بقلم/ إبراهيم غرايبة*

-مجتمعات أهلية ضعيفة
-غياب الجماهير والمجتمعات الأهلية
-المجتمعات الأهلية باقية ويمكن أن تفعل شيئا
-العشائر العربية مؤسسة أهلية فاعلة
-أحزاب بائسة ومعزولة وجماعات أهلية فاعلة
-المجتمعات الأهلية ضرورة للدول والأمم

مجتمعات أهلية ضعيفة

أثبتت الحرب الأميركية لغزو العراق أن المجتمعات الأهلية تؤدي دورا في الدفاع والبناء والتنمية والتماسك والصمود لا يقل عن دور الجيوش والأجهزة الأمنية والاستخبارية والتقنيات العسكرية، بل إن هذه الجيوش والمدرعات لا تساوي شيئا دون مجتمع أهلي فاعل ومواز لأجهزة الدولة، وقد أثبتت الدول والأنظمة السياسية بأنها تجني على نفسها أولا عندما تضعف المجتمعات الأهلية وتتجاهلها وتهمشها.


تبدو الجماهير العربية في حراكها ومواقفها وكأنها غير متفاعلة مع ما يدور حولها من قضايا تهمها مباشرة مثل قضيتي فلسطين والعراق، ورغم موجة التدين والتعليم والفضائيات والمعلوماتية والاتصال التي يفترض أن تفعّل العمل الجماهيري فإن تحركها يبدو محدودا ومخالفا لموقفها وقناعاتها
وكان الدرس الأول من الحرب الأميركية على العراق أن ما يحمي المجتمعات والدول والأنظمة السياسية والحكومات هو التماسك الداخلي وقوة المجتمعات المدنية والأهلية والمؤسسات المحلية، وشبكة الحكم والعلاقات الاجتماعية والمهنية والروابط والاتصالات غير الرسمية، والمشروعات الإنتاجية والاقتصادية الصغيرة المتكاملة والمبنية على الاحتياجات الأساسية وتفعيل الموارد المتاحة والممكنة والتي تمكن الناس من تدبير معاشهم واحتياجاتهم وإدارة شؤونهم دون موارد إضافية أو تعقيدات مؤسسية وبيروقراطية وتنظيمية.

فعندما وجد العراق نفسه فجأة دون حكومة كان يفتقد أيضا مؤسسات المجتمع الأهلي من جمعيات وأحزاب وتنظيمات ومؤسسات غير حكومية، وحدث فرغ كبير مفزع، وربما لو كان في العراق جمعيات وروابط ومؤسسات غير حكومية لأمكن تلافي جزء كبير من الكوارث التي وقعت بعد سقوط الحكومة.

وفي المقابل فإن القوة العراقية الجرارة والتفوق العسكري والعددي للعراق لم يخترق التماسك الأهلي الكويتي عام 1990 عندما احتل العراق الكويت فلم تستطع الحكومة العراقية تجنيد أحد من الكويتيين لتأييدها في احتلال الكويت أو الانضمام إلى العراق، فقد كان الكويتيون رغم كل الاختلافات الفكرية والمذهبية والسياسية بينهم تجمعهم كلهم فكرة مقاومة الاحتلال العراقي والإصرار على الاستقلال، وهي فكرة عززها المجتمع الأهلي الكويتي وليس الدولة الكويتية ولا جيوشها وإمكانياتها الحربية.

وكانت العشائر العراقية المؤسسة الوحيدة المتبقية من المجتمعات الأهلية خط الدفاع الذي لجأ إليه العراقيون لتنظيم وحماية أنفسهم، وقدمت بدائل لتوفير الأمن والنظام والتماسك الداخلي والاجتماعي والسياسي.

غياب الجماهير والمجتمعات الأهلية

تبدو الجماهير العربية في حراكها ومواقفها وكأنها غير متفاعلة مع ما يدور حولها من قضايا تهمها مباشرة مثل قضيتي فلسطين والعراق، ورغم موجة التدين والتعليم والفضائيات والمعلوماتية والاتصال التي يفترض أن تفعل العمل الجماهيري فإن تحركها يبدو محدودا ومخالفا لموقفها وقناعاتها.


تسلطت الدولة على المجتمعات الأهلية والمدنية التقليدية منها والمؤسسية الحديثة حتى أصبحت ضعيفة ومحدودة الإمكانات ولم تعد قادرة على استيعاب المجتمعات والناس وتعبئتهم وتلبية مطالبهم واحتياجاتهم
وقد يرد ذلك إلى أسباب افتراضية عدة لعلها صحيحة أو يكون بعضها صحيحا، فالحالة الديمقراطية العربية على درجة من الضعف والهشاشة لا تتيح مجالا للتحرك والتعبير والمعارضة، وفي الوقت نفسه فإن أجهزة الحكم الأمنية والتسلطية والإعلامية على درجة من القوة والبطش والإرهاب والمؤسسية والعبقرية تفوق بأضعاف كثيرة قدرة الجماعات الأهلية والجماهير على المواجهة.

وقد كشفت نهايات القرن العشرين عن إفلاس الحركات والقوى والقيادات والنخب والأحزاب السياسية وفسادها وعجزها وتخلفها عن طموحات واحتياجات العمل العام والجماهيري، ولم تعد الجماهير ترى حركة أو قيادة سياسية جديرة بثقتها وتستعد للعمل وراءها، ففقدت الجماهير بوصلتها ووقعت في حيرة وتيه بين حكومات متسلطة وفاسدة وحركات سياسية عاجزة وفاسدة أيضا.

وتسلطت الدولة على المجتمعات الأهلية والمدنية التقليدية منها والمؤسسية الحديثة حتى أصبحت ضعيفة ومحدودة الإمكانات ولم تعد قادرة على استيعاب المجتمعات والناس وتعبئتهم وتلبية مطالبهم واحتياجاتهم، واحتكرت الدولة كل شيء تقريبا من المال والوظائف والثقافة والمؤسسات والسجون والإعلام والتنمية والتخطيط والتشريع والقضاء والبلديات والنقابات في عمليات تأميم شمولية لا تضاهيها الاشتراكيات السابقة ولا الإمبراطوريات البائدة. وأما الخصخصة فقد كانت عمليات تحالف بين النخب الحاكمة وشركات ورؤوس أموال ونخب اقتصادية وتجارية أجنبية أو محلية أكثر فسادا من الحكومات، وزادت الحصار والتضييق على الناس كل الناس، وجعلت المجتمعات مقسومة بين أقلية غنية مدللة ومعزولة غير معنية بقضايا عامة وأغلبية فقيرة مسحوقة، وتلاشت الطبقة الوسطى التي كانت العمود الفقري للعمل العام والسياسي والنقابي والثقافي والتطوعي بل ومصدر التبرعات والتمويل للعمل العام غير الحكومي.

وكان ضعف العرب في قوتهم المتأتية من الوحدة اللغوية والثقافية والقومية والدينية، فقد جعلت هذه الحالة من الدول العربية مستقرة بطبيعتها ولم تجد الحكومات حاجة للديمقراطية كقاسم مشترك بين جميع الفئات وفكرة جامعة للفرقاء كما في تركيا مثلا أو باكستان أو إيران أو إندونيسيا أو الهند أو ماليزيا بل ومعظم دول العالم حيث تتجمع شعوب وقوميات ولغات وأديان مختلفة لا يحميها من الصراع والانهيار سوى الديمقراطية والتعددية، فالأتراك لا يكادون يبلغون نصف السكان في تركيا وكذلك الفرس في إيران والمالاويون في ماليزيا والجاويون في إندونيسيا والهندوس في الهند والإنجليز في الولايات المتحدة.

المجتمعات الأهلية باقية ويمكن أن تفعل شيئا


تكشف الانتخابات النيابية التي تجرى في دول عربية عدة مثل مصر والأردن والمغرب واليمن والجزائر أن الأحزاب السياسية العربية عدا الأحزاب المغربية تعاني من ضعف وهشاشة ذاتية يصعب ردها إلى السياسات الحكومية
الكويت
عندما وقع الاحتلال العراقي للكويت عام 1990 تولت الجمعيات التعاونية والجمعيات الخيرية والتنظيمات السياسية والاجتماعية التي كانت قائمة قبل الاحتلال عبء توفير الاحتياجات الأساسية وإعادة تنظيم المجتمع وفق احتياجاته وأولوياته الجديدة، وأمكن للمجتمع الأهلي القائم وإن كان ضعيفا نسبيا أن يدبر أمور الناس في غياب الحكومة المركزية واختفاء الدولة في الكويت، ولم تستطع الحكومة العراقية تجنيد أحد من الكويتيين لتأييدها في احتلال الكويت أو الوحدة مع العراق، فقد كان الكويتيون رغم كل الاختلافات الفكرية والمذهبية والسياسية بينهم تجمعهم كلهم فكرة مقاومة الاحتلال العراقي والإصرار على الاستقلال.

فلسطين
وفي فلسطين كان الفلسطينيون يدبرون معاشهم وتعليمهم واحتياجاتهم منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، واستطاعوا تحقيق مستوى من التعليم والتنمية والنشاط الاقتصادي والعمل الثقافي والاجتماعي لا يقل عن مستوى الدول العربية المتقدمة نسبيا مثل الأردن وسوريا ولبنان ومصر، وعندما قامت السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 لم تبدأ في عملها من الصفر بل واصلت عمل الجامعات والمدارس والمؤسسات والمرافق والخدمات والبلديات.

لبنان
بقدر ما تقدمه التجربة اللبنانية من انطباع عن التفتت والحرب الأهلية لدرجة أن عبارة اللبننة تطلق على التقسيم والتنازع الداخلي، فإن التجربة اللبنانية انطوت على دروس مهمة للمجتمعات الأهلية والدول العربية، فقد حافظ اللبنانيون على الديمقراطية والانتخابات ونشاطهم الاقتصادي والاجتماعي والعام، وتواصلت تقاليد الحكم والحريات، والعمل الاقتصادي والتجاري المميز في لبنان والذي يمتد في تقاليد المجتمع اللبناني إلى آلاف السنين، فالفينيقيون هم الذين اخترعوا التجارة والمقايضة وأول من سافر في البحر بعيدا لأغراض التجارة حتى وصلوا القارة الأميركية في القرن الخامس قبل الميلاد، وما زال الأدب الغربي يصف الذكاء التجاري والاقتصادي بالقول "العقل الفينيقي" وانظر على سبيل المثال رواية الكاتبة التشيلية إليزابيل الليندي "صورة عتيقة".

وبالطبع فقد كانت التجربة اللبنانية في مقاومة الاحتلال نموذجا عربيا، فقد قدم اللبنانيون أهم مثال على إمكانية طرد محتل متسلح بقوة عسكرية هائلة ودعم دولي غير محدود بإمكانيات أهلية متواضعة ومحدودة قياسا للاحتلال الإسرائيلي وظروف دولية وإقليمية لا تشجع كثيرا على المقاومة والتحرر.

العشائر العربية مؤسسة أهلية فاعلة


الجماعة السياسية بنية لها دورها السياسي الذي تقوم به في كل الحالات، فهي كيان يمارس السياسة العامة الاجتماعية والشرعية، ويتمحور هدفها الأساسي في القدرة على التأثير في التوجه العام للأمة والدولة والحكم
أثبتت العشيرة العربية أنها أكثر المؤسسات الأهلية العربية قدرة على المبادرة والتكيف والاستجابة للمتغيرات والاحتياجات السياسية والاجتماعية، وظهرت كتنظيمات قوية تتفوق على الأحزاب، ويمكن ملاحظة ذلك في الأردن في مواقف وشواهد كثيرة مثل الانتخابات البلدية والنيابية إضافة بالطبع إلى المناسبات الاجتماعية والمشكلات والنزاعات.

ولم تكن العشائر جامدة إلا في المواقف التي حدث فيها تجاهل لها وإهمال متراكم جعلها تتوقف في مرحلة ماضية ولم تتجاوزها، ففي الترشيح للانتخابات كان معظم مرشحيها من حملة أعلى الشهادات وذوي الخبرات المهنية والسياسية الطويلة ولم يعد ثمة زعامة تقليدية تحتكر القرار والترشيح.

والجمود الملاحظ في بعض العادات والتقاليد ليس طابعا ثابتا في العشائر، فلو أخذت الثقافة السائدة بالاعتبار وجرى تطويرها ومشاركة أصحابها في مواجهة المشكلات والقضايا والتفكير فيها لأمكن بناء ثقافة وطنية ومحلية ذات فاعلية وأثر تقدمي ربما يتفوق على الجهود الليبرالية الرسمية، ويمكن ملاحظة ذلك على سبيل المثال في تعليم البنات وعملهن، فما يلاحظ اليوم من انتشار التعليم الجامعي في الأرياف والبوادي والعمل بعيدا عن الأهل والسفر للتعليم والعمل في أوساط محافظة جدا هو في حقيقته حراك ثقافي طبيعي توصلت إليه المجتمعات المحلية بمشاركة وتفاهم مع المؤسسات الرسمية ولم يكن بفعل جهود تحديثية قسرية أو معزولة وفوقية، وإلا فلماذا لم تنجح محاولات وأفكار تحديثية أخرى؟

أحزاب بائسة ومعزولة وجماعات أهلية فاعلة

تكشف الانتخابات النيابية التي تجري في دول عربية عدة مثل مصر والأردن والمغرب واليمن والجزائر أن الأحزاب السياسية العربية عدا الأحزاب المغربية تعاني من ضعف وهشاشة ذاتية يصعب ردها إلى السياسات الحكومية، فقد أتيحت الفرصة للأحزاب السياسية من أجل المشاركة في الانتخابات النيابية مرات عدة ولم تتمكن من تحقيق نجاح يذكر في الانتخابات النيابية.

وربما تكون دراسة الدكتور رفيق حبيب عن المجتمعات العربية "الأمة والدولة" من أفضل الرؤى والتحليلات لهذه الظاهرة التي يرى أنها تدفع إلى التساؤل عن مدى ملاءمة الفكرة الحزبية ومدى فاعليتها في بلورة روح الأمة وتحريك إمكاناتها، فالأحزاب بمعنى أنها مؤسسات سياسية تعمل في المجال السياسي تتحرك في مجال تخصصي وليس جماهيريا يحرك الناس ويدعوهم إلى تأييد الحزب ومناصرته، وما يجمع الناس هو المؤسسات الاجتماعية السياسية التي تقوم بدور اجتماعي سياسي من أجل توجيه السياسة المعبرة عن الأمة في قيمها وعقائدها وتوجيه السياسات الرسمية ذات الأثر الاجتماعي والديني في الاتجاه الذي يعبر عن رأي الشارع.


يشير الواقع الاجتماعي الراهن وكذلك الوضع في الماضي إلى أن الميل السائد لدى عامة الناس لا يدفع أغلبهم إلى العمل السياسي، ولذلك فإن الجماعات غير السياسية سوف تستحوذ على أغلبية الناس
وثمة فرق أساسي ومهم بين الحزب والجماعة، فالحزب مؤسسة سياسية تسعى للوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه أو معارضة الحكومة القائمة ليكون بديلا عنها، ويقدم نفسه بالشكل الذي يقنع الناخبين لانتخابه في المرة التالية، فالحزب لا يوجد بمعزل عن محاولة الوصول إلى الحكم، ويتجدد وجود الحزب واستمراره بقدرته على البقاء بديلا يمكنه الوصول إلى الحكم.

وأما الجماعة السياسية فهي بنية لها دورها السياسي الذي تقوم به في كل الحالات، فهي كيان يمارس السياسة العامة الاجتماعية والشرعية، ويتمحور هدفها الأساسي في القدرة على التأثير في التوجه العام للأمة والدولة والحكم، وهي بذلك نموذج حياتي تمارسه أولا وتدعو الناس إليه ثانيا ثم تنادي المؤسسات المعنية بتحقيقه.

وقد كشف التطبيق العملي عن أوجه قصور للتجربة الحزبية في البلدان العربية، فقد عجزت الأحزاب عن استيعاب حركة الشارع السياسي، وتأكد أن الأسس التي يتم عليها الانتخاب ليس من بينها الأساس الحزبي، فقد احتلت جماعة الإخوان المسلمين -وهي الجماعة السياسية الشاملة الوحيدة في الوطن العربي- والعائلات والقبائل والكيانات الجغرافية الجماعية مركزا مهما في التأثير في العملية الانتخابية.

وكان التميز الأساسي لأداء جماعة الإخوان المسلمين ينبع -في جانب منه- من كونها كيانا جماعيا يجمع بين الانتماء الاجتماعي والدور السياسي. ورغم عدم اعتراف الدولة بالجماعة في مصر فإن أداءها كان متميزا، وعبر عن قدرة البناء الجماعي الذي يلعب دورا سياسيا.

ويشير الواقع الاجتماعي الراهن وكذلك الوضع في الماضي إلى أن الميل السائد لدى عامة الناس لا يدفع أغلبهم إلى العمل السياسي، ولذلك فإن الجماعات غير السياسية سوف تستحوذ على أغلبية الناس، وهذا التصور ينتج عنه تطوير لفكرة جماعات المصالح التي تعرفها النظم الغربية، ولكن عبر مفهوم تحل فيه فكرة الجماعة ذات العقيدة السياسية محل المصالح.

ويخلص حبيب إلى أن المشروع النهضوي يمكن أن ينجح إذا استلهم حركة الشارع العربي وآليات الفعل فيه من أجل الوصول إلى التصور السياسي والإطار التنظيمي القادر على استيعاب الحركة الجماهيرية التلقائية ووضعها في سياق يدفع نحو المزيد من الفاعلية السياسية، والخروج من القالب السياسي التحديثي الوافد الذي سيطر على مجمل المحاولات الإصلاحية السياسية التي تبنتها بعض النخب وسارت نحوها بدرجات محدودة بعض الأنظمة.

فالمحصلة النهائية للتجارب القائمة على المشروع الغربي السياسي كانت المزيد من السلبية السياسية، والمزيد من نزع السياسة عن الاجتماع البشري. والحل إنما يكون في تطوير البناءات الموروثة الفاعلة في حياة الناس وتطوير أشكال جديدة لها لتأتي معبرة عن نمط الحركة الجماهيرية وسيكون ذلك سببا لإعادة إحياء السياسة من جديد وسببا في تقوية الحراك الاجتماعي للنهوض.

المجتمعات الأهلية ضرورة للدول والأمم


تعد مشاركة المجتمعات المحلية من الوسائل الفعالة في خفض النفقات على التنمية، وزيادة فاعلية الناس
إعادة بناء المجتمعات وتنظيمها وفق الاحتياجات الأساسية هو أيضا مطلب تقتضيه التوجهات العالمية نحو الخصخصة وتقليل دور الحكومات والدول في تقديم الخدمات وتوفير احتياجات الناس، وقد أكدت ذلك المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي، وتشجع هذه المؤسسات وترعى مشاريع الحكم المحلي وإسناد أدوار كثيرة ومهمة للبلديات والمحافظات كانت تتولاها الدولة مثل الأمن والمحاكم الأولية والتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية وتمكين المجتمعات والعائلات ومعونة الفقراء والمحرومين والاقتصاد التعاوني.

ويمكن للدول والمجتمعات بإسنادها دورا كبيرا للمجتمعات المدنية والبلديات والنقابات والاتحادات المهنية والعمالية أيضا أن تقلل من النفقات وتفعل الموارد وتعيد توزيع الإنفاق العام لتوجيهها نحو الفئات الأكثر احتياجا ونحو القضايا والاحتياجات الأكثر أهمية وإلحاحا.

ويعرض تقرير البنك الدولي تجارب وأفكار يعتبرها ناجحة وملائمة للتطبيق في العمل الأهلي والمجتمعي في الإدارة والتجارة والتنمية تخفف من التكاليف وتقلل من مخاطر الخصخصة ووحشيتها.. فيستخدم صغار التجار في بلدان كثيرة آليات غير رسمية لحل نزاعاتهم، ويعقد رجال البنوك في اليابان صفقاتهم بالمصافحة باليد أكثر منها بالعقود القانونية، وتعتبر النظم الاجتماعية غير الرسمية حاسمة وبخاصة للفقراء في تحصيل الحقوق والفرص.

وتشكل هذه الأنظمة ثقافة تؤثر بوضوح في السوق والاقتصاد مثل دفع الضرائب أو التهرب منها، فالتزام الناس بأداء الحقوق باعتبارها دينا واجب السداد لتكليف ديني أو ثقافة اجتماعية يقلل كثيرا من أعباء النزاعات والإدارة ويقلل من الهدر، ويجعل التهرب من أداء الضريبة أو الدين عيبا وانحرافا اجتماعيا يؤثر في سمعة الإنسان وموقفه الاجتماعي، ويمكن تطوير ذلك على نحو مؤسسي عندما تتعاون المؤسسات في تبادل المعلومات إزاء من يتهرب من دفع التزاماته. ويحدث العكس أيضا عندما تنشأ ثقافة تشجع على الفساد والمحسوبية والتهرب من الواجبات الضريبية والعامة.

وتكون الثقافة أحيانا بديلا فعالا للمؤسسات الرسمية وبخاصة في الدول الفقيرة أو المجتمعات البعيدة والمعزولة، ولكنها فعالة أيضا ومستخدمة في أبراج الشركات التجارية الكبرى.

وتعد مشاركة المجتمعات المحلية من الوسائل الفعالة في خفض النفقات على التنمية وزيادة فاعلية الناس، وقد كانت قبل قيام الدولة الحديثة من أهم وسائل الناس في تدبير احتياجاتهم، ثم ألغت الدولة هذا الدور وتولت هي كل شيء، ثم عجزت عن أداء مهماتها واتجهت إلى خصخصة الخدمات، وهو ما يجعلها غير متاحة للفقراء في المدن العامرة.

وقد طبقت دول عدة أسلوب الإدارة المجتمعية أي إشراك المجتمعات المحلية في إدارة البرامج وأنظمة الخدمات كالتعليم والصحة والموارد، ومن التجارب التي درست في هذا المجال تجربة دولة نيكاراغوا في المشاركة المحلية في نظام التعليم.


أدت التجارب القائمة على المشروع الغربي السياسي إلى المزيد من السلبية السياسية والمزيد من نزع السياسة عن الاجتماع البشري، والحل إنما يكون في تطوير البناءات الموروثة الفاعلة في حياة الناس
ولوحظ تحسن في مستوى التعليم وخفض للنفقات، وتشير التجارب إلى إمكانية درجة مشاركة الأسر في التعليم عبر التمويل العام.. ويمكن أن تؤدي مشاركة المجتمع المحلي إلى زيادة الشعور بالملكية والقدرة على الاستمرار إذا قامت المجتمعات باختيارات مدروسة.

وطبقت في الهند تجربة الإدارة المشتركة للغابات في ولاية أندرابراديش، وبدأت التجربة في العام 1992، وفي العام 1999 كانت خمسة آلاف منظمة قروية تشارك في إدارة 1.2 مليون هكتار من الغابات، وأمكن صيانة الغابات وتنميتها ووقف الرعي الجائر وتهريب الخشب ومنعت التعديات على الغابات وتحسن مستوى التربة والمياه الجوفية وزاد الإنتاج الزراعي وازدهرت النباتات والحيوانات التي تعيش في الغابات وتناقصت الهجرة من المنطقة وحصلت المنظمات على إيرادات من الغابات كالمنتجات غير الخشبية وحصاد الخيزران.

_______________
*كاتب وباحث أردني

المصدر : الجزيرة