بقلم/ علي العبد الله

- بين الهدف والمآل
- الديمقراطية.. الفكرة والممارسة
- الناصرية والمستقبل

لا تزال التجربة الناصرية تثير اهتمام قطاع واسع من المواطنين العرب، ففي يوليو/ تموز من كل عام تتجدد الذكرى والعواطف والشجون وتستعاد صورة الرجل الذي صنع التجربة وأحدث تأثيرا كبيرا في المحيط العربي، كان من مترتباته ظهور التيار الناصري في البلاد العربية، جعلها محط أنظار كثيرين، دون كبير اهتمام بما حصل منذ وفاته إلى الآن من متغيرات محلية وإقليمية ودولية تستدعي إعادة نظر تكشف ما بقي من التجربة صحيحا وصالحا وما تجاوزته الظروف والحياة.
فهل ما زالت الناصرية قادرة على تلبية احتياجات المستقبل؟

بين الهدف والمآل


اعتمد عبد الناصر آلية التأميم التي أفرزت قطاعا عاما قويا ومسيطرا على جميع مفاصل الاقتصاد وهذا مكن الدولة من التحكم بالدورة الاقتصادية والإمساك بالتوازن الاجتماعي
انطلق الرئيس المصري جمال عبد الناصر من رؤية مجتمعية غايتها تحرير الإنسان عن طريق تنمية اجتماعية شاملة تحرره من الحاجات المادية كمقدمة لا بد منها ليتمكن من التطور والتفتح النفسي والمعنوي والمعرفي، تنمية قائمة على توازن دقيق بين مصالح معظم الشرائح الاجتماعية، مع إعطاء أولوية لمصالح الفئات الاجتماعية الدنيا كي تؤهل للعب دورها الاجتماعي وتتعامل مع الفئات الاجتماعية الأخرى من موقع الند بعد تحررها من عقدة العجز والدونية.

وقد تجسد ذلك التوجه عمليا بإعطاء الأولوية للصناعات المرتبطة باحتياجات الغالبية الاجتماعية (الحاجات الأساسية) وتوفير متطلبات نهضة علمية وثقافية عن طريق فتح فرص التعليم المجاني من الابتدائي إلى الجامعة أمام أبناء الفئات الاجتماعية الدنيا وطرح ودعم كتب ومجلات متخصصة وبأسعار زهيدة وطبعات شعبية ضمن سلاسل متعددة كي تكون في متناول أصحاب الدخل المحدود وتوفير الاطلاع على الفكر العالمي عن طريق تشكيل لجان ترجمة وإصدار سلاسل مترجمة في مختلف صنوف المعرفة وإنشاء دور ثقافة ومسارح ودور سينما.

كما شجع المؤسسة الدينية على الاجتهاد لإنجاز قفزة فقهية تحرر المواطن من حالة التواكل والفهم الخاطئ لصحيح الدين، وتتيح له الانطلاق بصنع الحياة بإيجابية واقتدار.

وفتح فرصة الممارسة السياسية أمام الكتل الشعبية عبر تشكيلات سياسية (هيئة التحرير، الاتحاد القومي، الاتحاد الاشتراكي) باعتبارها أوعية لتنمية اجتماعية سياسية غايتها منح المجتمع فرصة حقيقية للعب دور سياسي واقتصادي وخلق قوة سياسية توازن قوة السلطة.

كل هذا مع سياسة خارجية قائمة على الاستقلال والتخلص من كل أشكال التبعية السياسية والاقتصادية باعتبارها عقبة أمام تحرير الإنسان والوطن.

بدأ عبد الناصر مسيرته بطرح أسس مختلفة للتغيير الاجتماعي على خلفية ضرورة تحقيق تقدم وطني سريع، بخلق واقع جديد عبر اتخاذ الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية اللازمة: توزيع الأراضي على الفلاحين الفقراء عبر قوانين الإصلاح الزراعي، والتوسع بعملية التصنيع والإنتاج واستيعاب القوى العاملة ودعم المواد الغذائية وتأمين خدمات اجتماعية (تعليم، صحة, مواصلات, اتصالات) وتثبيت سعر صرف العملة الوطنية من أجل إزالة العراقيل والعقبات التي تقف في وجه هذا التقدم وتدعيم الاستقلال الوطني وتعظيم المكانة الدولية لمصر.

وقد اعتمد آلية التأميم التي أفرزت قطاعا عاما قويا ومسيطرا على جميع مفاصل الاقتصاد، وهذا حول الدولة إلى مالك كبير، أكبر رب عمل في البلاد، ما مكنها من التحكم بالدورة الاقتصادية والإمساك بالتوازن الاجتماعي.

أدت هذه الآلية إلى قيام دولة إنتاج وتوزيع في ذات الوقت، ومع استحالة تحقيق الهدفين في الوقت نفسه في دول متخلفة قليلة الإمكانيات، أصبح التناقض الأساسي بين هذين الدورين هو المميز الرئيس لهذا النظام.

لذا أقدم عبد الناصر على اعتماد منهج اتحادي قائم على دمج السلطة والحزب الحاكم والنقابة والتنظيمات الشعبية في كيان واحد هدفه ضبط الحراك الاجتماعي عبر إعادة توزيع الثروة، واستخدام عملية التوزيع في استتباع المجتمع والتحكم بردود أفعاله، وقد ترتب على ذلك تشكيل دولة وطنية مستقلة ونظام شعبوي يستجيب لمطالب الجماهير المعيشية ويتحسس مشاعرها، ولكن مع مستوى مشاركة شعبية محدودة في القرار السياسي ومع حظر المعارضة، وتحقيق ذلك بالاستناد إلى أجهزة أمنية وبيروقراطية وتنظيم سياسي واحد.

كل هذا مع توجه أمني إعلامي قائم على اعتبار كل معارضة سياسية مؤامرة تهدد أمن الجماعة والنظام، وتهدد الأهداف العليا للوطن في استقلاله ونهضته ورخائه.

الديمقراطية.. الفكرة والممارسة


تمسك النظام الناصري رغم إنجازاته الاقتصادية والاجتماعية باستبعاد العمل السياسي لصالح نظام مركزي بيروقراطي يولي الاهتمام الأكبر في تحقيق الأهداف للعمل التنفيذي وليس للعمل السياسي

يبرز الناصريون حديث الوثائق الناصرية وتوجهات عبد الناصر بعد هزيمة 1967 عن الديمقراطية والتعددية السياسية, كدليل على امتلاك الناصرية موقفا إيجابيا من الديمقراطية.

يثير هذا الطرح تحفظا كبيرا، فالوثائق التي صدرت في ستينيات القرن الماضي وإن كانت تحدثت عن الديمقراطية السليمة فإنها لم تحدد آليات اشتغالها ووسائلها، ناهيك عن أن النظام الناصري لم يطبقها في الممارسة العملية بل مارس ضدها بتكريس نظام شمولي.

فقد قاد اعتبار الدولة مدخلا سياسيا لتغيير المجتمع إلى دمج الوظيفة السياسية في الأجهزة الإدارية، وهذا بدوره قاد إلى دمج الوظيفة السياسية في الوظيفة الأمنية، حيث أصبحت أجهزة الأمن عراب العمل السياسي والتنظيمي، وقامت بالدور الذي كان من المفترض أن تقوم به الأحزاب السياسية، وإلى اعتبار السياسة مجموعة من المشكلات الإدارية، وتحديد ساحة الخلاف حيث يمكن أن يدور حول هذه المشكلات، وحول رفع مستوى الأداء، ولكن دون التطرق إلى الخيارات والأولويات، ما يعني إلغاء التنافس في المجتمع السياسي والركون إلى عملية فرض لون واحد وخيار واحد.

