بقلم/ علي صبري

-الأمة الكردية
-المواطنة بالتراضي
-الفدرالية وليس الانفصال
-ضغوط الواقع
-دعوة للتقارب

أثارت مطالبة ممثلي الأكراد في مجلس الحكم الانتقالي بتطبيق النظام الفدرالي في العراق الجديد سخطا شديدا في العالم العربي، واعتبرته الغالبية العربية مطلبا غير مشروع، وينطوي على عمالة للغزو الأجنبي للمنطقة وتوجيه طعنة لظهر الأمة, ويتداول معظم المتابعين للشأن العراقي هذه القناعة كحقيقة مسلمة، ويعتبرون انفصال كردستان عن العراق خطوة منطقية وطبيعية إذا ما حصل الأكراد على الفدرالية.

إلا أن هذه النظرة المتعجلة تبتعد كثيرا عن مقتضى العدل والإنصاف في قراءة الحالة الكردية ومحركاتها، فنحتاج إلى مناقشة الحق المجرد للأكراد في إقامة دولتهم المستقلة، والنظر في ما إذا كان الأكراد يسعون اليوم بالفعل إلى الانفصال أم أن هناك خلطا بين الفدرالية والانفصال؟.

الأمة الكردية


بمنطق تشكيل الأمم والدول فإن للأكراد الحق الطبيعي في تأسيس دولتهم, إلا أن الاستعمار الذي امتن مبضعه السياسي على قبائل وعوائل في المنطقة بحدود دولة معترف بها منع الأكراد هذا الحق
بداية ينبغي الاعتراف بأن الأكراد بعمومهم يمتلكون مقومات أمة متمايزة عن الأمم المحيطة بها العربية والفارسية والتركية، فهم يملكون لغة خاصة عريقة وتسبق مثيلاتها في المنطقة، ولهم ثقافتهم وإرثهم التاريخي الخاص بهم، ويستوطنون أرضا واسعة حكرا عليهم أو يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان هذه المنطقة الممتدة على جغرافية خمس دول بفضل الاستعمار.

وبحكم منطق تشكيل الأمم والدول فإن للأكراد الحق الطبيعي في تأسيس دولتهم الخاصة بهم، إلا أن الاستعمار الذي امتن مبضعه السياسي على قبائل وعوائل في المنطقة لا يزيد تعدادها عن عشرات الآلاف بحدود دولة معترف بها، هو ذاته الذي حرم أكثر من 30 مليون كردي من التمتع بهذا الحق، وفتت كيانهم المتماسك على خمس دول، كان العراق واحدا منها، ليأخذوا حكم الأقليات، والأقليات المضطهدة ثقافيا وسياسيا وحتى عسكريا إلى حد التعرض للإبادة.

وللأسف فإنه بات ينظر إلى الحدود الاستعمارية نظرة التقديس حتى في عيون القوميين والمطالبين بوحدة الشعوب العربية تحت لافتة القومية واللغة والجوامع المشتركة، باعتباره حقا طبيعيا على العرب تحقيقه، مانعين في الوقت نفسه هذا الحق عن القومية الكردية وهي التي سبقت في كيانيتها واستيطانها أرضها، القومية العربية التي امتدت على مدى خريطتها الحديثة لاحقا مع انتشار الإسلام. والعدالة تقضي ألا نكون ثنائيين في معاييرنا لحقوق الشعوب منحا ومنعا.

التذكير بهذه الحقيقة التي لا ينكرها غالبية رافضي ممارسات الأكراد السياسية وسعيهم للحكم الذاتي ضروري لفهم دواعي التحرك السياسي لدى الأكراد لتأمين استقلاليتهم بصورة أو بأخرى، إذ الحكم عليهم باعتبارهم جزءا أصيلا من الوطن العراقي والانطلاق من هذه النقطة لتفسير ممارساتهم يقود حتما إلى نتائج غير صحيحة، ويظهر الأكراد بمظهر طاعن وطنه في ظهره عمالة للأجنبي، وهذا فيه ظلم كبير.

الأكراد قاموا بثورتهم في الأربعينيات من القرن الماضي لاستعادة سيطرتهم على أرضهم التاريخية، وتفكيك الحدود التي فرضها الاستعمار عليهم، إلا أن مواقف قوى الغرب التي زرعت أزمة الأمة الكردية كما زرعت بين كل بلدين في المنطقة العربية أزمة حدود، وكذلك مواقف دول الجوار حالت دون تحقيق هذا الحلم، وبعد انهيار جمهورية مهاباد في كردستان إيران، وهي أول دولة كردية أعلنت استقلالها على يد القاضي محمد، وأبيدت في مهدها، بعدها تركز النضال الكردي في تركيا والعراق.

وبينما لم يفلح حزب العمال الكردستاني بتركيا في إنجاز ما أراد حتى اليوم، نجحت الأحزاب الكردية في شمال العراق في التمتع بإدارة ذاتيه شبه مستقلة لمناطقها عام 1991، تحت رعاية الولايات المتحدة، بعد أن عانت من سلسلة من حملات الإبادة والقمع من النظام السابق، الذي أتاح سقوطه للأكراد فرصة تاريخية قد لا يمن الزمان عليهم بمثلها، وهو ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم دون وصاية أو قهر من طرف خارجي، ولذلك سارعوا بإعلان مطلبهم بالفدرالية التي أقرها البرلمان الكردي الموحد كمطلب للشعب الكردي بأكمله.

المواطنة بالتراضي
ويحتج البعض بأن الأكراد في العراق أصبحوا جزءا من الوطن العراقي، وليس من حقهم الإضرار بمصلحة العراق العليا لتحقيق مصالحهم الضيقة، وردا على هذا القول فإضافة لما تقدم من أن كردستان العراق هي من صنيعة الاستعمار وليست جزءا أصيلا من العراق، فإن المطالبة بحق تقرير المصير هو مطلب يجمع عليه كل الأكراد، بكل أطيافهم السياسية والفكرية وحتى من عوامهم.

وهنا نذكر المقولة الذهبية للمفكر الإسلامي د. حسن الترابي بأن "المواطنة عقد لا يتم إلا بالتراضي ولا يكون قسرا"، وهو ما سعى لتحقيقه في بلاده السودان مع الجنوبيين، "الذين اختاروا سودانيتهم على انفصالهم عندما منحوا حق القرار وأعيدت لهم حقوقهم السياسية والاقتصادية المغتصبة من حكومة المركز".

والحالة في كردستان العراق أحوج لإنفاذ هذا المبدأ الذي أقرته الشرائع الدولية في مواثيقها وحرمته بسياساتها تجاه الأكراد وغيرهم، ففي السودان لا يقف الجنوبيون على موقف سياسي واحد من مسألة الانفصال، إنما كانت قوى سياسية مدعومة من الخارج تشكل ثقلا عسكريا وسياسيا في هذا الاتجاه، أما في كردستان فكل القوى السياسية وغير السياسية تجمع على هذا المطلب، وبذلت في سبيله الكثير من الجهد والضحايا.

كما أن الاحتجاج بأن كردستان العراق أصبحت جزءا من الوطن العراقي في فترة تاريخية ما، يسلب الأكراد حق الاستقلال، فعلينا في هذا السياق أن نتذكر كيف استنكر عموم العرب شعوبا وحكومات غزو النظام العراقي للكويت تحت مبرر إعادة الفرع للأصل، ورغم صحة هذه المقولة تاريخيا فإنها غير صحيحة بمنطق العدل، لأن الشعب الكويتي رفض هذا الضم عنوة، وأصر بالإجماع على استقلالية بلاده، فوقف الجميع وراء هذا الحق، وإن اختلف في آلية إصلاح الخلل وإعادة الوطن لأهله.


بتفحص الحركات الساعية للاستقلال سنجد محركها الأساس هو رد الظلم السياسي والاقتصادي، والديني الذي تمارسه حكومات المركز ولو تمت معالجة هذه الاختلالات لما سعى البعض للانفصال
وعندما صرح ممثلو مجلس الحكم الانتقالي بقرار البرلمان الكردي الحصول على الفدرالية لإقليمهم، ثار من ضمن ما ثار من اعتراضات أن الفدرالية لا يمكن أن تكون على أساس عرقي أو طائفي، في حين نرى في تجارب انفصالية وفدرالية تمت منذ عقود يتقبلها الجميع دون حرج، فانفصال باكستان عن الهند كان على أساس طائفي، انطلاقا من نظرية "الأمتين" التي نادي بها العلامة محمد إقبال، لكننا نحن كعرب نعتبره من إنجازات المسلمين في شبه القارة الهندية، وتبعه انفصال بنغلاديش عن باكستان لدواع لغوية، إذ اعتبر البنغاليون أن الحكومة المركزية في باكستان سعت لفرض لغتها "الأوردو" على الشعب البنغالي المعتز بلغته الأم.

أما عن الفدرالية فإن الوطن الباكستاني قسم فدراليا على أساس عرقي، فالبلد يتكون من أربعة أقاليم كل إقليم يخضع لعرقية مختلفة (إقليم السند للسنود، والبنجاب للبنجابيين، وسرحد للبشتون، وبلوشستان للبلوش)، ولم تقع صراعات عرقية في البلد كما يخشى أن يحدث في العراق، بل على العكس فإن هذا التقسيم متع كل عرقية بحكم ذاتها في إطار إقليمها، دون احتكاك بالعرقيات الأخرى والاصطدام بها من أجل المصالح. فلماذا يصح الانفصال أو العمل بالاتحاد الفدرالي على أساس عرقي هنا وهناك ولا يصح بحق الأكراد وحدهم؟

وبتفحص الحركات الساعية للاستقلال بإقليم ما عن الحكومة المركزية فإننا سنجد محركها الأساس هو رد الظلم السياسي والاقتصادي، والديني أحيانا الذي تمارسه حكومات المركز، كما يحدث في أقاليم إندونيسيا (آتشه، وأريان جايا، وكاليمنتان، وكما استقل إقليم تيمور الشرقية فعلا)، ومحاولة مسلمي الفلبين الانفصال ببعض أقاليم الجنوب، ويسعى مسلمو جنوب تايلند للهدف نفسه، والتاميل في سريلانكا، وفي جنوب السودان، والكشميريون في الهند مع أخذ المسألة هنا بعدا قانونيا إضافيا، وغيرها من الأمثلة، ولو تمت معالجة الاختلالات في هذه البلدان لما سعى بعض أبناء الوطن إلى الانفصال ودفع ثمن ذلك باهظا.

الفدرالية وليس الانفصال
قصدت مما سبق أنه علينا أن نتفهم سعي الأكراد للتمتع بكيانهم المستقل، الذي يأمنون فيه على حياتهم وثقافتهم ومصالحهم من السحق، وإذا كان هذا (الحق) هو الحلم التاريخي للأكراد جميعا، فإنهم في العراق خفضوا سقف أحلامهم إلى النظام الفدرالي، والفدرالية نظام اتحادي وليس انفصاليا كما يفهم البعض، وهذا الخفض ليس تنازلا عن الحلم وإنما قبولا بشروط اللعبة الإقليمية والدولية الراهنة، التي لا تسمح لهم ببلوغ هذا الحلم تحت أي ظرف.

ويدرك الأكراد قبل غيرهم أن مصلحتهم، بالحسابات السياسية والمصلحية البحتة لا تكمن في إقامة دولة صغيرة لا يزيد سكانها عن خمسة ملايين على رقعة صغيرة من الأرض، تحيط بها دول قوية وكبرى (العراق وإيران وتركيا وسوريا)، وهي دول معادية بطبيعة الحال لأي نظام كردي مستقل، فستكون هذه الدولة عرضة لتحرشات وربما اعتداءات لا قبل لها بها، وبقاء الكيان الكردي ضمن إطار عراق موحد قوي يوفر الحماية والعمق الإستراتيجي لهذا الكيان، ولهذا يستبعد أن يسعى الأكراد إلى الانفصال، حتى وإن كان الانفصال حقا من حيث المبدأ.

ولأن الأكراد تمتعوا بحكم ذاتي غير رسمي طوال الـ12 عاما الماضية، في وجود النظام الذي عانوا بسببه، فإنه من غير المقبول عندهم أن يتراجع وضعهم السياسي بعد زوال هذا النظام وتمتعهم بالحرية، والحد الأدنى المقبول لديهم هو تقنين وتثبيت وضعهم السابق في المرحلة القادمة. وهم لديهم الآن برلمان موحد وسيجري دمج حكومتي السليمانية وأربيل في غضون الأيام القليلة القادمة.

ضغوط الواقع
ولعل أشد الانتقادات التي توجه للأكراد في العراق تخص علاقتهم بالولايات المتحدة واعتبارهم حليفها القوي في العراق، واتصالات بعض رموزهم التاريخية بإسرائيل قبل عقود، وهي مسألة حساسة لدى الشارع العربي، ولا يمكن تبريرها والدفاع عنها، لكنني أدعو لإعادة النظر في الظروف التي دعتهم لمثل هذه الخطوة.

فعندما توجه الأكراد لإسرائيل من أجل التدريب وربما التسليح، كان الشارع العربي يتقدمه التيار القومي قد أدار ظهره لمعاناة الأكراد ولم يعرهم أدنى اهتمام، رافقه خذلان فارسي وتركي وأميركي، ما أوقعهم في كمائن سياسية عديدة وجردهم من كل نصير، حتى قيلت المقولة الكردية الشهيرة "الكردي ليس له صديق إلا الجبل"، في هذه الظروف استغلت إسرائيل حاجة الأكراد وقدمت لهم يد المساعدة فقبلوها.

ولا ننسى أن الولايات المتحدة هي التي أمنتهم في إقليمهم على مدى 12 عاما، ومنحتهم فرصة حكمهم لذاتهم، وتممت فضلها عليهم بإسقاط النظام الذي قمعهم، وما كان ليسقط لولا التدخل الأميركي، فكيف سنطالبهم في هذه الحالة بأن تكون نظرتهم للولايات المتحدة كنظرتنا نحن العرب الذين عانينا معاناة مرة من السياسة الأميركية في منطقتنا؟ كيف نطالبهم بأن يتفاعلوا مع قضايانا ويناصرونا في الوقت الذي لا نبادلهم مثل هذا التفاعل، وتجاهل إعلامنا وسياسيونا معاناتهم طوال عقود؟

دعوة للتقارب


الأكراد أقرب العرقيات لنا نحن العرب دينا وثقافة ومشاعر, وعلينا تعزيز هذه الجوامع، لا توسيع الهوة التي خلقتها المصالح السياسية الضيقة، وأخطاء الأكراد لا تبرر ظلمهم وسوء التعامل معهم
لم أقصد من هذا المقال مصادمة قناعات عامة المجتمع العربي، وإنما توضيح بعض خلفيات ومحركات الحالة الكردية في العراق، وعكس بعض ما لمسته من معايشة هذا المجتمع لبضعة أشهر، وهي دعوة لمثقفينا وإعلاميينا وحتى سياسيينا العرب إلى إيلاء أشقائنا الأكراد مزيدا من الاهتمام وقراءة حالتهم بعين الحياد، وبعيدا عن الأحكام المسبقة التي تلقيناها من أفواه السياسيين غير المنصفين.

فهم -أي الأكراد- أقرب العرقيات لنا نحن العرب دينا وثقافة ومشاعر، وعلينا تعزيز هذه الجوامع لا توسيع الهوة التي خلقتها المصالح السياسية الضيقة، ورصد كل طرف أخطاء الطرف الآخر، مع وجود أخطاء من السياسيين الأكراد لا شك، لكن خطأ الآخر لا يبرر ظلمه في فهمه والتعامل معه، عملا بقوله تعالى "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى". صدق الله العظيم.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة