بقلم/ عبد السلام رزاق

السياسة الاقتصادية المغربية في مفترق الطرق
الرباط في الأجندة الأميركية
مخاوف المزارعين المغاربة

منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي، اعتمد المشرفون على السياسة الاقتصادية المغربية خططا تنموية مندمجة تقوم على المحافظة على التوازنات الاقتصادية الكبرى، والانخراط في إعداد البنيات المالية والإنتاجية اللازمة للدخول إلى منظومة الاقتصاد العالمي، إلى جانب البحث عن تنويع الشركاء التجاريين في أكثر من قارة.

ورغم أن هذه الاختيارات الثلاثة تبدو متباينة من حيث آليات الاشتغال والنتائج المنتظرة، فإن المغرب تمكن من تحسين صورته في المنتديات الدولية ما أهله ليكون سوقا اقتصادية ومالية ناشئة, ومحطة جديدة في رسم توجهات السياسة الاقتصادية العالمية في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط وأشكال التنافس المحتملة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي.

والمؤكد أن إعلان كل من الرباط وواشنطن عن التوصل إلى اتفاقات نهائية حول السير المستقبلي لتنفيذ بنود هذه الاتفاقية، والتفصيلات التي ستمنح للصادرات الزراعية والمنسوجات المغربية في السوق الأميركية ما يؤكد أن المغرب يمثل بالفعل موقعا إستراتيجيا في رسم معالم السياسة الاقتصادية والتجارية الأميركية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

والمؤكد أيضا أن دول الاتحاد الأوروبي لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى الولايات المتحدة الأميركية توطد حضورها في منطقة المغرب العربي التي تعتبرها دول الاتحاد شريكا اقتصاديا وسياسيا وإستراتيجيا.

السياسة الاقتصادية المغربية في مفترق الطرق


يبدو أن الحضور الأميركي الجديد في المغرب بعثر الأوراق الأوروبية كثيرا، فيما اعتبره المغاربة فرصة ثمينة للظفر بامتيازات اقتصادية وسياسية من خصمين كبيرين
لم تكن الإصلاحات الاقتصادية التي اعتمدها المغرب في عهد الراحل الحسن الثاني -والقائمة على التحكم في معدلات التضخم وعجز الميزانية إلى جانب وضع إستراتيجية تنموية- تنهض على تحقيق معدلات نمو سنوية بنسبة 5%، إلا استجابة قسرية للإصلاحات المملاة من قبل المؤسسات المالية الدولية المانحة.

هكذا جاءت التدابير الاقتصادية للحكومات المغربية المتوالية طوال هذه المراحل تنفيذا للإملاءات الخارجية. ورغم ردة الفعل الداخلية الناجمة عن تنفيذ برنامج التقويم الهيكلي وسياسة التقشف التي اعتمدت منذ أواسط الثمانينيات، فقد تمكن المغرب من المحافظة على نوع من الاستقرار النسبي الصعب الذي تعذر تحقيقه لدى بعض الدول المجاورة.

وبموازاة مع هذه الفترات العصيبة وقعت الرباط على اتفاقيات للشراكة مع الاتحاد الأوروبي عام 1996 لتدخل حيز التنفيذ عام 2000، لكن رغم الحماسة التي أبدتها تجاه اتفاقية الشراكة ومسلسل برشلونة فإن النتائج بدت دون طموحات المغاربة ولم تقدم أي جديد على مستوى الرفع من معدلات التنمية الداخلية.

بل إن الأمور أخذت منحى مغايرا بعد دخول كل من إسبانيا والبرتغال إلى دول الاتحاد عام 1998 واكتشاف المغرب لحقيقة التوجه الجديد للسياسة الأوروبية نحو أوروبا الشرقية، ما ولد اقتناعا متزايدا لدى المسؤولين المغاربة بالبحث عن آفاق اقتصادية وتجارية بديلة خارج المدار المتوسطي.

إن هذه المبادرة المغربية الجديدة بدت برأي الكثيرين ضربا من المغامرة الاقتصادية غير المضمونة، خاصة أن الاتحاد الأوروبي يعتبر الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للرباط. إذ أن 70% من مبادلاته التجارية تتم مع دول الاتحاد. وفرنسا تعتبر الشريك الاقتصادي الأول للمغرب بمعدل سنوي يصل إلى 500 مليون يورو، في حين تمثل إسبانيا الشريك الثاني بنحو 400 مليون. ورغم ذلك فإن هذه العلاقات الاستثنائية ما كانت لتحول دون بحث الرباط عن آفاق اقتصادية جديدة.