أما الأطر الحزبية التي أقامها عبد الناصر فكانت أقرب إلى الطابع التنظيمي منها إلى الطابع السياسي الاجتماعي، فهي أطر تحشيد وتنميط وتحييد أكثر منها أطر تفعيل وإشراك وتطوير، حتى الترقية داخل الأطر الحزبية، والمراكز القيادية منها بخاصة، تتم بالتعيين أو بالتوجيه وليس بالانتخاب الحر, فالبرامج مفروضة من الأعلى والمشاركة محصورة في حدود هذه البرامج.

لقد تمسك النظام، رغم إنجازاته الاقتصادية والاجتماعية، باستبعاد العمل السياسي لصالح نظام مركزي بيروقراطي يولي الاهتمام الأكبر في تحقيق الأهداف للعمل التنفيذي وليس للعمل السياسي.

اعتمد النظام الناصري في التعامل مع المجتمع على عدة ركائز: التركيز على دور القائد الفرد وصفاته الاستثنائية (روجت له الحملات الإعلامية بالأغاني والصور والتماثيل)، واحتكار الحقل السياسي، وتأميم الدولة والمجتمع، وإلغاء الحريات، وفرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية والمحاكم العسكرية والاستثنائية وأمن الدولة...إلخ.

عكست هذه الركائز سمات نظام يعتمد المركزية السياسية وإمساك "نخبة وطنية تقدمية" بإدارة السلطة سياسيا واقتصاديا بدلا عن القوى السياسية والاجتماعية، حيث تم التشديد على الديمقراطية الاجتماعية لاستبعاد الديمقراطية السياسية، سواء في صورتها الواحدية أو التعددية، لقد كسب الشعب الديمقراطية الاجتماعية دون أن تتاح له بالقدر نفسه فرصة ممارستها كسلطة سياسية أي كأسلوب عمل يومي.

راح عبد الناصر يمركز السلطة في يده وحوله، ويعسكر الإدارة بوضع ضباط في الوزارات والمحافظات وشركات القطاع العام، ويحل الأحزاب بذريعة فسادها دون أن يسمح بتشكيل أحزاب بديلة، وهذا حول النظام السياسي الناصري إلى نظام وطني تحكمه أجهزة أمنية وبيروقراطية أبعدته عن جماهيره وعمقه الشعبي، وحولته إلى ساحة صراع لعدد محدود من الأجهزة والأشخاص، فإلغاء الأحزاب ألغى الحياة السياسية، وأخرج السياسة من المجتمع، وحول السياسة الرسمية المتبعة إلى طقوس لتمجيد القائد وتكريس السلطة.

وهذا سمح لأنور السادات بالسيطرة على النظام بسهولة لأن بنيته البيروقراطية والأمنية جعلت صراع السادات محصورا مع عدد محدود من الخصوم فانتصر عليهم بفضل آلية عمل النظام البيروقراطية والأمنية.

لم يقلل من خطورة نظام الحزب الواحد الذي أقامه عبد الناصر تبنيه لصيغة تحالف قوى الشعب العاملة واعتبار الاتحاد الاشتراكي تنظيما جماهيريا مفتوحا (أول من ابتدع صيغة تحالف قوى الشعب العاملة القائد الشيوعي الأذربيجاني سلطان غالي عام 1937 في محاولته لاحتواء أضرار الصيغة الطبقية الجامدة للحزب الشيوعي السوفياتي).

أما حديث عبد الناصر بعد هزيمة 1967عن نيته إقامة تعددية سياسية في مصر فلم يأخذ طريقه إلى التنفيذ حيث لم تسمح ظروف الصراع العربي الإسرائيلي ووفاته المبكرة له بمراجعة أسس مشروعه العملية والنظرية وعجز الناصريين عن القيام بهذه المراجعة وهذا جعل الحديث عن التعددية السياسية هدفا افتراضيا.

الناصرية والمستقبل


الشرعية الدستورية والنظام الديمقراطي أصبحا في ظروفنا الراهنة بديلا إجباريا عن الشرعية الثورية، خاصة أن تجربة سقوط النظام العراقي المذل أظهرت مخاطر الاستبداد على الروح الفردية والوطنية
تدين الناصرية في صعودها ونجاحها لثلاثة عناصر: الرجل, عبد الناصر الذي يمتلك إلى جانب الصفات الشخصية موقفا صلبا من قضايا وطنه وعصره، والبلد، مصر أكبر قطر عربي يقع في قلب الوطن العربي، والحرب الباردة, صراع الكتلتين الرأسمالية والشيوعية، وما وفرته الكتلة الشيوعية التي تناغم معها عبد الناصر سياسيا من غطاء وحماية وإمكانات ساعدته على التخلص من مشكلات ومآزق كبيرة واجهته.

وقد قاد غياب بطلها وانهيار النظام الناصري في مصر والاتحاد السوفياتي، إلى افتقاد الموجه والمركز والراعي، وهي شروط وجودها واستمرارها، وهذا أوقعها في ارتباك شديد أفقدها القدرة على صياغة أجوبة صحيحة ومحددة للأسئلة التي طرحتها المتغيرات الدولية الصاعقة والحاسمة في ظل عصر الاتصالات والمعلومات، والاعتماد المتبادل بين الدول، واقتصاد السوق، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والتدخل في الدول الأخرى لاعتبارات إنسانية... الخ.

لم تعد الناصرية بصيغتها القديمة أداة تغيير مستقبلية، إنها في أحسن الظروف ذكرى طيبة لرجل ونظام، ما أبقاها ذكرى طيبة هو عدم قيام نظام آخر أكثر إيجابية منها في الوطن العربي، إذ لم يعد نظام الفرد، الزعيم، القائد، البطل، يلبي احتياجات اللحظة السياسية الإقليمية والدولية الراهنة، فالناصرية بحاجة إلى ثورة ثقافية تكسر ثقافة الشخصنة والولاء للقائد الملهم، حتى تصبح تربة صالحة لإنبات شجرة الديمقراطية، وتسمح لجماهيرها بإحداث نقلة نوعية في وعيها وممارستها وتكوين رؤية واضحة تنمي قدرتها على خلق تجربة مستقلة متحررة من آلية التبعية والولاء، وصياغة برنامج نضالي وطني (قومي) اجتماعي ذاتي.

كما لم تعد الشرعية الثورية التي اعتمدتها أداة مناسبة لحكم صاعد باتجاه حياة مستقرة ومزدهرة، فالشرعية الدستورية والنظام الديمقراطي غدتا في ظروفنا الراهنة بديلا إجباريا، خاصة أن تجربة سقوط النظام العراقي المذل قد أظهرت مخاطر الاستبداد على الروح الفردية والوطنية.

كما لم يعد النظام الاقتصادي ثنائي الوظيفة (إنتاج وتوزيع) في الظروف الاقتصادية الدولية الراهنة (العولمة) مجديا، خاصة في الدول الفقيرة بإمكاناتها الطبيعية وخبراتها البشرية المتواضعة وحاجتها الماسة للاستثمارات والاندماج في السوق الدولي، فليس باستطاعة نظام كهذا تحمل تبعات تنمية بشرية واقتصادية ناجحة، وهذا يجعله في المحصلة الختامية غير قادر على حماية السيادة الوطنية بالمفهوم القديم (حماية الوطن) أو الجديد (التأثير في الواقع الدولي بقدر أو أكثر من تأثير الواقع الدولي في الواقع الوطني).

لقد غدت الناصرية بعد المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية أمام خيار تاريخي، إما إعادة نظر والتغير باتجاه المستقبل أو التآكل والتلاشي والاندثار.
ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة