بقلم/ محمد جميل بن منصور

- باول في المنطقة بين المعلن والواضح
- شيراك في زيارة دولة
- قمة 5+5 بين الطموح والممكن
- بين التاريخ والقوة

حينما نفى وزير الخارجية الأميركي كولن باول أثناء رده على تزامن زيارته لمنطقة المغرب العربي مع زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك لتونس وجود تنافس فرنسي أميركي على المنطقة، كان يدرك أنه ينكر أمرا باتت الدلائل والقرائن عليه كثيرة.

كانت أوروبا عموما وفرنسا خصوصا تظن أن الولايات المتحدة الأميركية ستترك بعض الأطراف لأصدقائها بل وحلفائها, سواء لارتباط هذه الأطراف التاريخي بهم أو في إطار قسمة النفوذ والمصالح, ولكن الذراع الأميركية بدت في الآونة الأخيرة وتوظيفا لأجواء ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول ممتدة بلا حدود.

ويلاحظ المتابعون للسياسة الأميركية والشأن المغاربي أن اهتمام الولايات المتحدة بهذه المنطقة ما فتئ يتعزز ويتوسع, مستفيدة من مشاكل فرنسا مع دول المنطقة.

وقد شهدت علاقات واشنطن الجيدة أصلا مع المملكة المغربية تطورا ملحوظا مع الدول الأخرى. وقد حاولت فرنسا ومن بعدها أوروبا وخصوصا ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا الاستدراك وعاودت تسوية بعض الملفات العالقة مع دول المغرب العربي, وزار شيراك المنطقة أكثر من مرة, وكان استقبال الجزائريين له وحفاوة المغاربة به وانتقاله مع الرئيس الموريتاني إلى مسقط رأسه, والآن زيارة الدولة لتونس والثناء على تجربتها, وقبل ذلك الخطوط المفتوحة مع القيادة الليبية, وزيارات ابن العقيد القذافي سيف الإسلام إلى باريس.. كان كل ذلك مظاهر استدراك فرنسي عززته خطوات من أصدقائها الأوروبيين الآخرين.

ولا شك في أن الاهتمام الأميركي بالمنطقة المغاربية وحماس الأنظمة لذلك والعودة الأوروبية والفرنسية وما يعززها من عوامل الجوار والتاريخ والاقتصاد, أعطى للمنطقة أهمية واضحة ولأنظمتها فرصة إضافية ومبررا آخر لتأخير الإصلاح السياسي الذي تراه خطرا عليها، مدعية أنها تقف أمام الأصولية الإسلامية ذات الحساسية الخاصة عند الأميركيين والمطلوب تهميشها عند الأوروبيين.


زيارة باول للمغرب العربي كانت تهدف إلى تأكيد الاهتمام الأميركي بدول المنطقة وتشجيعها على مكافحة الإرهاب وإعطاء الانطباع بأن واشنطن وحدها هي القادرة على تسوية النزاعات الكبرى
باول في المنطقة بين المعلن والواضح
أعلن قبل فترة أن وزير الخارجية الأميركي كولن باول سيزور ثلاث دول مغاربية هي تونس والمغرب والجزائر, وكان استثناء كل من ليبيا المصنفة في الدول الراعية للإرهاب, وموريتانيا الهامشية الدور في الإستراتيجية الأميركية مفهوما وإن لم يرض طرابلس الساعية للمصالحة مع أميركا ولا نواكشوط المحتاجة للزيارة ولو لمباركة رئيس خرج لتوه من انتخابات يطعن فيها منافسوه.

بدأ باول بتونس وأعلن أن أهداف زيارته هي تشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي ورفع القيود عن حرية الإعلام, وكان ذلك تجاوبا مع بعض القوى المدنية والإنسانية التي ترى في تونس دولة بوليسية وعبرت عنها أو باسمها منظمة هيومن رايتس ووتش في رسالتها للوزير الأميركي التي طالبت فيها بالضغط على تونس. لكن باول في المقابل وصف الشراكة مع تونس بأنها شراكة ممتازة.

أما في المغرب التي قال باول إنه كلما كان فيها أحس أنه في "أرض صديقة", فقد ذكّر بعراقة العلاقات المغربية الأميركية وأشاد بالانتخابات التي وصفها "بالناجحة" وبجديد مدونة الأحوال الشخصية.

وفي الجزائر كانت الإشادة بمحاربة الإرهاب وبالتعاون الذي يتعزز ويتطور بين البلدين، وكان باول هنا أكثر وضوحا في الاقتراح إن لم نقل الاشتراط, وهو ما عبرت عنه صحيفة "الخبر" الجزائرية حين نشرت على صفحتها الأولى صورة لباول ونظيره الجزائري عبد العزيز بلخادم مع تعليق يقول "في زيارة خاطفة للجزائر باول يملي شروط واشنطن: الإصلاحات السياسية، احترام حقوق الإنسان، حرية الصحافة".

ورغم ما أعلنه باول أمام بعض الصحفيين وما أكده ريتشارد باوتشر, فإن الزيارة جاءت لجملة من الأهداف أهمها:

  • تأكيد الاهتمام الأميركي بمنطقة المغرب العربي في وقت تستعد فيه دول هذه المنطقة لعقد قمة شراكة مع خمس دول أوروبية في إطار "حوار 5+5" تسبقها زيارة دولة يقوم بها الرئيس الفرنسي لتونس مقر انعقاد القمة.
  • تشجيع هذه الدول على ما تسميه الولايات المتحدة مكافحة الإرهاب الذي وجدت فيه الأنظمة المغاربية فرصة لتصفية خصوم سياسيين أقوياء.
  • إعطاء الانطباع بأن الولايات المتحدة هي وحدها القادرة على تسوية النزاعات الكبرى.

شيراك في زيارة دولة
لقد كان واضحا من البداية أن شيراك يأتي إلى تونس مزكيا لا معاتبا, ولذلك حق لصحيفة ليبراسيون أن تكتب بالخط العريض "من بداية سفره الرئيس الفرنسي يقلل من شأن انتهاك الحريات"، وتكمل "شيراك يلمّع بن علي".

ولا يبدو أن الرئيس الفرنسي تأثر كثيرا بالحملة القوية التي قادتها أحزاب اليسار الفرنسي وقوى المعارضة التونسية، فقد أجمع الاشتراكيون والشيوعيون والخضر على إدانة مواقف الرئيس.

وتنوعت تعبيرات المعارضة التونسية الاحتجاجية على زيارة شيراك وتصريحاته بدءا من راشد الغنوشي ومرورا بالطريفي وبن بريك وانتهاء براضية نصراوي التي قالت "خلاصة ما يقوله شيراك لنا: كلوا واسكتوا".

لقد أراد شيراك من زيارته إكمال حلقة التعاون والشراكة مع المثلث المغاربي: الجزائر وتونس والمغرب، وهو ما ترجمته الاتفاقيات العديدة بين فرنسا وتونس, كما أراد منها التسابق مع الولايات المتحدة وذلك بالتخلي أو بالتخفيف من مسألة حقوق الإنسان وفرض الديمقراطية.


لا يبدو أن دول ضفتي المتوسط تختلف كثيرا في شأن المسائل الأمنية المتعلقة بمكافحة الإرهاب, وإن تحفظ الطرف الأوروبي أحيانا على التوظيف السياسي المبالغ فيه للموضوع في الدول المغاربية

قمة 5+5 بين الطموح والممكن
تعود فكرة قمة الحوار الأورومتوسطي إلى إعلان روما 1990 ثم إعلان الجزائر 1991، إلا أن تطورات العالم من جهة والأزمات العميقة التي دخلتها بعض الدول المغاربية من جهة ثانية, أخرت المشروع حتى العام 2001 بإصدار إعلان برشلونة, ثم إعلان طرابلس الذي استمرت بعده المشاورات والتحضيرات لتؤدي أخيرا إلى انعقاد قمة تونس.

كان واضحا من البداية أن أهم ملفين سيشغلان القادة الأوروبيين والمغاربيين هما ملف الهجرة السرية وانعكاساته وملف محاربة الإرهاب.

وقد عبر قادة دول المغرب العربي ووزراؤها المعنيون عن تشككهم في إمكانية حل مشكل الهجرة بالإجراءات الأمنية فقط، وعبروا بأشكال مختلفة عن عدم استعدادهم للقيام بما لا يستطيعون أو لا يريدون, وكان تصريح وزير الخارجية الليبي الأوضح في هذا الشأن حيث قال إن بلاده غير مستعدة لأن تكون حارسا من الشمال والجنوب لاتساع وامتداد حدودها الجغرافية.

ويريد الأوروبيون من جهتهم وأمام التكلفة الباهظة ماديا وبشريا لمحاربة الهجرة السرية أن تتحمل الدول المغاربية الدور الأساسي في منع الهجرة, وهو ما أوضحه قادة الدول الأوروبية المعنية بالموضوع. وينسى هؤلاء أو يتناسون أن الأنظمة في الجوار المغاربي أمام حالة الاحتقان السياسي الداخلي وتدهور الأوضاع الاقتصادية يفضلون التفريغ البشري خصوصا في قطاع الشباب إلى الضفة الأخرى للمتوسط.

والناظر في خطابات الافتتاح سيلحظ المعنى الأول (البحث عن حلول غير أمنية لمشكل الهجرة) عند القادة المغاربيين, والمعنى الثاني (تحمل الضفة الجنوبية لمسؤوليتها في إيقاف الهجرة) عند القادة الأوروبيين. ولم يستطع البيان الختامي أن يوجد حلا واضحا يرضي الأوروبيين الذين يرون في معالجة إشكال الهجرة أهم قضايا الشراكة والتعاون, ومع ذلك ينتظر أن تتعاطى بعض الدول المغاربية مع الموضوع إيجابيا كلما وجدت ثمنا سياسيا (بالتغطية والسكوت عن الأخطاء) أو اقتصاديا (الدعم والتسهيلات) لدى هذه الدولة الأوروبية أو تلك.

أما المسائل الأمنية المتعلقة بمكافحة الإرهاب فلا يبدو أن دول ضفتي المتوسط تختلف في شأنها كثيرا, وإن تحفظ الطرف الأوروبي أحيانا على التوظيف السياسي المبالغ فيه للموضوع في الدول المغاربية.

هناك أمور تلفت الانتباه في شأن العلاقة الأوروبية المغاربية وقمة 5+5 نلخصها في النقاط التالية:

  • كان الأوروبيون أحرص من القادة المغاربيين على التأكيد على تفعيل ومأسسة الاتحاد المغاربي، يدفعهم في ذلك طبعا حرصهم على وجود شريك واحد بدل خمسة شركاء وما يترتب على ذلك سياسيا وقانونيا واقتصاديا.
  • انصب الاهتمام في الإستراتيجية الأوروبية على الدول المغاربية الثلاث: تونس والمغرب والجزائر, وذلك ما ترجمته زيارات الرئيس شيراك وتصريحاته, وأكدته من ناحية أخرى الاتفاقيات الموقعة مع هذه الدول الثلاث. ويبدو أن مجال التنافس الأوروبي الأميركي هو هذه الدول الثلاث، وهو ما يفسر اقتصار باول عليها في جولته.
  • شهدت قمة 5+5 عناية أوروبية واضحة ترجمها حضور رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي ومعه المنسق الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية خافيير سولانا ومفوض العلاقات الخارجية كريس باتن. وفضلا عما يعكسه هذا الحضور من دعم المؤسسة الأوروبية لدول الجنوب الأوروبي وشراكتها مع الدول المغاربية، فإنه يعطي مؤشرا إضافيا على الإحساس الأوروبي بالتنافس مع الولايات المتحدة، وهو ما يقتضي مزيدا من الحضور والثقل.


سيظل الحبل مشدودا بين واشنطن وباريس وحلفائها الأوروبيين، ولن يقدم طرف على محاولة إقصاء الآخر لسبب بسيط هو أنه لا يريد، وإذا أراد فإنه لا يستطيع

بين التاريخ والقوة
لا شك في أن المصلحة الاقتصادية متحققة بالشراكة مع الجهتين المتنافستين على المنطقة المغاربية: أي الولايات المتحدة وأوروبا وخصوصا فرنسا, وسيجد مؤيدو الشراكة مع الأولى المبررات الكافية في غناها ونفوذها الاقتصادي العالمي فضلا عن تقدمها المتميز, في حين سيركز أنصار الشراكة مع أوروبا على فوائد القرب الجغرافي وتنوع المصالح المتحققة من الشراكة مع الضفة الأخرى من المتوسط.

ومن هنا فإن الولايات المتحدة ستتخذ من قوتها عالميا ونفوذها عاملا إضافيا يشجع أنظمة تفضل من يحميها على من ينفعها, في حين سيركز الطرف الأوروبي على استعصاء تجاوز التاريخ وأحكامه والجغرافيا واستحقاقاتها, ثم إن أوروبا صاعدة وقدرتها على الإضرار أكبر فهي تستضيف جاليات مغاربية واسعة ولها خبرة لا يستهان بها بالأوضاع الداخلية في المنطقة.

وفي انتظار أن تشهد المنطقة المغاربية تطورات دالة خصوصا على المستوى السياسي وفي مجال حكم القانون والمؤسسات, سيظل الحبل مشدودا بين واشنطن وباريس وحلفائها الأوروبيين في هذه المسألة على الأقل. ولن يقدم طرف على محاولة إقصاء الطرف الآخر لسبب بسيط هو أنه لا يريد، وإذا أراد فإنه لا يستطيع.
____________
* كاتب موريتاني يقيم في بروكسل

المصدر : الجزيرة