*بقلم/ منير شفيق

خلال السنوات الثلاث الماضية لم يرتفع مستوى الحل الأمني العسكري الإسرائيلي إلى المستوى الذي وصله الآن، ولم تحدث متغيرات دولية إزاء الوضع الفلسطيني كالمتغيرات التي شهدها الشهران المنصرمان.

ويمكن أن يدرج في هذا الإطار الأخير قرار مجلس الأمن رقم (1511) الذي صدر بالإجماع حول العراق وما تلاه من نجاح، ولو الشكلي، في مؤتمر الدول المانحة بمدريد المنعقد خلال الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2003.


لم يعد آلاف الشباب المندفع إلى المقاومة بحاجة إلى علم الشهيد المهندس يحيى عياش حيث أصبح علمه -وبعد تطويره- شائعا كما طهي حبة عدس
المتغير الأمني العسكري الإسرائيلي يلحظ من خلال قرارين اتخذتهما حكومة شارون: الأول هو القرار المتعلق باغتيال القيادات السياسية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والذي ابتدأ بالمحاولة الفاشلة التي تعرض لها عبد العزيز الرنتيسي، وباغتيال القيادي إسماعيل أبو شنب، وفشل محاولة اغتيال الشيخ أحمد ياسين ومحمود الزهار.

أما القرار الثاني فهو المتعلق بقرار إبعاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والتهديد شبه الرسمي بقتله.

لا يحتاج المرء إلى جهد في التحليل ليستنتج بأن الوضع انتقل إلى مستوى إعلان الحرب الشاملة. لأن قرار اغتيال قيادات حماس، ومن بعدها أو في أثنائها اغتيال قيادات الجهاد، ومن ينتقى من قيادات في كتائب الأقصى والشعبية، إلى جانب قرار إبعاد عرفات أو قتله (أي تصفية السلطة)، يمثلان الحرب الشاملة التي تحتاج إلى استدعاء الاحتياط واجتياح كل المناطق، ومن ثم تغيير المعادلة التي سادت خلال السنوات الثلاث الماضية تغييرا جذريا.

على أن ما أظهرته قيادات المقاومة من صمود واستعداد لقبول التحدي الجديد، وما ردت به حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بقيادة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من تظاهرات وتحد ضد قرار الإبعاد، لم يسمحا بأن يجني القراران ثمارهما السياسية من حيث إنهاء المقاومة والإخضاع. ووضعا رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون ومعه الرئيس الأميركي جورج بوش، بالضرورة، أمام امتحان تنفيذ الحرب الشاملة وليس التهديد بها فقط، الأمر الذي فرض عليهما إعادة حساباتهما خوفا من العواقب المترتبة على تصفية السلطة، وإزالة كل الخطوط الحمر في المواجهة.

ولعل أولى تلك العواقب عودة الاحتلال سافرا لمواجهة الشعب (الانتفاضة والمقاومة)، ومن ثم تحمل تبعاته المالية والتعرض أكثر لمستويات من المقاومة أعلى كثيرا من مرحلة ما قبل اتفاق أوسلو.

أما الدليل فهو الصمود الذي أظهره الإنسان العادي حيث لم ترتفع راية بيضاء واحدة، بل كانت ردات الفعل على كل اغتيال، أو هدم بيت، أو اجتياح، تتسم بالتحدي والاستعداد لتحمل أكبر التضحيات.

كما أن آلاف الشباب المندفع إلى المقاومة لم يعد بحاجة إلى علم الشهيد المهندس يحيى عياش حيث أصبح علمه، وبعد تطويره، شائعا كما طهي حبة عدس، ربما.

وبكلمة، فإن تنفيذ ما أعلن من حرب شاملة سيفقد الدولة العبرية كل مكاسبها السياسية التي جنتها من اتفاق أوسلو فلسطينيا وعربيا ودوليا.

ولهذا، دخل الوضع في معادلة إعلان حرب شاملة مع وقف التنفيذ، ومن ثم العودة إلى اغتيال كوادر ميدانية وممارسة الاجتياح الجزئي. مما يعني الدخول في مأزق وحرج شديدين.


الذي يمتلك زمام المبادرة الآن هو الجانب الفلسطيني عبر استمراره في الانتفاضة والمقاومة ومواجهة الاجتياحات
وهذا الذي يفسر الهروب إلى شن الغارة على "عين الصاحب" في سوريا، وإعادة إحياء مشروع قرار محاسبة سوريا في الكونغرس الأميركي، مع التهديد بتوسيع نطاق الغارات في العمق السوري واللبناني.

ولكن الهروب من المأزق الفلسطيني أدخل شارون في المأزق السوري اللبناني، حيث فشلت الغارة على "عين الصاحب" في تحقيق هدفها السياسي، بل رد عليها في اليوم الثاني بقتل جندي إسرائيلي جنوبي لبنان، وبصمود سوري لبناني، بل أعلن الاستنفار والاستعداد للرد على أي غارة تتعرض لها سوريا.

وجاء الشجب العالمي لغارة "عين الصاحب" ليدخل شارون وبوش في العزلة. وهذا وضع خطر يسيء إلى هيبة حكومة شارون كما الإدارة الأميركية.

