بقلم/ ميخائيل عوض*

-أهداف الضغط الأميركي على سوريا
-انزعاج في لبنان وسوريا
-رد الفعل السوري المتوقع

إن تنظيم اللجنة الفرعية للشرق الأوسط في لجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب الأميركي جلسة استماع يوم 12 من شهر سبتمبر/ أيلول الحالي يأتي بمثابة تلويح عملي لاستعداد الإدارة الأميركية فرض عقوبات على سوريا إن لم تستجب للضغوط والشروط التي تفرضها عليها.

أهداف الضغط الأميركي على سوريا

تتركز الضغوط الأميركية في عدة مطالب من دمشق، أولها وقف دعمها للمقاومة في لبنان، وانسحاب قواتها من الأراضي اللبنانية، وتصفية حزب الله ودفع الجيش اللبناني إلى الحدود لضمان أمن شمال فلسطين، وإجراء تعديلات على اتفاقية "الطائف" لتأخذ بعين الاعتبار مصالح حلفاء أميركا في لبنان، وإغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية في دمشق، وانخراط دمشق دون تردد في الحملة "الأمروإسرائيلية" على الإرهاب والانتفاضة الفلسطينية والعراق.


تتركز الضغوط الأميركية في عدة مطالب من دمشق، أولها وقف دعمها للمقاومة في لبنان وانسحاب قواتها من هناك، ودفع الجيش اللبناني لضمان أمن شمال فلسطين، وإجراء تعديلات على اتفاقية الطائف لتأمين مصالح حلفاء أميركا في لبنان، وإغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية في دمشق، وانخراطها في الحملة على الإرهاب والانتفاضة الفلسطينية والعراق
وتشمل العقوبات المقترحة في مشروع قانون محاسبة سوريا قائمة ممنوعات، هي منع الصادرات الأميركية باستثناء السلع الغذائية والأدوية, ومنع الشركات الأميركية من الاستثمار في الاقتصاد السوري, وتقييد حركة الدبلوماسيين السوريين, وخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وضع مشروع القانون إليوت إنغل المعروف بنشاطه في اللوبي الصهيوني في الكونغرس الأميركي، ويسعى لإقراره بدفع من إدارة شارون واستجابة لضغوطه على الإدارة والمجتمع الأميركي متجاوزا تحذيرات العديد من المسؤولين في البيت الأبيض والخارجية الأميركية. ورغم التصريحات المتتالية التي أشادت بتعاون سوريا ولبنان في ملف الإرهاب وتحديدا ملف الجماعات الإسلامية "المتطرفة" التي تربطها علاقة بالقاعدة، فإن الرئيس الأميركي يستطيع تعطيل تطبيق أو إقرار القانون إذا ما كشف عن تعاون مع سوريا أدى إلى إنقاذ أرواح أميركيين، وهذا أمر حاصل فعلا وقد صرح به مسؤولون كثر في الخارجية الأميركية وكتبت عنه الصحافة هناك مرارا وتكرارا.

من المقرر أن تستمع اللجنة إلى ممثل عن الخارجية يرجح أن يكون مساعد وزير الخارجية بيرنز أو السفير ساترفيلد. والمرجح أن تعلن الخارجية الأميركية تقديرها الإيجابي للتعاون مع سوريا، وتستمع أيضا إلى دانيال بايبي رئيس تحرير ميدل إيست كوار ترلي المعروف بمواقفه المعادية لسوريا، والخبير في شؤون الشرق الأوسط باتريك سيل المتفهم للسياسة السورية.

وقد تستمع اللجنة إلى ممثل فريق العمل من أجل لبنان الذي تموله وتحركه عناصر لبنانية من المهاجرين الموارنة، ومن قوى لبنانية منظمة في جماعات ضغط في أوساط الجالية المارونية في العالم (مؤتمر لوس أنجلوس الماروني), يقودها عناصر من مجموعات الجنرال ميشيل عون غادروا لبنان بسبب الملاحقات والأحكام القضائية، وعناصر من قادة الأجهزة الأمنية في القوات اللبنانية المنحلة المتهمين بتنفيذ تفجيرات وأعمال تخريب للأمن على أثر اعتقال قائد القوات سمير جعجع وصدور أحكام بحقه وبحق بعضهم، إضافة إلى بقايا مليشيات أنطوان لحد الذين هربوا إلى الخارج بسبب الأحكام القضائية التي صدرت بحقهم لتعاونهم مع المحتل الإسرائيلي. وقد كشفت الصحف تقارير عن محاولات لتنظيم صفوفهم كلوبيات ضغط في أفريقيا, إضافة إلى أميركا وأوروبا بالتنسيق مع أجهزة الأمن الإسرائيلية التي ما زالت تدفع لهم الرواتب والتعويضات وبعضها يحوّل عبر مصارف لبنان لأسرهم في لبنان.

الاستماع إلى مداخلة الجنرال عون لم تحسم بعد رغم الجهود والمحاولات الحثيثة التي يقوم بها أنصاره والمقربون منه لدى موظفين في الكونغرس وبعض أعضاء إيباك (اللوبي الصهيوني), مع العلم بأن عون يقوم بزيارة إلى واشنطن هذه الأيام تزامنا مع عقد جلسة الاستماع يوم 12/9 الجاري. والجدير ذكره أن معركة صامتة تقوم بين الجنرال عون وأعوانه في الخارج وفي بيروت من جهة وبين أنصار الرئيس السابق أمين الجميل من جهة ثانية، فالجميل بدوره يسعى لحصد نتائج الموقف الأميركي في الكونغرس أو الإدارة إذا ما تقرر اتخاذ إجراءات بحق سوريا. وكان الرئيس الجميل التقى نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رمسفيلد على مائدة العشاء في منزل الأخير. وقد صرح رمسفيلد أن استقباله للجميل واستضافته كان رد جميل للمعاملة الخاصة التي كان يلقاها من الحكومة اللبنانية أيام رئاسة الجميل ولا علاقة للأمر بقانون محاسبة سوريا أو لضغوط أميركية عليها.

انزعاج في لبنان وسوريا


لا تخفي أوساط لبنان وسوريا انزعاجها من توقيت جلسة الاستماع ومن الشخصيات التي سيتم استدعاؤها ومن الحملة التي تنظم على سوريا ولبنان في العالم وفي بيروت بإيحاء من بعض عناصر الإدارة الأميركية
لا تخفي أوساط لبنان وسوريا انزعاجها من توقيت جلسة الاستماع ومن الشخصيات التي سيتم استدعاؤها ومن الحملة التي تنظم على سوريا ولبنان في العالم وفي بيروت بإيحاء من بعض عناصر الإدارة الأميركية. كما يفسر الكثيرون هنا في بيروت أن عملية حزب الله الأخيرة التي استهدفت المواقع الإسرائيلية في مزارع شبعا جاءت في توقيتها وعنفها كتحذير بالنار، أو كما يقول العسكريون "استطلاع بالنار" وعمل استباقي لكشف النوايا "الأمروإسرائيلية" في ملف العلاقات السورية الأميركية، وبمثابة تذكير بأن لدى سوريا ولبنان الكثير من الأوراق التي يمكن استخدامها ردا على الحملة الأميركية من شأنها أن تحدث تغييرا حادا في التوازنات والأولويات وتعكس الاتجاهات التي تشغل معظم الملفات الأميركية التي تستهدف المنطقة العربية. وفي السياق نفسه يمكن تفسير حملة العلاقات العامة والنشاط الدبلوماسي الذي تشهده دمشق أو الذي تقوم به لجهة استقبال الوفود العربية الإيرانية، وتنشيط الجهود الإعلامية والدبلوماسية في المنطقة وفي المجتمع الأميركي والعالم، وكذلك تشدد السوريين وعلى لسان الرئيس بشار الأسد بأن سوريا لن تقبل ضرب العراق، وإقدام دمشق على توقيع اتفاقات اقتصادية واجتماعية جديدة مع بغداد, والزيارة التي قام بها الرئيس السوري للسعودية أثناء الحملة الإعلامية الأميركية عليها.

من المؤكد أن العلاقات السورية الأميركية ستتأثر كثيرا في حال إقرار القانون وبسبب الحملة التي تُشن ضد سوريا ولبنان والعلاقات السورية اللبنانية مترافقة مع تصريحات إسرائيلية وضغوط على أكثر من اتجاه.

رد الفعل السوري المتوقع

يشير الخبراء والعارفون بأوراق سوريا إلى أن تغييرا حادا في الموقف السوري دفع دمشق إلى مرحلة هجومية من شأنه أن يغير كثيرا من سياقات وتطور الأحداث، ويسوقون للدلالة على ذلك الوقائع التالية:


  • منظمات التطرف قادرة على إيجاد جسر سريع في البنية الاجتماعية والإثنية اللبنانية وفي الأزمة الاقتصادية والسياسية تقيم في لبنان وتجعله عرضة للانهيار بمجرد وقوع خطأ كبير في السياسة الأميركية، وعندها ستكون عناصر القاعدة على الحدود الجنوبية اللبنانية على خط اشتباك مباشر مع عمق المجتمع الصهيوني، ولن يكون لأميركا قدرة على مطاردتها في إندونيسيا وجبال أفغانستان وباكستان
    لسوريا دور مركزي في الحدث العراقي، وهي قادرة على تعطيل أي عمل عسكري ضد بغداد وقادرة على التعايش معه إن وقع, بل هي أكثر العناصر الإقليمية قدرة على إدارة ملف الأزمة في العراق بحيث يكون حاصل النتائج في صالحها، تماما كما حصل مع حرب الخليج الأولى والثانية، وفي تحسن العلاقات السورية العراقية التي لم يكن أحد يتوقع يوما أن تتطور إلى ما هي عليه اليوم، وحجم التداخل والتفاعل بين البيئة الشعبية والاجتماعية والعقائدية السورية العراقية.
  • وسوريا على علاقة تفاهم وود مع تركيا وقيادتها, والدولتان تعرفان تماما المخاطر التي تحملها ضربة للعراق تؤدي إلى انهيار وحدته الوطنية، وكلاهما يفضل العراق الحالي على عراق قوي أو عراق تقوده أدوات أميركية.
  • وسوريا وإيران على تنسيق إستراتيجي في معظم الملفات الخطرة من فلسطين إلى العراق إلى العلاقات العربية الإيرانية، وربما على تفاهم وانسجام واسع بشأن الملف العراقي منذ انتصار الثورة في إيران، وكلا البلدين له من التأثير الواسع في البنية الاجتماعية العراقية أكثر بكثير مما لأميركا وحلفائها.
  • ولسوريا علاقات قوية وتبادل منافع مع دول الخليج العربي لاسيما السعودية والإمارات والكويت.
  • وتعرف سوريا كيف تستثمر في النظام الرسمي العربي وفي الحركة الشعبية المشبعة عداء للأميركيين والإسرائيليين والمتحفزة لخلق تطورات وتغييرات كبيرة تحبل بها المنطقة العربية والكثير من النظم إذا ما أخطأ الأميركيون الحساب.
  • والأهم أن لسوريا دورا وباعا طويلا في الصراع العربي الصهيوني، فهي بالإضافة إلى مواقعها الأساسية على طول الجبهة الجنوبية الشرقية الممتدة من الناقورة اللبنانية إلي الحمة السورية وامتلاكها لأسلحة التدمير الشامل والقدرة الصاروخية على ضرب كل متر مربع في فلسطين، فإنها تضع ومنذ مدة طويلة في حسابها احتمال تدهور المواجهات وبلوغها نقطة اللاعودة حيث سيكون التدمير المتبادل والخسائر المهولة التي لن يقوى المجتمع الإسرائيلي على تحملها قط كما قال هذا الكلام صريحا الرئيس حافظ الأسد لوزير الخارجية الأميركية كرستوفر إبان أحداث العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1996 والذي انتهى إلى تفاهم نيسان وتكريس حق المقاومة بحماية المدنيين وتشريع ردها الصاروخي على المستوطنات الإسرائيلية في شمال فلسطين.
  • ثم إن المجتمع والاقتصاد السوري حصين في مواجهة الحصار الذي اعتاد عليه، إضافة إلى أنه ليس لسوريا علاقات اقتصادية قوية مع الشركات أو الاقتصاد الأميركي وسبق لها منذ مدة طويلة أن أعدت نفسها بإقامة علاقات اقتصادية متوازنة ومتعددة وعمقتها مع الدول الأوروبية والآسيوية على حساب العلاقة مع الاقتصاد الأميركي والاقتصاديات الحليفة، وبذلك لن تتأثر سوريا كثيرا من منع الشركات والصادرات الأميركية الاستثمار في سوريا.

وبالقياس نفسه فإن الحكومة السورية تبذل جهدا لتبرير علاقاتها الدبلوماسية وحوارها مع واشنطن لإقناع الشارع السوري الحيوي والمتوتر في عداء أميركا كما كشفت التظاهرات التي اجتاحت السفارة الأميركية إبان العدوان على العراق (ثعلب الصحراء). ولسوريا نقاط ارتكاز كثيرة في المجتمع الأميركي وفي بعض أعضاء الإدارة بعكس أميركا، كما أن السوريين ومنذ القدم يعتبرون قضية المقاومة اللبنانية والعلاقات السورية اللبنانية وقضية فلسطين والعلاقة مع المنظمات الفلسطينية المقاومة مسألة اجتماعية شعبية فردية وجماعية سورية لا يستطيع أي نظام أو حكومة العمل بغير اتجاه وبغير الإرادة الوطنية والقومية للشعب السوري الذي تميز بها منذ القدم، فالمطالب والإملاءات الأميركية التي تحاول إسقاطها على سوريا لجهة وقف المقاومة اللبنانية أو الضغط على المقاومة الفلسطينية وطرد الفصائل الفلسطينية من سوريا لا إمكانية لتحقيقها البتة بل لا تجرؤ حكومة سوريا على قبولها لأن قبولها سيعني انخراطها في المخطط الأميركي لتصفية الانتفاضة وتصفية المشروع العربي وإعادة هيكلة المنطقة جغرافيا وسياسيا بما في ذلك سوريا نفسها التي تعتبر بين أكثر الدول استهدافا.


سبق للكثير من الخبراء أن حذروا الإدارة الأميركية من أن الدور السوري في لبنان مطلوب أميركيا، وإذا تخلت سوريا عن جهدها لوقف الانهيار والتداعي فستجد القوى التي تبحث عن ملاذ وعن خط اشتباك مباشر مع إسرائيل وأميركا ضالتها في الحدود الجنوبية
العلاقات السورية الأميركية تشهد مرحلة شد حبال، وأمر تطورها سلبا متوقف على قرار الإدارة الأميركية، وإذا وقع المحذور وأخطأت أميركا التقدير واستعجلت صداما مع سوريا سيكون لذلك آثار كبيرة تشمل المنطقة ومستقبلها، فالمنطقة حبلى بالتطورات وتميد الأرض تحت المصالح الأميركية، والشارع العربي يترقب عبد الناصر الجديد، ودولة القاعدة، الأمر الذي يمكن أن يتوفر في سوريا ولبنان ونموذجهما لاسيما بعد انتصار الجنوب، فإن أخطأت أميركا فأغلب الظن أنها تكون دفعت سوريا ولبنان إلى هذا الموقع وتكون قد استعجلت تطورات تجعل من حربها على الإرهاب والحرب على العراق في خبر كان وجهدا بلا جدوى أو فاعلية، لأن ملف الصراع العربي الصهيوني سيتقدم كل الملفات ويشعل المنطقة ويشغل العالم.

وفي هذا السياق سبق للكثير من الخبراء أن حذروا الإدارة الأميركية من أن الدور السوري في لبنان مطلوب أميركيا، وإذا تخلت سوريا عن جهدها لوقف الانهيار والتداعي فستجد القوى التي تبحث عن ملاذ وعن خط اشتباك مباشر مع إسرائيل وأميركا ضالتها في الحدود الجنوبية، ومنظمات التطرف قادرة على إيجاد جسر سريع في البنية الاجتماعية والإثنية اللبنانية وفي الأزمة الاقتصادية والسياسية تقيم في لبنان وتجعله عرضة للانهيار بمجرد وقوع خطأ كبير في السياسة الأميركية، وعندها ستكون عناصر القاعدة على الحدود الجنوبية اللبنانية على خط اشتباك مباشر مع عمق المجتمع الصهيوني، ولن يكون لأميركا قدرة على مطاردتها في إندونيسيا وجبال أفغانستان وباكستان.
_______________
*محلل سياسي لبناني

المصدر : غير معروف