بقلم/ إلياس حنا


تتطلب ذكرى النكبة في المطلق إعادة النظر في المراحل والمحطات السابقة وذلك بهدف أخذ العبر. فالنكبة تعتبر مفصلا هاما في حياة الأمم لأنها تعكس بصورة صادقة نتيجة الأمر الواقع والحقيقي لما خططت له هذه الامم (أية أمة)، وما حضرت له من وسائل تنفيذ، وكيف تصرفت وما كانت عليه النتيجة. ففي الصراعات والحروب هناك عادة خاسر ورابح. ويقال في هذا المجال "الرابح مفقود، والخاسر يعيد حساباته".

مرت 52 سنة على نكبة فلسطين الكبرى، والجعبة مليئة بالدروس والعبر لمن أراد الاعتبار على الأقل. لكن المفارقة هنا، وبعكس المقولة المذكورة أعلاه، بدا الرابح الإسرائيلي وكأنه هو الذي لا يكل من إعادة حساباته تحضيرا للمرحلة القادمة، بينما الخاسرون (العرب والشعب الفلسطيني) لا يزالون في متاهة عدم اتخاذ القرار الصائب.


اعتبرت إسرائيل خلال صراعها مع العرب أن كل حروبها هي حروب "اللاخيار" أو كما يقال عنها بالعبرية (en brera)، أو حتى أكثر من ذلك هي حروب الوجود
اعتبرت إسرائيل خلال صراعها مع العرب أن كل حروبها هي حروب " اللاخيار"، أو كما يقال عنها بالعبرية (en brera) أو حتى أكثر من ذلك، هي حروب الوجود. والمقصود هنا بحرب الوجود هو المعنى الذي يقوم على ما قاله شكسبير "نكون أو لا نكون"، وليس كما نعتقد نحن العرب بأن حرب الوجود لإسرائيل هو قبولنا بها في المنطقة.

شكلت حرب 1948 والتي عرفت نتيجتها بـ"النكبة" رأس الجسر الإسرائيلي في فلسطين المحتلة ومنه انطلقت المغامرة الكبرى التي قامت على "احتلال الأرض، وطرد السكان وتأمين مقومات الاستمرار والوجود في كل أبعادها السياسية منها والعسكرية. لم تقنع خسارة 1948 العرب بتوقيع السلام بل اختاروا المقاومة بكل أشكالها.

وقعت حرب عام 1956 لأسباب عدة أهمها على الصعيد الإسرائيلي محاولة تأمين العمق الإستراتيجي وضرب صورة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في مصر والعالم العربي بعد أن ساواه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق دفيد بن غوريون بالزعيم النازي أدولف هتلر. فقد تخوف حينها بن غوريون من مشاريع عبد الناصر الوحدوية، وبات التساؤلان "ماذا لو توحد العالم العربي كله ضد إسرائيل؟" وماذا سيكون عليه مصير الكيان الصهيوني؟ مطروحان بقوة في دوائر صنع القرار الإسرائيلي.

وفي عام 1967 فاجأت إسرائيل العرب بضربة استباقية، وسعت في أعقابها حدودها، وانتقلت من دولة مهددة ومحاطة بالأعداء في الوعي الغربي إلى دولة كبرى على الصعيد الإقليمي. لكن التحول الكبير بعد هذه الحرب كان في تبدل وظيفة إسرائيل الإقليمية لدى الولايات المتحدة الأميركية، وفي بدء عملية الاستيطان خاصة في الضفة. لكن العرب أيضا لم يقتنعوا، رغم فداحة الهزيمة وسرعتها، بالخسارة واستمرت المقاومة.

فاجأ العرب إسرائيل في حرب رمضان عام 1973. وخاضت مصر حربا شاملة لأهداف محدودة تقوم على تحريك الوضع السياسي، وذلك خلافا لما كان عليه هدف الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد من تلك الحرب.

لكن تباين الأهداف العربية والتدخل الأميركي وضع حدا لتلك المحاولة العربية التي أثمرت قناعة في الجانب المصري على الأقل بضرورة البدء بصنع السلام مع إسرائيل، لكن المقاومة تواصلت.

حتى الآن اعتبرت إسرائيل أن هذه الحروب هي حروب اللاخيار، أو بالأحرى حروب الوجود. وهو ما تغير في حرب أو اجتياح لبنان عام 1982 التي شنتها إسرائيل خلافا للمفاهيم السابقة، فهي لم تشكل حرب وجود بل يمكن اعتبارها مغامرة عسكرية إسرائيلية هدفت إلى ضرب منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من لبنان.

ورغم خروج المنظمة لم يقتنع العرب واستمرت المقاومة. لكن الجديد الطارئ في اجتياح لبنان أن المقاومة اللبنانية أدت عام 2000 إلى إجبار إسرائيل على الانسحاب دون ثمن سياسي.

في المقابل أدى اتفاق أوسلو إلى عودة المنظمة إلى نقطة انطلاقها، فلسطين. ومع تعثر الحل السلمي بدأت موجة الانتفاضات داخل فلسطين، آخرها كان انتفاضة الأقصى وذلك بعد أن شكل إنجاز حزب الله في جنوب لبنان نموذجا يحتذى به. وبعد نحو 18 شهرا من الثورة تعرضت الانتفاضة الفلسطينية لضربة من خلال عملية "الجدار الواقي"، وأصبح الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في وضع لا يحسد عليه، مما يستدعي طرح السؤال الأهم "وماذا بعد؟".


أخطأ ياسر عرفات بتوقيعه اتفاق أوسلو لأنه دمج بذلك البعدين التكتيكي والإستراتيجي في خانة واحدة. فهو اعتقد أنه إن سيطر تكتيكيا على ما وعد به في أوسلو أي الضفة الغربية وقطاع غزة، فإنه سوف يفرض وضعا إستراتيجيا يجبر فيه إسرائيل على تنفيذ ما التزمت به
من خلال ما ورد أعلاه يمكننا استنتاج ما يلي:
1. ثبات عربي في التراجع والتنازل، وثبات إسرائيلي في طلب المزيد والتعنت.
2. تبدل أوجه الصراع من عمليات مقاومة، رد فعل عسكري إسرائيلي متصاعد حتى الوصول إلى اندلاع الحرب بالمعنى المتعارف عليه، مثلما كان عليه الحال في اقتحام مخيم جنين.
3. تبدل تكوين المقاومة الفلسطينية من مقاومة على المستوى البدائي إلى مقاومة بشكل جيش تقليدي في لبنان بعد أن سيطرت على جنوب لبنان. أدى هذا التحول إلى تسهيل ضرب البنى التحتية للفلسطينيين من قبل إسرائيل، لأن هذه الأخيرة تفضل القتال التقليدي المتعارف عليه.
4. من خلال مراحل الصراع، كان الرئيس عرفات يصر على حرية واستقلال القرار الفلسطيني الأمر الذي قاده إلى اتفاق أوسلو والخروج على أسس مؤتمر مدريد.
5. قاد الرئيس الفلسطيني أجندة الحرب والسلم بحرية تامة. لكنه كان يعود إلى العرب طلبا للنجدة عندما تتعثر برامجه، في المقابل لم يكن الجانب العربي مستعدا لنجدة عرفات.
6. أخطأ ياسر عرفات بتوقيعه اتفاق أوسلو لأنه دمج بذلك البعدين التكتيكي والإستراتيجي في خانة واحدة. فهو اعتقد أنه إن سيطر تكتيكيا على ما وعد به في أوسلو أي الضفة الغربية وقطاع غزة، فإنه سوف يفرض وضعا إستراتيجيا يجبر فيه إسرائيل على تنفيذ ما التزمت به.

لكنه لم يع أن هذا الأمر يعد من المحرمات الإسرائيلية، وأن إسرائيل أصلا كانت مسيطرة على البعد التكتيكي من خلال نشاطاتها الاستيطانية. وقد شكل فشل محاولات التوصل لاتفاق سلام نهائي في ما عرف باسم كامب دفيد-2 القشة التي قصمت ظهر البعير. وذلك لأن تلك المحادثات الماراثونية أفضت إلى فضح سياسة الغموض التي كان يتبعها عرفات في التعامل مع القوى السياسية الفلسطينية والتي تنقسم إلى متشددين ومعتدلين، فهو إن قبل بما عرض عليه ثارت ثائرة المتشددين وإن رفض ثارت ثائرة المعتدلين، فكان لا بد من الانتفاض ورفع مستوى العنف إلى حد الاستشهاد عبر تفجير الذات.

ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول لتلغي كل إنجازات انتفاضة الأقصى، ولتسهل الطريق لعملية الجدار الواقي التي أوجدت واقعا جديدا في الصراع يمكن تلخصيه بما يلي:
1. حتى الآن، لا يبدو أن الانتفاضة سوف تستمر كما كانت عليه، وهي حتما سوف لن تحقق مكاسب تبرر الثمن الغالي المدفوع، أي باختصار فإن الانتفاضة قد انتهت.

2. أصبح لزاما على الرئيس ياسر عرفات إجراء تغييرات جذرية في بنى السلطة التحتية الأمنية منها والسياسية، وخاصة في ما يتعلق بعملية اتخاذ القرار، لكن الأخطر من ذلك أن التغييرات الأمنية قد تحدث بعيدا عن سيطرته وتأثيره السابقين.

3. خسر ياسر عرفات استقلالية القرار الفلسطيني، وهو الذي عمل طوال مدة الصراع مع إسرائيل للمحافظة عليه.

4. استردت الولايات المتحدة زمام المبادرة، وهي التي سوف ترسم صورة المراحل اللاحقة وذلك بالتعاون مع بعض الدول العربية.

5. عادت العباءة العربية لتغطي القضية الفلسطينية كما في السابق مع فارق كبير وهو أن العرب لم يعودوا كما كانوا، وإسرائيل أصبحت غير إسرائيل عام 1973.

6. قد تؤدي التهدئة في فلسطين إلى مزيد من الحرية (الأميركية والإسرائيلية) لفرض سلام تأديبي على الفلسطينيين، وهذا الأمر قد يسهل عملية ضرب العراق.

7. سمحت عملية السور الواقي للولايات المتحدة بالدخول إلى قلب ما تسميها بالمنظمات الإرهابية، وإلى بدء العمل على احتوائها كما تحاول احتواء تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن في أفغانستان.

إذن ما العمل الآن بعد أن فقد الفلسطينيون القدرة العسكرية على المقاومة، وبعد أن طوقوا سياسيا من قبل الكل وعلى رأسهم العرب؟ فهل سيوقعون على ما رفضوه سابقا؟ أو بالأحرى هل سيوقعوا على أقل مما رفضوه سابقا؟.

انطلاقا من المفهوم العقلاني، حيث تدخل حسابات الربح والخسارة، يجب على الرئيس الفلسطيني أن يوقع اليوم قبل الغد. فالحرب غدت مكلفة ولم تعد ترد الأثمان المدفوعة، كما أن ظروف استمرارها لم تعد قائمة ومقبولة. فهل يوقع عرفات؟.

حتى الآن، كانت وكما ورد أعلاه كل حروب إسرائيل (من وجهة نظرها) حروب وجود وحروب اللاخيار. في المقابل كانت المقاومة والحروب العربية تسعى إلى استرداد الحق السليب دون إطلاق شعار حروب الوجود. وذلك لأن العرب استمروا في الوجود بالرغم من خساراتهم المتكررة أمام إسرائيل.

لكن الوضع اختلف الآن وبات الفلسطينيون في معركة للدفاع عن وجودهم، للأسباب التالية:
1. قضى شارون على اتفاق أوسلو نهائيا، ولا بد الآن من العمل على إيجاد صيغة جديدة هي حتما ليست لمصلحة الفلسطينيين.

2. على صعيد الأرض، تمت السيطرة على الضفة إلى غير رجعة، وهي التي تعتبر قلب الدولة الفلسطينية (6500 كلم2).

3. لم يعد يبدو في الأفق أي مؤشر قريب لقيام دولة فلسطينية قابلة للعيش أو بالأحرى تم القضاء على القضية الفلسطينية.

في هذا الوضع أصبح لزاما على الفلسطينيين إعلان مقاومتهم وحربهم كحرب وجود، فهم لم يعودوا قادرين على الاستمرار كما في السابق، فماذا عن مواصفات حروب الوجود؟.

في حروب الوجود تنتفي العقلانية، ولا تعود حسابات الربح والخسارة مهمة، ولا يعود مفهوم المفكر البروسي كلاوزفيتز يصلح لهذا النوع من الحروب. فالحرب لأهداف سياسية تتطلب استعمال ميزان الربح والخسارة خلال كل مراحلها. فإذا تقدمت الأثمان على الأرباح وجب إيقاف هذه الحرب ووصفها باللاعقلانية.

كذا فعلت أميركا في فيتنام، وفرنسا في الجزائر، وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس الوزراء السابق إيهود باراك في جنوب لبنان، أما في حرب الوجود فهي ليست حربا بوسائل أخرى، إنها الوجود بحد ذاته. في حروب الوجود تدرج الضحية في سجل الأرباح، وليس من الضروري تبرير الخسائر. فموت كل شهيد يصبح سببا لاستمرار الحرب.


في حرب الوجود لا تحاسب الأمة مسؤوليها عن الخسائر البشرية والطرق والإستراتيجيات المعتمدة حتى ولو كانت خاطئة فالهدف النهائي يحجب عادة الأخطاء، في حروب الوجود تستعمل الأمم أقصى طاقاتها البشرية وأغلى ما تملك
في حرب الوجود لا تحاسب الأمة مسؤوليها عن الخسائر البشرية والطرق والإستراتيجيات المعتمدة حتى ولو كانت خاطئة فالهدف النهائي يحجب عادة الأخطاء. في حروب الوجود تستعمل الأمم أقصى طاقاتها البشرية وأغلى ما تملك.
في هذا الإطار لا يبدو أن الفلسطينيين يملكون أكثر من جثث الشهداء الانتحاريين وسيلة للتحرير. فماذا عنها؟.

أدرجت العمليات الانتحارية الفلسطينية في خانة الإرهاب. لكن الأكيد أنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. فشمشون هو أول انتحاري معروف في التاريخ المكتوب. كما أن الكاميكاز (وهو اسم لريح يابانية مقدسة، وأطلق على الطيارين اليابانيين الذي قادوا طائراتهم لضرب قطع بحرية للحلفاء قبل نهايات الحرب العالمية الثانية) والتاميل هم أيضا من سبق الفلسطينيين في هذا المجال. لكن الفارق هو أن العمليات الفلسطينية أتت في فترة وتوقيت غير مناسبين، أي بعد 11 سبتمبر/ أيلول وتفرد أميركا بمصير العالم.

ففي دراسة سيكولوجية مهمة كتبها البروفيسور فاميك د. فولكان عن العمليات الانتحارية يقول الكاتب إن الانتحاري يعتبر نفسه ممثلا للمجموعة، فيفقد بذلك فرديته. وهو عندما ينتحر فإنما يحاول تحصيل حق المجموعة، ليرفع من شأنها بغض النظر عن من يقتل من الجهة الأخرى. والمجتمع الذي يعيش فيه الانتحاري هو عادة مجتمع يعاني من صدمات (Trauma) متكررة.

ويعتبر الكاتب أيضا أن الانتحاري عادة يتميز عن محيطه وخاصة عائلته بحفظه لسر تكليفه بالعملية الانتحارية، وذلك لأن معرفته للأمر تعطيه فوقية معينة على من هم حوله، لذلك يفاجأ الأهل عادة بتنفيذ عملية ما من قبل ولدهم.

في الختام، يبدو جليا لنا أنه بعد كل خسارة للعرب ضد إسرائيل، لم يقتنع العرب بالوضع القائم، لم يوقعوا السلم واستمروا بالصراع. ويبقى السؤال الآن، وبعد عملية السور الواقي والوضع المزري الذي وصل إليه الفلسطينيون "هل اقتنع ما تبقى من العرب بما وصلوا إليه؟ هل اقتنع الفلسطينيون أيضا؟ وهل حان الوقت للتنازل الفلسطيني الأقصى برعاية وضغط عربيين؟ وهل سيصح ما قاله أب المدرسة السياسية الواقعية الإثيني توسيديدس "يفعل الأقوياء ما يشاؤون أما الضعفاء فما عليهم إلا تحمل وزر الأمور".

الجواب على هذا السؤال هو في شقين الأول نعم لقد اقتنع ما تبقى من العرب، الثاني لم يقتنع الفلسطينيون، فهل سنشهد مراحل مستقبلية من الصراع؟ وإذا كان الجواب نعم، فبأي شكل ومتى؟ الجواب رهن بالمستقبل، فلننتظر.

المصدر : غير معروف