسبب الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على الكثير من الدول التي لا تسمح لها علاقتها ومصالحها مع الولايات المتحدة برفض المشاركة ولو بصورة رمزية، إلا أن هذا السيناريو سيؤخر عملية الهجوم الأمر الذي يتعارض مع احتياجات الولايات المتحدة وظروفها الراهنة.

ب- سيناريوهات الهجوم

  1. توجيه ضربات إنذارية نوعية خاطفة ومتتابعة لأيام محدودة إلى مواقع مفصلية لدى حكومة طالبان التي أصبحت في نظر الولايات المتحدة شريكاً مباشراً لأسامة بن لادن، وإلى مقرات جماعة بن لادن المتوقعة ومعسكرات تدريبها، والتي من المؤكد أنه لم يبق فيها أحد منهم حتى الآن. وتهدف هذه الضربات إلى الضغط على حكومة طالبان وإتاحة المجال أمامه لمراجعة موقفها الرافض لتسليم بن لادن، ويعقب ذلك فوراً نشاط دبلوماسي مكثف من الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي والدول الصديقة لطالبان. ومن المستبعد أن ينجح مثل هذا السيناريو في تحقيق أهدافه، بل سيزيد طالبان عناداً وتحدياً، وسيكسبهم تعاطف الشارع الإسلامي الذي صدرت فتاوى علمائه بحرمة مشاركة الولايات المتحدة في هجومها على أفغانستان بل ووجوب مناصرة طالبان والوقوف معهم في وجه هذا الهجوم، تماماً مثلما حدث عندما تصدى الأفغان للهجوم السوفياتي أواخر السبعينيات وفي الثمانينيات من القرن الماضي.
  2. توجيه ضربات تدميرية عسكرية نوعية تستخدم فيها أسلحة غير تقليدية مزودة برؤوس من اليورانيوم المنضب أو برؤوس نووية محدودة تهدف إلى إجبار حركة طالبان على الإذعان للآلة العسكرية الأميركية، أو إحداث انهيار عام في الحركة يفسح المجال لتحالف المعارضة في الشمال بالزحف إلى كابل مدعوما بقوات أميركية خاصة واستلام زمام الأمور في أفغانستان، وهذا السيناريو سيمكن الولايات المتحدة من صناعة نصر عسكري إعلامي باهر يعلن ضرب الإرهاب في عقر داره والقضاء على بن لادن ويؤكد للشعب الأميركي والعالم أن أميركا مازالت هي أميركا، في حين أن هذا السيناريو قد يخلط الأوراق في أفغانستان وينسف جميع ما حققته طالبان في سنواتها السابقة ويعيد الصراع على السلطة إلى نقطة الصفر، بل لن يكون صراعاً على السلطة وإنما صراع عرقي مرير، وقد يمتد اختلاط الأوراق إلى خارج أفغانستان ليزيد المنطقة اشتعالاً واضطراباً.
  3. إقامة منطقة عازلة وتوجيه ضربات نوعية لمراكز الحكم في كل من كابل العاصمة السياسية وقندهار مقر الإمارة الدينية واحتلال شمالي أفغانستان بالتعاون مع قوات التحالف المعارض وإعلانه منطقة آمنة وعزله عن أفغانستان على نحو ما حدث في العراق، وذلك بهدف إحكام الحصار على حركة طالبان وفتح ملف سياسي جديد في منطقة غير العراق تكون مسرحاً لسنوات طويلة قادمة من التحركات والمناورات والمؤامرات، ومن المعاناة المركبة، ومن المحتمل أن يهدف هذا السيناريو إلى إعلان دولة مستقلة في شمال أفغانستان تكون قاعدة استراتيجية لأميركا وبوابة حيوية للتسلل إلى عمق آسيا الوسطى، مما سيفتح الباب واسعاً أمام صراع جديد على النفوذ مع روسيا التي مازالت تراقب ما يدور بحرص شديد وعينها الأولى على محاربة الإرهاب الذي عانت وما تزال تعاني منه في صراعها مع الشيشان والجماعات الإسلامية المتشددة في روسيا ودول وسط آسيا، والعين الأخرى تنتظر انزلاق الولايات المتحدة في المستنقع الأفغاني للانتقام والتشفي مما قامت به من دور في تدمير الاتحاد السوفياتي أثناء وجوده في أفغانستان.

وستحرص الولايات المتحدة في سيناريوهات الحرب هذه أو غيرها على صناعة نصر عسكري إعلامي يؤكد صحة توقعاتها وصواب قرارها ونجاحها في تحقيق أهدافه في ضرب الإرهاب والقضاء على بن لادن، على الرغم من أنها لم تغير في حقيقة الأمر شيئاً من ذلك، فلا الإرهاب المقصود موجود في أفغانستان وحدها ولا بن لادن ينتظر الصورايخ الأميركية على رأس جبل. ويعكس لنا ذلك بكل وضوح حجم المأزق الذي تمر به الولايات المتحدة في مواجهتها للهجوم الإرهابي الذي تعرضت له وينبغي عليها القيام بالرد عليه، وما لم تتحرك الولايات المتحدة على المستويين الإستراتيجي والتكتيكي لتغيير سياساتها تجاه القضايا العربية والإسلامية فإن معاناتها ستستمر، وسيؤكد فشلها في القضاء على من تشتبه في وقوفهم وراء العمليات الإرهابية، سيؤكد نجاح هؤلاء في ضرب الأهداف التي يحددونها، وسيزداد حماسهم للاستمرار في القيام بذلك.

وأياً كان السيناريو الذي سيتم به الرد العسكري الأميركي على أفغانستان وبن لادن، وسواء أكانت نتيجة الهجوم الحقيقية النجاح أو الفشل، فإن التداعيات التي سيخلفها ذلك ستكون شديدة وستنعكس آثارها ليس على الجماعات التي تقوم بأعمال إرهابية وحسب، وإنما على النظام السياسي والعسكري والاقتصادي والإعلامي والثقافي المحلي والإقليمي والدولي، مما سنحاول الوقوف عليه في تحليل آخر بإذن الله.
ــــــــــ
* كاتب عربي

عودة إلى الصفحة الرئيسية لحرب الإرهاب

المصدر : غير معروف