كثيرون يستهولون الوضع الراهن في فلسطين ويظنون أن شارون هو الذي يمتلك زمام المبادرة، أو أنه يتبع إستراتيجية مدروسة ومن موقع مريح. ولكن التعمق في ما هو أبعد من الظاهر يبين أن الذي يمتلك زمام المبادرة الآن هو الجانب الفلسطيني من زاويتين: الأولى الاستمرار في الانتفاضة والمقاومة ومواجهة الاجتياحات، كما حدث في رفح مؤخرا، وقتل ثلاثة جنود إسرائيليين من خلال عملية اقتحام.

والثانية تتمثل في انتقال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) إلى التحدي ووضع أميركا أمام خيار تنفيذ الحرب الشاملة أو الاعتراف بياسر عرفات والعودة إلى مفاوضته شخصيا، أي فرض التراجع عن قرار تحويله إلى مجرد رمز بلا نفوذ أو سلطة أو قرار. ويدل على ذلك سرعة قبوله لاستقالة حكومة محمود عباس (أبو مازن) والإعلان عن رئيس وزراء اختاره عرفات.

وراحت مركزية (فتح) تعين الوزراء كذلك، الأمر الذي يعني الانتقال إلى المبادرة بعد سلسلة التراجعات التي تمثلت بقبول استحداث منصب رئيس للوزراء وإعطائه صلاحيات على حساب صلاحيات الرئيس، وتعيين وزراء رغما عن إرادته، والأخطر ابتلاع عقد قمتي شرم الشيخ والعقبة من دون عرفات.

أما تفسير هذا التحول إلى المبادرة فمرده إلى ذهاب الوهم بأن العاصفة الأميركية الجامحة هبت على المنطقة بعد حرب العراق واحتلاله مما دفع إلى تقديم كل التراجعات.

ولكن سرعان ما تبين أن أميركا تورطت في العراق ولم تتساقط الدول الأخرى كأحجار "الدومينو"، وتبين أن الخلاف على مستوى الدول الكبرى استمر، ولم تحدث العودة الفرنسية والألمانية والروسية والصينية إلى بيت الطاعة الأميركي.

ثم تبدى ما أظهره الشعب الفلسطيني من صمود ووحدة موقف، وما أبدته قيادات المقاومة أمام التهديد بالاغتيال من شجاعة واستعداد للتضحية، فهذه العوامل مجتمعة أقنعت كلا من ياسر عرفات وفتح بوضع حد للتراجع بل الانتقال إلى المبادرة.

هذه المعادلة الجديدة فلسطينيا وما جسدته من مأزق إسرائيلي أميركي -وضعت شارون وبوش أمام خيار التفجير الشامل أو التراجع والقبول بنوع من الهزيمة- هي التي تفسر قرار الاتحاد الأوروبي، إلى جانب أسباب أخرى، بإدراج الجناح السياسي لحماس في قائمة الإرهاب.

وأخيرا وليس آخرا، تقديم مشروع القرار الذي أقرته الجمعية العامة في 23 - 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2003، في محاولة لتدارك تدهور الوضع.


مد يد العون الروسية الأوروبية الصينية لأميركا يتطلب أن تقدم إدارة بوش تنازلات مقابلة وإحداث بعض التراجع في فلسطين والعراق
وإذا أضفنا إلى هذا التحول اتفاق مجلس الأمن على القرار المتعلق بالعراق، والتعاون لإنجاح مؤتمر مدريد، فإن التفسير يجب أن يقرأ -رغم استمرار الخلاف حتى على القرار نفسه والسياسة الأميركية في العراق- من خلال الخوف من هزيمة أميركية، أو تفاقم المأزق إلى حد يولد وضعا لا تحمد عقباه.

وهذا ما قصده الرئيس الفرنسي جاك شيراك حين اعتبر قرار مجلس الأمن المذكور رسالة إلى من يهمه الأمر "بأن المجلس موحد"، وهو ما عناه هنري كيسنجر إذ رصع مقالته بالعنوان "هزيمة أميركا، هزيمة للغرب".

لنتصور كم هي مفارقة أن يتحدث كيسنجر عن هزيمة ويشير شيراك إلى ضرورة ظهور مجلس الأمن موحدا من جهة، وبين الذين صوروا من جهة ثانية أن الوضع في فلسطين وفي العراق وفي العالم تحت سيطرة أميركا. الأمر الذي يفترض بأن تقرأ المعادلة الراهنة في فلسطين رغم ما تحمله من أخطار على النقيض من اعتبارها في مصلحة بوش وشارون، هذا إذا لم تعتبر في مصلحة الشعب الفلسطيني.

كما يفترض أن تقرأ معادلة الوفاق رغم الخلاف بمجلس الأمن في غير مصلحة أميركا في العراق كذلك.

على أن مد يد العون الروسية الأوروبية الصينية لأميركا يتطلب أن تقدم إدارة بوش تنازلات مقابلة، وإحداث بعض التراجع في فلسطين والعراق. وهو ما لا يستطيعه التطرف، أو على الأقل سيقاومه فريق ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي ودونالد رمسفيلد وزير الدفاع. لأن الإدارة الأميركية "السعيدة" الآن بهذا المتغير الجزئي والمشروط ضمنا، عساه يخفف من مأزقها، مترددة للغاية في دفع استحقاقاته.

ومن ثم فلينتظر العالم عموما، ومنطقتنا خصوصا، مرحلة حبلى بالمفاجآت وبكثير من الغموض والاضطراب واللايقين، وربما المغامرات العسكرية، ما دام شارون في السلطة، وما استمر الفريق الليكودي في الإدارة الأميركية مؤثرا في قرار الرئيس جورج دبليو بوش.
ــــــــــــــــــ
* كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف