بقلم/ منير شفيق*

ذهب قادة الدول العربية إلى قمة شرم الشيخ ليتفقوا ويصدروا بيانا مشتركا. وفي الحقيقة كانت اجتماعات وزراء الخارجية قد أعدت البيان قبل انعقاد مؤتمر القمة في الأول من شهر آذار/ مارس الجاري ولهذا ما كان من الممكن لأي خلاف قد ينشأ داخل قاعات المؤتمر في ذلك اليوم أن يحبط ما قام عليه الاتفاق، أو أن يمدد حتى موعد انتهاء المؤتمر يوما إضافياَ فالعجلة كانت سيدة الموقف ومن هنا ندرك لماذا مر تفجر الخلاف السعودي-الليبي كأنه غيمه صيف مرت بسرعة فتم تخطيه من دون أن يعالج ليقدم البيان النهائي وتجري عليه الموافقة وينتهي المؤتمر.


يبدو أن السند الوحيد للمنطق الذي ترتكز إليه الورقة هو تلك التصريحات الرسمية الأميركية ولكن هل سئلت الإدارة الأميركية ماذا ستفعل غير وعدها بعدم إطلاق العنان للحرب؟
لا شك في أن عدم انعقاد مؤتمر قمة عربية خلال الأشهر الماضية يعود إلى الضغوط الهائلة التي مارستها الإدارة الأميركية للحيلولة دون خروج موقف عربي موحد ضد الحرب.. الأمر الذي سمح للانقسامات العربية بأن تأخذ مداها بشكل لم يعرفه الوضع العربي، منذ قمة القاهرة 1996م ولكن في الأثناء تبلور موقف فرنسي-ألماني-روسي-صيني ضد الحرب، وقد ثبت ذلك الموقف على العكس من أغلب التحليلات التي اعتبرت الخلاف مع أميركا مؤقتاً، سرعان ما سينتهي إلى الخضوع والسير في مشروع الحرب، هذا الثبات سبب حرجاً شديداً للموقف العربي الرسمي وأظهره في آخر المركب العالمي في الوقت الذي يفترض به أن يكون في مقدمته لما للحرب من علاقة مباشرة بالدول العربية منفردة ومجتمعة، أما من جهة فلا يمكن استبعاد تأثير التظاهرات المليونية التي ضجت بها مئات المدن والعواصم في الغرب من نيويورك إلى برلين ومن باريس إلى سدني مروراً بروما ومدريد في مفاقمة الإحراج الذي راحت تواجهه الدول العربية ولا سيما تلك التي تستطيع أن تقرر انعقاد مؤتمر قمة عربية من عدمه.

هذا هو الذي يفسر التحركات المصرية التي دعت إلى قمة طارئة ثم تحول القمة الطارئة إلى عادية مع تقديم موعدها من 25 آذار (مارس) إلى الأول منه وهو وحده الذي يفسر المجهود الرسمي العربي العام الذي استشعر الحاجة إلى عقد قمة والخروج ببيان مشترك يرفض الحرب رفضاً قاطعاً.

من هنا أيضا لم يكن ثمة استعداد لمناقشة المبادرة الإماراتية التي وزعت في أثناء القمة لما قد تولده من خلافات عربية – عربية تحول دون صدور البيان المشترك الذي يراد منه الخلاص من الإحراج وإنقاذ ماء الوجه، طبعا ثمة أسباب أخرى أثيرت ضد تلك المبادرة، أو ورقة الأفكار وذلك من جهة ما قد تشكله من سابقة حين يصبح على النظام العربي الذي لا ترضى عنه أميركا وتهدده بشن الحرب أن يترك البلد ويقبل بمنفى آمن لقادته وكبار مسؤولية وعائلاتهم وهذه الحجة مستندة إلى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية (البند الثاني من ميثاق هيئة الأمم)، لأن تغيير الأنظمة، أو تصحيح مسارها يعودان لشعوبها وليس لأطراف خارجية.

ولهذا ثمة معارضة دولية وعربية واسعة ضد السياسات الأميركية المتعلقة بالحرب على العراق حين تحمل هدف تغيير النظام.. وهو الذي يفسر تراجع إدارة بوش عن إعلان هذا الهدف (من دون التخلي عنه) والتمسك بنزع أسحلة الدمار الشامل والقرارات الدولية سبباً للحرب وهو التفسير للتحفظات عن المطالبة رسمياً بتخلي النظام عن السلطة في العراق وقبول المنفى بالرغم من أن الدول التي تتمنى أن يفعل ذلك من تلقاء نفسه كثيرة جداً ولكنها لا تستطيع أن تسجل السابقة لخطورتها ربما على بعضها لاحقا.


ليس صحيحاً، أو أكيداً أو احتمالا راجحاً أن اختفاء النظام العراقي وذهابه إلى المنفى سيحول دون احتلال العراق من قبل القوات الأميركية بل قد يسهل عليها الأمر ويعفيها من كثير من الإحراج الذي حال حتى الآن دون اقدام الإدارة الأميركية على اتخاذ قرار الحرب
جوهر الموقف الإماراتي يقوم على أساس أن هذه الخطوة وحدها تستطيع أن تجنب العراق والمنطقة كارثة الحرب، ومن ثم فهي ليست معنية بالتدخل في الشؤون الداخلية كما ليست هنالك من علاقة بينها وبين الموقف الأميركي بل ربما ذهب البعض إلى اعتبارها مجهضة لما يريده صقور الإدارة الأميركية المتعطش للحرب. كما عبر عن ذلك أكثر من بيان موقع من مثقفين مستقلين وإلى جانبهم أعداد من المسؤولين العرب والمستشارين والمحللين الاستراتيجيين الذين يؤيدون المخرج الذي تتضمنه الورقة الإماراتية لتجنب كارثة الحرب. الأمر الذي يتطلب مناقشة جوهر تلك الورقة وطرح الأسئلة عليها ليس من الزوايا المبدئية المستندة إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية، أو إلى ترحيل نظام تحت التهديد بالحرب لما يشكله من سابقة كما ليس من الزوايا التي أثارتها بيانات المثقفين المشار إليها مثل أنه تكفي 35 عاماً من الحكم الفردي المتواصل أو يكفي ما ألحقه النظام من ويلات بالشعب العراقي بأكراده وشيعته وسنته وحتى ببعثييه أنفسهم ناهيك عن صراعاته الدموية مع أكثر من طرف عربي إلى جانب مسؤوليته في إطلاق حرب الخليج الأولى مع إيران أو حرب الخليج الثانية بعد احتلال الكويت.. ثم هنالك من اعتبر الاقتراح آنف الذكر يحمل تضحية من أجل المحافظة على وحدة العراق واستقرار الوضع الأقليمي المهددين في حالة نشوب الحرب.

وللكلمة، فإن كل هذه الزوايا لا تعني الورقة الإماراتية كما يفهم من نصها أو كما شرح دوافعها بعض المسؤولين الإماراتيين، وإنما يعنيها أن المدخل الوحيد لتجنب كارثة الحرب هو في تخلي النظام والرحيل إلى المنفى الآمن لا سيما وأن ثمة تصريحات رسمية أميركية قالت إن اتخاذ هذه الخطوة يوقف قرار شن الحرب ولهذا فالسؤال: هل صحيح أن الاقتراح سيحل المشكلة ويجنب العراق والمنطقة كارثة الحرب؟

يبدو أن السند الوحيد للمنطق الذي ترتكز إليه الورقة هو تلك التصريحات الرسمية الأميركية.. ولكن هل سئلت الإدارة الأميركية ماذا ستفعل غير وعدها بعدم إطلاق العنان للحرب؟ أو ما هي سياسات أميركا إزاء العراق والمنطقة بعد رحيل النظام من خلال الحرب أم من دونها؟ ثم هل ستترك الجامعة العربية وأمانة الأمم المتحدة تؤمنان المرحلة الانتقالية بحيث تحضران لانتخابات نزيهة ينبثق عنها النظام العراقي القادم وبغض النظر عن هويته وسياساته ثم ترفع أميركا قبعتها احتراماً لإاردة الشعب العراقي وخياره الديمقراطي كأن المشكل كله يتلخص أو ينحصر بالنسبة إليها في نظام صدام حسين لا أكثر ولا أقل.

طبعاَ هذه فرضية لا يمكن أن يقول بها أحد ممن يعرف أميركا وبالخصوص الإدارة الأميركية الحالية وما تحمله من استراتيجية عراقياً وخليجياً وفلسطينياً وعربياً ودولياً الأمر الذي يفضي إلى القول قطعاً فور تنفيذ النظام لاقتراح المذكور ستقفز أميركا للامساك بالوضع العراقي حتى من خلال الدبابة التي ستدخل لسد الفراغ وإنقاذ العراق من الفوضى وشلالات الدم.

وعجبا لو وجد أحد يمكنه أن يدعي أن أهداف أميركا منحصرة بالتخلص من النظام أو عن أسلحة الدمار الشامل لأن أميركا تعمل من أجل الحاضر والمستقبل وليس من أجل تصفية حسابات سابقة وإغلاق ملفات قديمة ولا يمكن لأحد مهما حاول ألا يرى الأبعاد الاستراتيجية العليا للهيمنة الأميركية على العراق بما يتعدى مجرد نيل حصة الأسد في النفط العراقي.

والسؤال المشكل بالنسبة إلى الاقتراح المذكور، بعد التقيد بجوهر مرماه فقط هو من يضمن ألا يحدث اضطراب داخل العراق عضوي أو مصطنع، فور خروج القوة الممسكة بالسلطة فيه وإذا حدث الاضطراب الحتمي، بالضرورة عفواً أو قصداَ فمن سيمنع الدبابة الأميركية من الدخول تحت هدف منع الاقتتال والفوضى والكارثة؟ أي نكون أمام المحظور نفسه الذي أراد الاقتراح أن يتجنبه.

ومن ثم ليس صحيحاً، أو أكيداً أو احتمالا راجحاً أن اختفاء النظام العراقي وذهابه إلى المنفى سيحول دون احتلال العراق من قبل القوات الأميركية بل قد يسهل عليها الأمر ويعفيها من كثير من الإحراج الذي حال حتى الآن دون اقدام الإدارة الأميركية على اتخاذ قرار الحرب.

ثمة خطأ في تصور ما تريده أميركا بعد إسقاط النظام العراقي من خلال الحرب. لأن الاتفاق على معرفة ما تريده فالكارثة لا تقتصر على ضحايا الحرب أو الخراب الناجم عنها وإنما يكمن جوهرها في الوضع الناشئ بعد أن تحتل أميركا العراق وتعمد إلى إعادة تشكيله وتشكيل المنطقة وفقاً لأهداف المشروع الصهيوني.

والسؤال الموجه لأصحاب ذلك الاقتراحم من رسميين ومثقفين ومحللين سياسيين ماذا ستفعلون حين ستتحرك الدبابات الأميركية إلى العراق على الضد مما يرمي إليه الاقتراح؟ طبعاً لا جواب لأن من فكر في الاقتراح لم يخطر بباله غير حل خطوة واحدة في الأزمة ولم يدر بخلده أن أميركا ستتحرك فوراً لتقع الكارثة بكل حذافيرها بل ربما أسوأ ففتح باب الجحيم وارد بهذه الحالة، بمثل ما هو وراد في حالة الحرب.

تظهر الواقعية هنا في أضعف حالاتها ما دامت لا تستطيع أن تقول ماذا تريد أميركا وكيف ستتصرف فوراَ بعد تنفيذ الاقتراح الذي سيبقى مفتوحا حتى من دون أن يأخذ منها أية ضمانات لأنه يصر على استقلاليته عنها كما يؤكد أصحابة ثم كيف ستتصرف مختلف الأطراف العراقية والإقليمية في صنع ما يراد أن يصبح تحت إشراف الجامعة العربية وهيئة الأمم وهما لا تملكان شيئاً من القوة والهيبة لمنع تدخل المتدخلين ليس أميركا فحسب وإنما أيضاً كل من يريد أن يحلق لاغتنام حصة كأننا أمام إطلاق صفارة سباق يعج بالمتسابقين.


جوهر الموقف الإماراتي يقوم على أساس أن هذه الخطوة وحدها تستطيع أن تجنب العراق والمنطقة كارثة الحرب، ومن ثم فهي ليست معنية بالتدخل في الشؤون الداخلية كما ليست هنالك من علاقة بينها وبين الموقف الأميركي بل ربما ذهب البعض إلى اعتبارها مجهضة لما يريده صقور الإدارة الأميركية المتعطش للحرب
لم تترك الإدارة الأميركية شكاً في أنها تريد وضع العراق تحت حكمها العسكري إلى المدى الضروري أو أنها تريد إعادة تشكيل وضع الأنظمة والخرائط في المنطقة بما في ذلك حل القضية الفلسطينية ضمن الرؤية الليكودية والتمكين للمشروع الصهيوني في مشاركتها بالهيمنة على ما يسمى منقطة الشرق الأوسط ولم تترك مجالاً للشك في أن الهدف الأكثر هو إقامة نظام عالمي تحت هيمنتها العسكرية المباشرة فإذا كانت هذه هي الأهداف التي جعلتها تتبنى استراتيجية الحرب ضد العراق فكيف يظن أن استباقها بتخلي النظام العراقي عن السلطة ورحيله يجعلها تتخلى هي عن تلك الأهداف أو يعيد قواتها العسكرية إلى مواقعها السابقة فأميركا سترى في ذلك إعفاء من قرار حرب أحجمت عن اتخاذه حتى الأن بسبب ما واجهته من معارضة داخلية ودولية وعربية ورأي عام عالمي علماًً أن خطر اتخاذه ما زال داهماً أكثر من أي يوم مضى.

ولهذا فالمطلوب إن كان ثمة من إنقاذ للوضع من الكارثة هو المزيد من المعارضة للحرب وعدم الاستسلام أمام حتميتها إلى جانب سحب العراق للذرائع المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل مع ممارسة الضغط لإجراء مصالحة عراقية - عراقية أصبحت أكثر إلحاحاً وإمكانا بعد الاتفاق الأميركي التركي.

_______________
* محلل وكاتب ومفكر فلسطيني

المصدر : غير معروف