والملاحظ أن استثمار المغرب لعلاقاته السياسية والدبلوماسية قصد الظفر بعلاقات استثنائية مع الاتحاد الأوروبي لا تصل إلى حد الاندماج الكلي ولا تقف عند حدود الشراكة لم تنجح هي الأخرى -بإيعاز من اللوبي الإسباني الذي سعى إلى التصدي لكل محاولة مغربية لتأكيد حضوره في الفضاء المتوسطي انتقاما من عدم تجديد اتفاقية الصيد البحري- ما زاد من إصرار الرباط على البحث عن أفق اقتصادي مغاير.

كل هذه المحطات أفضت إلى وضع اقتصادي وسياسي خاص بالمغرب، فهو موزع بين الرغبة في تحقيق معدلات نمو قارة والبحث عن بدائل تجارية خارج الفضاء الأورومتوسطي، مع المحافظة على علاقاته التقليدية مع الاتحاد الأوروبي بحكم القدر الجغرافي ووحدة المصالح الجوية التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى.

لكن يبدو أن الحضور الأميركي الجديد بعثر الأوراق الأوروبية كثيرا، فيما اعتبره المغاربة فرصة ثمينة للظفر بامتيازات اقتصادية وسياسية من خصمين كبيرين، وإن ظلت التصريحات الرسمية في الرباط تؤكد أنه لا تعارض بين روح الشراكة المغربية الأوروبية واتفاق التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأميركية.

الرباط في الأجندة الأميركية
لم يكن التنافس الاقتصادي والتجاري بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي في المنطقة المغاربية وليد الأمس القريب، بل إن التنوع الطبيعي والبشري الذي يميز هذه المنطقة وشروط التكامل الاقتصادي بين دولها جعلها دوما محط صراع القوى الاقتصادية العالمية.

وإذا كان الاتحاد الأوروبي تمكن من انتزاع شراكة عمودية ومنفصلة مع الدول المغاربية خاصة المغرب عام 1996 وتونس عام 1995، فإن الحضور الأميركي ولو جاء متأخرا نسبيا اعتمد سياسة اقتصادية بديلة عبر مقترح ستيوارت إيزنستات نائب وزير المالية عام 1998, بإقامة شراكة مغاربية أميركية من خلال التركيز على دور القطاع الخاص في الجهتين، مع الاستعانة بالرأسمال الأميركي وتحويل السوق المغاربية الموسعة إلى سوق تصديرية نحو الأسواق الأوروبية والأفريقية وحتى العربية.


لم يكن التنافس الاقتصادي والتجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المنطقة المغاربية وليد الأمس القريب، بل إن التنوع الطبيعي والبشري لهذه المنطقة جعلها دوما محط صراع القوى الاقتصادية العالمية
ويبدو أن عدم ترجمة هذه المبادرة لأسباب متعددة مرتبطة بالخلافات السياسية بين الدول المغاربية زاد من حماسة الأميركيين في البحث عن بدائل اقتصادية وإستراتيجية في المنطقة. ومن هنا جاء مشروع اتفاقية التبادل الحر ليؤكد رغبة أميركية في تأكيد حضورها تجاريا في حوض البحر الأبيض المتوسط، ومزاحمة الحضور الأوروبي عبر بوابة المغرب.

ومباشرة بعد ذلك لوحظ تنام غير متوقع في حجم المبادلات التجارية بين البلدين عام 2001 حيث بلغت 750 مليون دولار، ليزداد هذا الرقم بمقدار 60% في الأشهر الستة الأولى من العام 2002.

ويؤكد المفوض التجاري الأميركي روبرت زوليك أن مضمون سياسة بلاده في البحث عن حلفاء اقتصاديين عبر قنوات اتفاقية التبادل الحر تقوم على خطة رسمها الرئيس جورج بوش الأب، وتقتضي خلق ما أسماه "الدائرة المتسعة للتنمية" كجزء من القانون التجاري الأميركي الجديد والقاضي بفتح تبادل تجاري بقيمة 20 مليار دولار غير خاضع للتعريفات، مع الإلحاح على فتح أسواق زراعية جديدة في الدول النامية.

لكن يبدو أن هذه الخطة الاقتصادية الجديدة أو بالأحرى تنفيذها في الظرف الآني تأخذ شكل هدايا سياسية واقتصادية للدول التي انخرطت بصورة مباشرة في النادي الأميركي لمحاربة الإرهاب.

ويقوم مضمون الاتفاق معتمدا على 12 قطاعا اقتصاديا وتجاريا شمل السياحة والصناعة والصيدلة والتأمينات وقطاع الاتصالات وقطاعات الزراعة والمنسوجات, ويحلو للأميركيين التأكيد على أن الاتفاقات السابقة الموقعة مع كل من المكسيك وكندا والأردن وتشيلي وإسرائيل كانت السبيل الأوحد لإيجاد فرص إضافية للنمو الاقتصادي وإيجاد فرص عمل وتقليص هوامش الفقر, وبالمقابل يعلن المغاربة استعدادهم لتبني سياسة أكثر ليبرالية بهدف جلب اهتمام الرساميل الأميركية وتوطينها في البلاد بما يساعد على استقدام استثمارات إضافية.

مخاوف المزارعين المغاربة
يراهن المغرب كثيرا من خلال هذه الاتفاقية على تفهم أميركا لواقع القطاعات الاقتصادية التي تحظى بالأولوية خاصة قطاعي الزراعة والمنسوجات، وتصريف صادراته نحو الأسواق الأميركية الكبيرة دون عناء جمركي.

وقد لوحظ خلال الجولات التفاوضية الثماني تفهم أميركي واستجابة غير متوقعة من قبل الأميركيين، حيث أكدت كاترين نوفيلي مساعدة وزير التجارة الأميركي وفي أكثر من موقع أن الملف الزراعي المغربي سيشكل حالة استثناء على مستوى التفاوض, وأن واشنطن ستقدم تنازلات عدة لأصحاب الصادرات الزراعية المغربية عبر تنفيذ مخطط مشترك مع البنك الدولي لإعادة هيكلة القطاع الزراعي يقوم على تحديث الزراعة المغربية وتوجيهها حسب احتياجات السوق الأميركية.


اتفاقية التبادل الحر بين الرباط وواشنطن والمدعومة ماليا وسياسيا من قبل البيت الأبيض لا يمكنها إلا أن تكون مسارا جديدا وحاسما في رسم مستقبل السياسة الاقتصادية والتجارية المغربية
وقد اعتمدت الولايات المتحدة الأميركية في سياق مفاوضات منظمة التجارة العالمية خطة جديدة، تقضي بتبني سياسة زراعية بديلة في الدول النامية لا تعيق المسار العام الأولي للتجارة العالمية.

ورغم كل هذه التبريرات والتطمينات، فإن المزارعين المغاربة أكدوا أنهم مع المقترح الحكومي في تنفيذ الاتفاقية لإيجاد مخرج تجاري للصادرات الزراعية التي واجهت الكثير من التعنت الإسباني، لكنهم بالمقابل يتوجسون كثيرا من متطلبات السوق الأميركية وشروطها الداخلية.

ويمثل القطاع الزراعي القوة التجارية الأولى للاقتصاد المغربي، حيث كان يصدر في السابق نحو 400 ألف طن من الحمضيات والبواكر إلى الاتحاد الأوروبي من مجموع إنتاجه السنوي البالغ 900 ألف طن، إلا أن موقف اللوبي الزراعي الإسباني فوت على الرباط الإفادة من عائداتها المالية التي كانت تصل سنويا إلى قرابة مليار يورو.

وقبل دخول الاتفاقية حيز التنفيذ لم يتردد المزارعون المغاربة من إبداء مخاوف مشروعة ناجمة بالأساس عن شروط الجودة المملاة من قبل السوق الأميركية وارتفاع فاتورة النقل الثقيلة، إلى جانب شروط المنظمات الزراعية الأميركية التي تصر على معرفة جميع خصوصيات المنتوج الزراعي المغربي.

ويبدو أن الرد الحكومي على هذه المخاوف جاء بناء على خطة توفيقية بين الرباط وواشنطن تقوم على الجمع بين شروط التجارة العالمية والمساعدات الخارجية، الأمر الذي خفف من حدة المخاوف إلى حين.

إن اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة الأميركية والمدعومة ماليا وسياسيا من قبل البيت الأبيض لا يمكنها إلا أن تكون مسارا جديدا وحاسما في رسم مستقبل السياسة الاقتصادية والتجارية المغربية، وقد تكون منفذا جديدا لتصريف المنتجات الزراعية المصادرة أوروبيا. ورغم أن المخاوف تظل مشروعة فإن معدل التبادل التجاري وحجم الاستثمارات الأميركية الوافدة على السوق المغربية هما المحددان الرئيسان القادران على تقييم مدى نجاح هذه الاتفاقية أو فشلها.
ــــــــــــــــــ
كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة