بقلم/ أكرم البني

من الأخبار التي يتكرر سماعها في سوريا ويتداولها الناس شفاهة إقالة بعض المدراء العامين أو إحالة عدد من الموظفين الحكوميين إلى القضاء بتهمة الفساد.


تتسم صور مكافحة الفساد في التاريخ السوري بأنها قرارات "فوقية" أشبه بهجمات تغدو أحيانا جدية، تشتد كلما اشتد المرض وتفاقمت الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد
وإذ جرت العادة أن يعلن رسميا عن مثل هذه الإجراءات، فلا يعرف اليوم ما المراد من الاكتفاء بمرور عابر على بعضها في زوايا الصحف الرسمية، ربما كي لا يستدل على المدى الذي بلغه تفشي الفساد وتردي روح المسؤولية في الدولة والمجتمع، أو ربما للتستر على السلوك الانتقائي في ملاحقة هذه الظاهرة وتقديم صغار الموظفين قرابين على مذبحها بينما يغض الطرف عن الفاسدين الكبار.

أو لعل القصد من ذلك اجتناب ترسيخ قواعد قانونية وقيم أخلاقية وتربوية ضد الفساد تغدو مع الزمن سلاحا بيد الناس في ملاحقة هذا الداء والحد من آثاره الخطيرة.

تتسم صور مكافحة الفساد في التاريخ السوري بأنها قرارات "فوقية" أشبه بهجمات تغدو أحيانا جدية، تشتد كلما اشتد المرض وكلما ازداد تفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد.

فكلنا يتذكر المناخات التي رافقت لجان التفتيش عن الكسب غير المشروع، ثم هيئات المحاسبة والسؤال من أين لك هذا. وأيضا لا تخرج عن هذا الإهاب الهجمة الواسعة التي طالت منذ أعوام نفرا غير قليل من كبار المسؤولين السوريين وفي مقدمتهم رئيس الحكومة المنتحر محمود الزعبي واثنان من وزرائه.

لكن هذه الهجمات لا تلبث أن تهدأ مع مرور الوقت لتعود الأمور إلى ما كانت عليه, وربما أشد وطأة, ونعود جميعنا إلى الاكتواء بنار الفساد وإلى حالة من الترقب والانتظار وأيضا الأمل في أن تتمكن هجمة جدية من توجيه ضربة قاصمة لهذه الآفة اللعينة.

لا يخفى على أحد أن الفساد منتشر في سوريا انتشار الفطر, وقد أصبح -مع الزمن- وباء مستشريا ينخر خلايا المجتمع كافة، وبشكل خاص مؤسسات الدولة ودوائرها.

وبما أن الفساد بعبارة بسيطة هو استغلال المنصب العام لخدمة المصالح والمنافع الشخصية، فإن انتشاره الواسع والكبير في سوريا يتناسب طردا مع كبر حجم الدولة واتساع دورها، وتاليا عمق تداخلاتها في إدارة المجتمع وأنشطته المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، متخذا صورا مختلفة وأشكالا متنوعة يعاد تجديدها وتطويرها -يوما بعد يوم- من قبل الفاسدين والمفسدين.

أولى تلك الصور الاستيلاء على المال العام عبر التلاعب في المشتريات وأعمال المخازن والمهمات، وأيضا المبالغة في أوجه الإنفاق الحكومي والإفراط في تخديم المسؤولين والوزارات والهيئات الرسمية مرورا بتمرير الاتفاقات والعقود لقاء عمولات خاصة ومجزية يقبضها القائمون على تنفيذها.

ويندرج أيضا التلاعب في إرساء المناقصات والمزايدات الحكومية على من يعطي أكثر، ومن ثم تلقي الرشاوى كي يتم غض النظر عن تجاوزات القانون أو لتسهيل حركة المعاملات في الدوائر الرسمية، ثم استخدام المركز الحكومي -تهديدا وابتزازا- لجني ما يمكن جنيه من أموال و"خّوات" من رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال والمتاجر.


قيم الفساد باتت أحد شروط اختيار المسؤولين وأخذت تغزو العقول والضمائر فتغدو في الثقافة الشعبية مظاهر إيجابية تدل على الشطارة والحنكة والذكاء في مواجهة القيم النبيلة
يضاف إلى ذلك استغلال الصلاحيات العامة لفرض قنوات خاصة وآمنة لنمو السوق السوداء بمختلف "براويها" مثل صرف وترويج العملات الأجنبية وتهريب البضائع والسلع وتجارة الجنس والمخدرات.

كما ظهر مجال جديد للفساد رافق الانتخابات البرلمانية الأخيرة يتعلق بطرائق تمويل الحملات الانتخابية عبر المساهمات المالية لنفر قليل من أصحاب المصالح والنفوذ الاقتصادي وشراء أصوات المواطنين باستغلال عوزهم المعيشي.

وطبعا من يملك أنفا ذا حساسية طبيعية لابد أن تزكمه روائح مستنقع الفساد النتنة وفضائحه التي تمتد كأذرع الأخطبوط إلى أماكن ومواقع قد لا تخطر على بال أحد.

ومن الممكن أن نفهم ونفسر -وربما يبرر البعض- رشوة شرطي المرور مثلا أو معقب المعاملات الرسمية نظرا للشروط المادية التي يعيشها أمثال هؤلاء الموظفين الحكوميين بأجور لا تضمن الحد الأدنى من حاجاتهم والحاجات الحيوية لأسرهم، كالطعام واللباس والصحة والتعليم.

غير أن الأمر يغدو خطيرا ومثيرا للقلق والاشمئزاز في آن واحد عندما ترى كيف يستغل المنصب الحكومي لتمرير وإبرام صفقات غير مشروعة، وكيف تصبح السلطة وعاء لتجميع الثروة وتكديسها من خلال اقتطاع أو تحويل جزء من الأموال العامة لحساب هذه الشخصية الحكومية أو تلك دون اعتبار لمصالح الوطن والمواطن أو لخطط التنمية الاقتصادية العامة ومستلزماتها.

والأسوأ من كل ذلك عندما ترى كيف تصبح قيم الفساد أحد شروط اختيار الأفراد لتولي المسؤوليات، وكيف تغزو هذه القيم العقول والضمائر، فتغدو في الثقافة الشعبية مظاهر إيجابية تدل على الشطارة والحنكة والذكاء، في مواجهة القيم النبيلة -قيم الحق والشرف والنزاهة والعدل- التي يروج على أنها سمات الشخصية الضعيفة والساذجة وقليلة الحيلة.

وما يزيد الطين بلة حين يصل الفساد في سوريا إلى سلك القضاء، فيدك بذلك آخر معقل من معاقل الدفاع عن صحة المجتمع وسلامته.

وما ينفطر له القلب ويثير الشجون والألم، أن هذا المرض الخبيث قد التهم -فعلا- قطاعا واسعا ومهما من سلك القضاء السوري، ليس بسبب ضعف الحماية الموضوعية لضمائر القضاة وقيمهم في ظل تردي أجورهم ومستويات معيشتهم، وإنما بسبب تلك العلاقة الخاطئة والمرضية التي عرفتها بلادنا لعدة عقود خلت، بين القضاء والسياسة.

فحالة الطوارئ والأحكام العرفية السارية المفعول إلى يومنا هذا، تخضع السلك القضائي لسيطرة السلطات التنفيذية، فاسحة المجال -على طول الخط- لفرض الإرادة والمصالح السياسية على حساب الحق والقانون، وضاربة عرض الحائط بدور القضاء في تكريس قيم العدل والمساواة.

من المفيد في هذا الصدد استحضار حكاية تروى عن تشرشل -وكان رئيسا لوزراء بريطانيا وقتها- فبعد إطلاعه على محتوى تقرير يكشف مدى تفشي ظاهرة الفساد في بلاده تساءل عن حال المؤسسة القضائية من الفساد المستشري، فجاءته الإجابة أنه مازال بمنأى عن هذا المرض، عندها تنهد وقال "إن الأمور لا تزال بخير.. فكل شيء طالما القضاء معافى، من السهل معالجته وتصحيحه".

صحيح أن ظاهرة الفساد ظاهرة عالمية تعاني منها كل البلدان حتى أكثرها شفافية وديمقراطية، لكن الصحيح أيضا أن هذا الداء متفاوت الحضور والانتشار بين بلد وآخر، حيث نلمسه في العديد من الدول المتطورة كظاهرة جزئية ومحدودة تطال بعض رموز النخب السياسية والمالية أساسا، كالفضائح التي أحاطت ببعض المسؤولين الحكوميين في أوروبا وأميركا نيكسون وميتران وكلينتون وغيرهم.

لكن على محدودية وضيق انتشار الفساد في مثل تلك البلدان، فإن الصحافة الحرة لا تلبث أن تكتشفه وتلاحقه أجهزة الرقابة ويخضع للمحاسبة أمام القضاء، كما ينبذه الرأي العام والضمير الحي كونه في نظر الثقافة الشعبية جزءا من القيم السلبية البغيضة والمرفوضة.

أما في مجتمعاتنا المتخلفة، وبشكل خاص تلك المجتمعات التي تغيب فيها الديمقراطية وسيادة القانون والصحافة الحرة، فإن الفساد يصبح مع الزمن حالة سياسية واجتماعية متفشية، وجزءا عضويا من تركيبة مؤسسات الدولة ومقومات بنائها، مهيئا تربة صالحة لنمو الروح الانتهازية وتسلل الشخصيات الفاسدة إلى مواقع القيادة والمناصب السياسية والإدارية.

فنجد أنفسنا كما لو أننا أمام شبكة مترامية الأطراف، لا هدف لها ولا غرض سوى تسخير الصلاحيات والمسؤوليات العامة في خدمة الامتيازات الخاصة والربح وسرقة المال العام، مستندة بذلك إلى غياب الحريات العامة وإلى تفشي روح وأساليب التسلط والقهر التي أقصت المواطن وحجبت دوره في المراقبة وفي كشف أشكال الفساد ومسلكيات المفسدين، وحتى شوهته أخلاقيا ودمرت قيمه الإنسانية أيضا.

ولا تفاجئك هذه الحقيقة فالاستبداد كما قال الكواكبي "يضطر الناس إلى إباحة الكذب والتحايل والخداع والنفاق والتذلل ومراغمة الحس وإماتة النفس، وينتج من ذلك أنه يربي المجتمع على هذه الخصال".


لا بد من تحسين الوضع المادي لكافة العاملين في الدولة بما يوفر حدا من الأجور يتناسب مع مستلزمات معيشتهم ومتطلبات الحياة الكريمة ويقيهم الانحرافات الأخلاقية التي يفرضها ضغط الحاجة ووطأة العوز

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الفساد في سوريا ظاهرة سياسية بامتياز، ومعالجتها لن تكون مثمرة وناجحة إلا عندما تكون -أولا وأخيرا- معالجة سياسية، ما يعني أن حملات مكافحة الفساد مهما اشتدت هجماتها ومهما قست العقوبات الرادعة بحق الفاسدين والمفسدين، ليست أكثر من مسكنات ألم تخفف من آثار المرض ولا تعالج أسبابه.

وهي لن تؤتي أكلها، بل لن تجدي نفعا في حل هذه المعضلة حلا شاملا، واستئصال شأفة الفساد وجذوره الضاربة عميقا في المجتمع والدولة، طالما يتم التغاضي عن المناخ السياسي العام، مناخ الاستثناء والتسلط الذي نما الفساد فيه وترعرع ووصل إلى ما وصل إليه اليوم.

هذا الأمر يقودنا إلى تلمس الضرورة الملحة لرفع حالة الطوارئ وإعادة العلاقة الطبيعية بين السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية، بما يفسح المجال لفصل القضاء عن المصالح السياسية، ويهيئ التربة المناسبة لنمو دور القضاة الطبيعي في تكريس سيادة القانون وقيم الحق والخير والعدل في المجتمع جنبا إلى جنب، مع ضرورة إشاعة الحريات العامة في البلاد، وبشكل خاص حرية انتخاب واختيار المرشحين الأكفاء والمنزهين عن الأغراض الشخصية للمناصب العامة.

وأيضا بمناخ الحريات يمكن منع السرية في تداول الوثائق والمستندات وضمان تدفق المعلومات والشفافية وكشف الغموض الذي يلف شبكات الصفقات المشبوهة. ثم مع حرية التعبير والرأي والنشاط السياسي يمكن إرجاع الناس للمشاركة في إدارة شؤونها العامة وتقوية المجتمع المدني وإحياء دوره في مراقبة أداء مؤسسات الدولة ومحاصرة أي سلوك لمسؤول أو ممارسة تتجاوز الصلاحيات العامة.

وثمة مؤشرات أظهرتها غير تجربة تدل على أن جهود بعض المنظمات غير الحكومية في رصد حالات الفساد والدفاع عن المجتمع إزاءها، أعطت نتائج مذهلة من حيث الإمكانية التحتية على فضح ممارسات الفاسدين وتعبئة الرأي العام لتنفيذ سياسات قوية لمكافحة الفساد.

وإذا كانت المعالجة السياسية الجذرية لظاهرة الفساد هدفا حيويا ومرجوا فأنه يبدو بعيد المنال في المدى المنظور، وبالتالي فإن أسلوب المحاسبة والمعاقبة لبعض الرموز الفاسدة -والتي تجري بين فترة وأخرى- يبقى قاصرا وعاجزا إذا لم يترافق مع إجراءات إسعافية فورية، تزداد إلحاحا يوما بعد يوم، تساعد على محاصرة بؤر الفساد وعزلها ما أمكن في جزر صغيرة، بما يخفف إلى الحد الأدنى من مخاطرها تجاه المجتمع والدولة.

مثل هذه الإجراءات الإسعافية ترتكز إلى ضرورة كف يد السلطة التنفيذية عن تسمية القضاة أو تعيينهم كما جرت العادة في سوريا منذ زمن طويل، وفسح المجال لانتخاب الهيئات القضائية على قاعدة الكفاءة المهنية والقانونية والسوية الأخلاقية، مع ضرورة توفير مستوى مادي لائق للقضاة يشكل حماية موضوعية لضمائرهم وقيمهم الإنسانية.

وجنبا إلى جنب تأتي ضرورة تحسين الوضع المادي لكافة العاملين في الدولة بما يوفر حدا من الأجور يتناسب ومستلزمات معيشتهم ومتطلبات الحياة الكريمة ويقيهم الانحرافات الأخلاقية التي يفرضها ضغط الحاجة ووطأة العوز.

إضافة إلى ذلك تقف في سلم الأوليات ضرورة تحرير الصحافة وإطلاق دورها دون حسيب أو رقيب، لنشر ثقافة النزاهة والضمير في مواجهة ثقافة الفساد وقيمه، ولتعرية ومطاردة كل مظاهره المكشوفة والمستترة مهما بدت صغيرة وتافهة، عساها تلبي دعاء المبتهلين "اللهم افضحنا ولا تسترنا حتى يتبين الخبيث من الطيب".
________
كاتب سوري

المصدر : غير معروف