بقلم: عبد الله العمادي*

- عوامل معوقة
- هل الحكومات جادة؟

يمكن القول إن ما تشهده منطقة الخليج منذ سنة ونصف تقريبا من ضجة إعلامية أثارها البعض وما زال يثيرها في كل من الكويت والدوحة والمنامة بخصوص المرأة وحقها في الممارسة السياسية من انتخاب وترشيح لمجالس بلدية أو برلمانات أو ممارسة العمل السياسي بشكل عام، قد دخل في مرحلة من التهويل والمبالغة لن يفيد أحدا بمن فيهم أولئك المدافعون عن هذه الرؤية.

ولتوضيح وجهة نظرنا هذه يمكن الإشارة إلى تصريحين صدرا في الكويت إبان بحث مجلس الأمة الكويتي المنتخب مرسوما أميريا يقضي بإعطاء المرأة بعضا من حقوقها السياسية، فقد اعتبر الدكتور أحمد الربعي وهو وزير سابق للتعليم "أننا يجب أن نتوقع رد فعل سلبيا من برلمانات العالم أجمع، حال لم تتم الموافقة على المرسوم الأميري الخاص بإعطاء المرأة الكويتية الحق في الممارسة السياسية كما الرجل الكويتي". أما رئيس تحرير صحيفة القبس السابق محمد جاسم الصقر فقد اعتبر أن رفض المرسوم سيكون الأكثر ضررا للكويت في تاريخها بعد كارثة الاحتلال العراقي.

وعلى هامش هذا التهويل غدا الشارع الكويتي مشغولا إلى درجة كبيرة بحق المرأة في العمل السياسي، وغدا النقاش يتمحور حول ما إذا كان يجب على مجلس الأمة أن يتدخل في الموضوع أم لا، ولماذا يتدخل؟ وهكذا انقسم الرأي العام الكويتي في ذلك الوقت بين مؤيد ومعارض لهذا المرسوم الذي كان واحدا من 63 مرسوما أميريا صدرت في فترة حل مجلس الأمة السابق قبل عامين، لكن تلك المراسيم مرت بهدوء دون أن ينشغل بها الشارع ولا حتى القوى السياسية تحت ستار كثيف من الصراع على حقوق النساء السياسية.

وفي الدوحة أثار البعض ضجة -وإن كانت أقل من تلك التي كانت بالكويت- حين خذلت صناديق الاقتراع المرأة القطرية في انتخابات المجلس البلدي المركزي عام 1999 ولم تفز أي من المرشحات الست اللائي رشحن أنفسهن لعضوية أول مجلس بلدي منتخب في قطر. وثار البعض الذي يريد أن يثبت أنه مدافع عن حقوق المرأة ووصف ما حصل للمرأة القطرية في تلك الانتخابات بأنه دليل على عدم نضج ووعي المجتمع بأهمية مشاركة المرأة في أي عمل وطني!

بحرينية تشارك في الاستفتاء على الميثاق الوطني (أرشيف)
وفي المنامة تكررت المشاهد نفسها قبل أسبوعين من الآن حينما خذلت مرة أخرى صناديق الاقتراع المرأة في الخليج فجاءت نتائج انتخابات المجالس البلدية مخيبة لآمال الكثيرين من الذين ظنوا أن فرص الفوز أمام البحرينية في هذه الانتخابات كبيرة إذا قورنت بأختها القطرية بالنظر إلى المرحلة المتقدمة التي وصلتها المرأة البحرينية في مشاركة الرجل البحريني في كثير من المجالات. بل وتوقع المراقبون أن تفوز أعداد كبيرة من المرشحات التي بلغ عددهن 31 مرشحة، فإذا النتائج تفاجئ الجميع وخصوصا النساء إذ لم تفز أي مرشحة مما شكل صدمة كبيرة لهن ولمن كان يراقب الوضع فضلا عن أنصار ومؤيدي دخول المرأة معترك الحياة البرلمانية السياسية بشكل عام.

هذه الصدمة أثارت كثيرين في المنامة وبصورة أكثر حدة من تلك التي ظهرت في الكويت أو الدوحة، وصارت الاتهامات في وسائل الإعلام البحرينية موجهة للكتل الإسلامية بصورة واضحة بأنها وراء فشل المرأة في الفوز بمقاعد المجالس البلدية في الدورة الأولى من الانتخابات، هكذا حصل تقريبا.

غير أنه ليس المهم الآن ردود الأفعال التي صاحبت التجارب الانتخابية ومشاريع دخول المرأة الخليجية في العمل السياسي بقدر الأهمية الكامنة في مسألة عدم قدرة المرأة الخليجية على كسب ثقة الشارع في نيل الأصوات اللازمة للفوز بمقعد في أي مجلس أو برلمان. فلماذا لم تنجح المرأة في الكويت والدوحة والمنامة في كسب ثقة الناخب؟ وهل بمقدورها ذلك ومتى إن كان الجواب بالإيجاب؟.

عوامل معوقة

هنالك عوامل عدة تفرض نفسها على واقع المرأة الخليجية أو المجتمع الخليجي بالأصح تجعل من موضوع مشاركة المرأة الرجل في مجالات معينة غاية في الصعوبة لفترة قادمة حتى لو كانت قصيرة تعد بالسنوات، والتي أحسب أنها لن تتجاوز عشر سنوات بأي حال من الأحوال.. فالنسبة الغالبة في المجتمع الخليجي من الرجال والنساء غير مقتنعة بأهمية دور المرأة في بعض المجالات والقطاعات في المجتمع أبرزها قضية الانتخابات والعمل السياسي أو حتى البلدي.. انطلاقا من فلسفة معينة مفادها أن طبيعة المرأة الفسيولوجية ربما لا تؤهلها للعمل السياسي والبلدي على وجه خاص باعتباره عملا يحتاج لمتابعات وجهد ووقت لا تجدهما المرأة بشكل عام.

عامل آخر لا يساعد المرأة في الخليج على كسب أصوات الناخبين في أي انتخابات هو وجود كم ونوع وافر من الرجال أصحاب الكفاءات والمؤهلات والقدرة في المجتمع الذين لا يجدون فرصة لتجسيد إبداعاتهم وقدراتهم إلا بصعوبة بالغة، فكيف والحال هكذا يبادر المجتمع ويتوجه للمرأة في وجود الأكفاء من الرجال؟ ولعل هذه النظرة أو الفكرة مترسخة في أذهان نساء المجتمع أكثر من رجاله، وبالتالي صار واضحا في أي انتخابات تقام بالخليج أن سقوط المرأة سببه المرأة نفسها وليس الرجل!


فالمجتمع الخليجي رغم التطور الهائل الحاصل فيه والتمدن المتسارع في جميع أرجائه تعمل القبلية عملها وتؤثر في مناحي النشاط المختلفة فيه
عامل ثالث مهم لا يمكن إغفاله أبدا هو العامل القبلي، فالمجتمع الخليجي رغم التطور الهائل الحاصل فيه والتمدن المتسارع في جميع أرجائه، تعمل القبلية عملها وتؤثر في مناحي النشاط المختلفة فيه. فالعامل القبلي يفرض نفسه في المسائل التي تتسم بطابع المنافسات والتحدي كالانتخابات مثلا والتي يتم تقسيم مناطق البلاد فيها إلى دوائر ومناطق. ومن الطبيعي جدا أن تتحرك بعض الموروثات القديمة المتعلقة بمسائل الرجولة والسيطرة والقوة، فلا يمكن أن ترضى قبيلة من القبائل أن تمثلها امرأة في الانتخابات فضلا على أنها لا يمكن أن تدعو إلى التصويت لأي امرأة تنافس رجالا في دائرة يعيش بها كثيرون من قبيلة معينة أو عدة قبائل.

عامل آخر يجب عدم إغفاله كذلك هو اليقين شبه التام عند الكثير من النساء الناخبات أن الرجال أفضل من يقوم بالعمل السياسي أو البلدي على وجه أخص، وأن النساء لا يقدرن على ذلك مهما كن نابغات ومتفوقات وذوات كفاءة، فتجد في انتخابات الخليج أن أكثر من يصوت للرجال هم النساء، في حين تجد أن نسبة من الرجال تفعل العكس وتصوت للنساء.

هل الحكومات جادة؟


إذا أرادت حكومات الخليج أن تفرض للمرأة وجودا في الحياة السياسية فليس من طريقة في الوقت الحاضر سوى نظام "الكوتا" أو التعيين، وإلا فإن المرأة في المنطقة بحاجة لمدة طويلة حتى تفرض نفسها وتكسب ثقة الناخب

مما سبق تبدو فرص دخول المرأة في الحياة السياسية بالخليج ضعيفة مهما دعمتها الحكومات، ففي التجربة الديمقراطية لا يمكن الحصول على نتائج ترضي الجميع، فالحكومات وغالبيتها تعلن عن ترحيبها بدور أكبر للمرأة الخليجية عجزت على ما يبدو عن تمرير قناعاتها المعلنة بشأن هذه المسألة عبر صناديق الاقتراع، ولم يبق أمامها على ما يبدو إلا فرض تلك الرؤى في الوقت الحاضر عبر نظام "الكوتا" أو التعيين، وإلا فإن المرأة في المنطقة بحاجة لمدة طويلة حتى تفرض نفسها وتكسب ثقة الناخب.

ولا يبدو هذا الأمر رغم الخصوصيات الاجتماعية والثقافية حكرا على العرب عامة والخليجيين خاصة، فحتى في النظم الديمقراطية الراسخة والقوية التي تعد قبلة أنظار المنادين بالديمقراطية مثل أوروبا وأميركا ما زال الرجل هو صاحب السيطرة في تلك النظم ومؤسساتها المنتخبة والمعينة على حد سواء.

ولكن قبل أن نقول هذه هي الديمقراطية نقول هذه هي طبيعة البشر الحقيقية، ذكر وأنثى، قوة وضعف، بأس وحنان، وقوامة فطرية في الرجل لا يمكن أن تتغير، وإن تغيرت فهي نادرة وضرب من الشذوذ الذي يرسخ القاعدة ولا يلغيها.

_______________
*كاتب وصحفي قطري

المصدر : غير معروف