بقلم/ أكرم البني

-موقف أصحاب الامتيازات
-الرهان الخاسر!!
-المسألة الوطنية.. وتبادل المواقع!!
-إلحاح دوافع التغيير

ثمة وجهتا نظر تتبلوران الآن في سوريا لرسم خياراتها السياسية حول شكل الرد أو التعاطي مع الضغوط والاشتراطات الأميركية.

تبدي وجهة النظر الأولى ميلاً نحو التحلل من الالتزامات الخارجية يصل حد التضحية بالدور الإقليمي أو ببعضه على الأقل لتهدئة الخواطر والاندفاعات العدوانية، والرهان على نجاح الحوار والتفاهم مع الولايات المتحدة في إبقاء البنية الداخلية السورية بمنأى عن التأثر والتغيير.

أما وجهة النظر الثانية فتعتبر أن المرونة السياسية مرونة مشروعة في اللحظة الراهنة، شريطة كسب الوقت من أجل تحصين البيت الداخلي ديمقراطياً والاستقواء بالإرادة الشعبية في مواجهة ما يستجد من تهديدات أميركية أو صهيونية.

موقف أصحاب الامتيازات

يلتف حول الرأي الأول نخبة من أصحاب المصالح والامتيازات والدائرين في فلكهم. هؤلاء لا يهمهم ما ينتظر الوطن من إذلال وامتهان كرامة من جراء الاشتراطات والإملاءات الأميركية طالما بقوا في مواقعهم وسلمت مصالحهم ومكاسبهم.

الطريف أن هذه النخبة بدأت اليوم تخاطب "عقل المجتمع" وتدافع عن خيارها وفق منهج علمي يدعو إلى قراءة موضوعية لجديد اللحظة الراهنة وإلى تلمس المتغير النوعي في توازن القوى بعد سقوط العراق، ويخلصون إلى أن ما تملكه سوريا من قوى ذاتية وتحالفات عالمية وإقليمية -في ظل اهتراء النظام السياسي العربي وانحسار الدورين الروسي والإيراني الداعمين لها تاريخياً- لا يمكّنها من التشدد أو الممانعة أو مقاومة حصار اقتصادي، فكيف الانجرار إلى مغامرة عسكرية؟!

ويرى هؤلاء ضرورة الانحناء أمام العاصفة والتعاطي المرن أو التكيف مع الجديد الحاصل، ولا يجدون أي ضير في تقديم تنازلات أضحت برأيهم "أوراقاً محروقة" يلهون بها الدب الأميركي ويبعدونه عن كرمهم، مثل الإحجام عن التدخل في الشؤون العراقية أو الفلسطينية مع الموافقة الصريحة والواضحة على خارطة الطريق، ومثل رفع الدعم السياسي والمعنوي عن حزب الله بما يوفر فرصة سانحة أمام السلطة اللبنانية لسحب سلاحه وتحجيم دوره في الجنوب.

ولا يغير من هذه الحقيقة ما يبدونه من تردد حول سحب الجيش السوري من لبنان، إذ إن كل شيء في نهاية المطاف قابل للتفاوض طالما "يثقون" في قدرتهم على "لي الذراع" الأميركية!! وإبقاء البنية الداخلية السورية بعيداً عن الخضوع لاشتراطات واشنطن، خاصة إذا صحت المعلومات التي نشرتها مجلة المشاهد السياسي تحت عنوان "وصايا واشنطن العشر لدمشق" (بتاريخ 27/4) عن جذرية المطالب الأميركية في تغيير الوضع السياسي الداخلي في سوريا تصل إلى.. "الرغبة في إحالة المعسكر القديم في السلطة برمته إلى التقاعد" و"إجراء انتخابات نيابية وبلدية تحت إشراف ورقابة دولية" و"إقرار تعددية حقيقية تسمح بعودة الأحزاب التقليدية كافة إلى الساحة السياسية".

هناك عدد من العوامل شجعت أصحاب هذا الرأي وأزكت طموحهم لتحقيق ما يسمونه "حلا وسطاً" أو تفاهما مع الإدارة الأميركية:

  1. اطمئنانهم إلى براغماتية السياسة الأميركية وأن ما تحمله من وعود لتغيير البنى المجتمعية العربية هو مجرد ذريعة لتمرير مصالحها وتعزيز سيطرتها، وأن ما أثارته وتثيره حول واقع الحريات وحقوق الإنسان في سوريا ليس أكثر من وسيلة ابتزاز لانتزاع مزيد من التنازلات على صعيد تحجيم الدور الإقليمي السوري.
  2. إحساسهم بأن مطالب واشنطن ليست على مستوى واحدة وأن ثمة تباينا واضحا في درجات إلحاحها على كل مطلب، إذ يقع في رأس أولوياتها كف اليد السورية عن التدخل في شؤون العراق لهضم انتصارها دون عسر، يليه تحييد الموقف السوري من المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بما في ذلك تأييد مشروع خارطة الطريق، ثم يأتي -برأيهم- في المرتبة الثالثة سحب الجيش السوري من لبنان بالترافق مع نزع أسنان حزب الله. غير أنهم يعتقدون أن المطالب التي تدعو إلى القيام بإصلاح سياسي واقتصادي في الوضع الداخلي السوري تقع في ذيل الاهتمامات.
    ويستقوي أصحاب هذا الرأي بسوابق مارستها واشنطن وتصح عندهم للقياس والمقارنة حين سكتت عن بؤس الحياة الديمقراطية في بعض البلدان بعد أن تم تطويعها واحتواء دورها وسياساتها الخارجية ضمن الحقل العام للسياسة الأميركية.
  3. تبرير ما يقدم من تنازلات بوصفه خيار الأمر الواقع ورهانا على عامل الوقت وما يمكن أن يحمله من تطورات غير منظورة تربك أميركا أو تضعف إرادتها وتشغلها عن الوضع السوري، تبدأ أولاً باحتمال تعثر سيطرة قوات التحالف على العراق حيث إن عدم استقرار الأوضاع هناك واستمرار العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية يصب في مصلحة دمشق طالما ينجح المسؤولون السوريون في تبرئة أنفسهم من أي دعم أو مساندة تقدم إلى المقاومين العراقيين!!
    ويأتي ثانياً احتمال فشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وانهيار خارطة الطريق وهدم ركائزها الفلسطينية، إذ يجمع المراقبون أن عجز الثنائي أبو مازن-شارون عن إخراج الوضع الفلسطيني من مأزقه يعود على النظام السوري بفائدة كبيرة طالما تأكدت واشنطن أيضاً من تحقق مطلبها حول إخراج الوجود السياسي الفلسطيني المعارض لمخططات التسوية الأميركية من دمشق (قيادتا الجبهتين الشعبية والديمقراطية وممثلو حركتي حماس والجهاد الإسلامي).
    وثالثاً كسب الوقت الضائع مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية التي تطرق الأبواب وما يترتب على ذلك من همود وانحسار فاعلية السياسة الخارجية الأميركية، جنباً إلى جنب مع تسريع الخطوات نحو تعزيز العلاقات السورية مع أطراف التحالف الأوروبي-الروسي والاستقواء بهذا الأخير في مواجهة إرادة الهيمنة الأميركية.

الرهان الخاسر!!


الرغبة الأميركية في إجراء تغيير على صعيد طرائق الحياة السياسية في بلدان المنطقة تحمل هذه المرة قسطاً كبيراً من الجدية والعزم

إن المتضررين من الانفتاح الديمقراطي كثر وهم قادرون على ابتكار أشكال متنوعة من الممانعة، لكن المخاطر التي تهدد المجتمع السوري بعد احتلال العراق باتت مخاطر نوعية لن ترحم أحداً، وتتطلب ولو لمرة واحدة تغليب المصلحة العليا للوطن على المصالح الخاصة الضيقة والفئوية، خاصة أن الرهان على تحييد الوضع الداخلي وتثبيت ركائزه هو في نهاية المطاف رهان خاسر.

إن كل مطلع على تاريخ السياسة الخارجية السورية لن يجد أي جديد في تعاطيها مع المشكلات والأزمات الراهنة، ولعل أهم معالم نهجها القديم الجديد في مواجهة ما يهددها بخسارة إحدى أوراق قوتها، هو اعتماد سياسة المماطلة والتسويف والرهان على عامل الوقت في محاولة لتجيير ما يستجد من أحداث وتطورات لصالحها.

لكن للأسف يجب التنبه إلى أن إدارة مثل هذه الأزمات في ظل النظام العالمي الجديد وبعد الوجود العسكري الأميركي في العراق يفترض أن تكون مختلفة نوعياً عن النهج والأساليب القديمة. فإذا نجحت السياسة الخارجية السورية بعقلية وأساليب الماضي في كسب جولات معروفة في غير ما زمان ومكان عززت حضورها الإقليمي وأعادت تمسكها بأوراق قوتها، فإن تلك الأساليب لن تجدي نفعاً اليوم بل قد تفضي إلى عكس النتائج المتوخاة وتدفع الأزمة إلى ذروة قاتلة أو إلى نقطة اللاعودة!! (يحلو للبعض هنا دون أن يأخذ في اعتباره اختلاف الشروط والظروف نوعياً، أن يستشهد بسلوك النظام السوري بعدما أكره على التراجع خطوة فور الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ليتقدم إثرها خطوتين في حربي الجبل والضاحية إلى أن أسقط اتفاقية 17 مايو/ أيار).

الحقيقة أن مناورات البلدان الصغيرة في ظل النظام العالمي ثنائي القطبية كانت أكثر سعة وسهولة وجدوى من نظام أحادي منفلت من عقاله كما هو في اللحظة الراهنة. وبالتالي يفترض لنجاح أي مناورة اليوم أن تأخذ في اعتبارها حقيقة توازن القوى الجديد الحاصل وطوق الحصار شبه المحكم الذي أحاط بالساحة السورية، كي لا تغدو نوعاً من المغامرة أو المجازفة غير محسوبة النتائج. ثم يفترض أن لا نحيل رغباتنا وقائع وأن لا نغفل عمق المصالح وقوة الدوافع وراء الحضور العسكري الأميركي المباشر في المنطقة، بما يعني اختيار أسلم الطرائق وأنجعها للحد من نفوذه دون دفع الأمور إلى حافة الهاوية.

وأيضاً أن لا نغفل أن الرغبة الأميركية في إجراء تغيير على صعيد طرائق الحياة السياسية في بلدان المنطقة تحمل هذه المرة قسطاً كبيراً من الجدية والعزم. وكي لا يتسرع البعض في استنتاجاته ويصطاد في الماء العكر، ينبغي التأكيد أن هذه الجدية لا تعود إلى جذر مبدئي بل إلى الأساس ذاته الذي يحكم السياسات الأميركية -حسابات المصالح والمنافع- كونها تلتقي في العمق مع مصالح واشنطن في إتمام حملتها المحمومة ضد التطرف والأصولية الإسلامية.

يرى القائمون في البيت الأبيض أن المناخ الليبرالي هو أحد العوامل المساعدة على تجفيف منابع الإرهاب وتخفيف ردود الأفعال الحادة والعنيفة المعادية للولايات المتحدة والتي تجلت في أعنف صورها بتدمير برجي التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن.

من جهة أخرى لا يمكن قياس واقع الساحة السورية على أي نموذج أو تجربة أخرى مهما كثرت عناصر التشابه، فالخصوصية السورية تأخذ أهم وجوهها من الصراع التاريخي مع العدو الصهيوني، بما يعني خطل وخطورة قراءة حركة السياسة الأميركية وضغوطها على سوريا بمعزل عن مصالح وأهداف دولة إسرائيل.

وهذه الأخيرة ستضع على الطاولة أقصى ما تطمح إليه ولن تكتفي بما يقدم من تنازلات إذا اكتفت واشنطن، بل إنها لن تكل أو تمل من العمل على استثمار التغير الحاصل بعد سقوط العراق كي تضعف الموقعين السوري واللبناني بما في ذلك تأليب أميركا وحفزها على ممارسة مزيد من الضغوط لإجبار سوريا -في شروط توازن القوى الراهن- على إبرام معاهدة سلام تحقق كل أهداف إسرائيل الإقليمية ومطامعها في الجولان المحتل، الأمر الذي يترك الباب مفتوحاً لمتوالية من الاشتراطات والإملاءات وبالتالي التنازلات التي تهدد بنية المجتمع السوري في الصميم.

المسألة الوطنية.. تبادل المواقع!!

من المفارقات المدهشة في سوريا أن معظم القوى السياسية المعارضة والموالية للنظام تعترف ضمناً أو جهراً بالنجاح الذي حققته السلطة السورية في العقود الأخيرة على صعيد إنماء الدور والنفوذ الإقليمين، وأنها استطاعت أخيراً إخراج البلاد من لعبة "الصراع على سوريا" كما عنون باتريك سيل كتابه الشهير، الأمر الذي دفع خالد بكداش أحد حلفاء النظام والأمين العام للحزب الشيوعي السوري إلى بناء سياسة خاصة -عرفت باسم السياسة الوطنية- تدعو إلى مساندة الموقف الخارجي للنظام واحترام ثوابته الوطنية على حساب معالجة فساد واهتراء الوضع الداخلي، مسوغاً ذلك أمام أنصاره بمقولته الشهيرة "لو أردنا أن ننطلق من الوضع الداخلي لكنا في المعارضة"!!

وبالتالي لم يكن مستغرباً أو مفاجئاً في ضوء تسويغ بعض المسؤولين السوريين لعملية التنازلات عن الدور الإقليمي أن نسمع اليوم أصواتاً من داخل حزب البعث الحاكم أو أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية تنادي بالتغيير الديمقراطي وتساند -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- ما تدعو إليه القوى المعارضة وأعداد كبيرة من المثقفين الديمقراطيين.

توصل هؤلاء في ضوء الدرس المؤلم المستخلص من الحرب على العراق إلى أن المجتمع الضعيف والمتخلف يحتاج أولاً وقبل أي شيء إلى الحريات واحترام التنوع الفكري والسياسي، وأبرزوا خطورة إقصاء أي من القوى الاجتماعية والسياسية بسبب تعارض أفكارها وسياساتها مع سياسات السلطة السائدة.. كل ذلك من أجل تحصين البيت جيداً وتمكينه من مقاومة الضغوط والاشتراطات المتزايدة.

وأجمعت المواقف السياسية الرافضة للتهديد والضغط الأميركي على أن اللحظة الراهنة باتت تستدعي وبإلحاح ضرورة إجراء تغيير شامل في المجتمع السوري يقضي بإزاحة حالة التسلط والاحتكار عن ساحة النشاط السياسي، والانفتاح على الآخر وإرساء قواعد العمل الديمقراطي في علاقة السلطة مع الدولة والمجتمع على حد سواء.

في ضوء ما سبق تكررت في الآونة الأخيرة وتواترت ظاهرة الرسائل والعرائض الصادرة عن جهات متنوعة من منظمات معارضة ومثقفين ديمقراطيين من داخل سوريا وخارجها، تطالب بإجراء تغيير شامل في المجتمع وبعث الروح في مسار الإصلاح الديمقراطي. منها ما جاء بمثابة تحذير للإدارة الأميركية من مغبة الاعتداء على سوريا أو خوض عمل عسكري شبيه بما جرى في العراق، وبعضها خاطب الرأي العام شارحاً خطورة المرحلة وأهمية الموقع الذي يحتله الشعب في المواجهة والتصدي للتهديدات الأميركية.

وآخر هذه الرسائل رسالة وجهها إلى الرئيس السوري 287 مثقفا وناشطا سياسيا وشخصيات اجتماعية ومهنية فاعلة في المجتمع، تدعو إلى "إصلاح وطني شامل لتحصين البلاد في مواجهة تبدل المعطيات الإستراتيجية التي تحيط بسوريا"، وتجد "أن التصدي للخطر المتربص وعلاج أمراضنا يحتاج سياسة إنقاذية تكثفها مجموعة من المطالب كالإفراج عن جميع السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي والضمير والسماح بعودة المنفيين وتسوية أوضاع المواطنين المحرومين من الجنسية أو الحقوق المدنية"، و"إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية ومنع تدخل الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية إلا في إطار القانون وتحت رقابته"، وأيضاً "إطلاق حرية الرأي والتعبير والاجتماع والعمل النقابي والسياسي".

وأخيراً "دعت الرسالة إلى عقد مؤتمر وطني عام تحضره كافة الشخصيات والقوى السياسية يبحث في نهج ووسائل تعزيز الوحدة الوطنية وسبل إخراج البلاد من أزماتها".. (يمكن العودة إلى نص الرسالة وأسماء الموقعين عليها في جريدة السفير عدد 3/6/2003).

إلحاح دوافع التغيير


نموذج الدولة الأمنية المركزية القاهرة ما هو إلا صورة خارجية لبناء هش ينخره الفساد والقمع، والانفتاح الديمقراطي هو العلاج الوحيد الناجع للخروج من دوامة هذه الأزمة
تباينت دوافع وأسباب المطالبين بالانفتاح والديمقراطية في سوريا بعد النتائج المأساوية التي تمخضت عن الاحتلال الأميركي للعراق وأضحت حركتهم واضحة وصريحة تكسب إلى صفوفها كل يوم أنصاراً جدداً. لكن هذه الصورة الجديدة ما كان لها أن تظهر بمثل هذا التميز لو لم تستند إلى حوافز موضوعية جديدة:

  1. احتلال العراق وانهيار مقاومته السريع ربطاً مع ظواهر اللامبالاة والسلبية الشعبية، واستسلام قادة الجيش والحرس الجمهوري وهرب القيادة المتنفذة إضافة إلى مظاهر الفساد والثراء الفاحش الذي تنعم به أعوان النظام على حساب مواطن فقير عانى الأمرين، وأيضاً صور المقابر الجماعية وآثار القمع الوحشي الذي مورس بحق شعب العراق وقواه الحية.. كل ذلك انعكس بقوة على المجتمع السوري شعبياً وسياسياً، وهز بعنف "الصورة الراسخة أو المرسخة" عن نموذج الحكم وأسلوب علاقة السلطة مع مؤسسات الدولة والمجتمع المستندة إلى ذات طرائق الحكم الشمولي الذي عرفته "البلدان الاشتراكية السابقة".
    هّزت الحرب على العراق هذه البنية هّزاً عنيفاً إن لم نقل أسقطتها تاريخياً في منطقتنا بعد سقوطها المدوي في شرق أوربا، وبرهنت بالملموس أن نموذج الدولة الأمنية المركزية -القوية والقاهرة- ما هو إلا صورة خارجية لبناء هش ينخره الفساد والقمع، وأن الانفتاح الديمقراطي هو العلاج الوحيد الناجع للخروج من دوامة هذه الأزمة، الأمر الذي كبل أيادي أصحاب المصالح والامتيازات المدافعين عن القديم وأضعف ممانعتهم كما ردع جشع الفاسدين والمفسدين أكثر الفئات شراسة في الحفاظ على ما هو قائم.
  2. جاءت التهديدات الأميركية ومن ثم الضغوط والاشتراطات الصريحة على سوريا لتزيد من اهتزاز الوضع وتحث على العودة إلى صيغ الحوار حول أهمية المخرج الديمقراطي وأولويته، دون أن يغير من هذه الحقيقة الادعاءات الأميركية عن التنمية والديمقراطية أو النجاح الذي حصدته المرونة الدبلوماسية السورية بالتكيف مع المطالب الأميركية والتخفيف من حدتها ولو إلى حين.
    ويرى الكثيرون أن محاولات التخفيف من أثر الضغوط الأميركية عبر كسب ود واشنطن والاستجابة لبعض مطالبها الإقليمية لن تجدي نفعاً وكل خطوة إلى الوراء ستجر خلفها خطوات، وأن النفع يأتي من الالتفات إلى الخيار الداخلي والاهتمام جدياً بعملية الإصلاح الديمقراطي. فالتجربة العراقية برهنت بالملموس أن حرية الوطن وقوته تتكامل مع حرية المواطن وكرامته، وأن من المحال حماية الاستقلال وصون الكرامة الوطنية والذود عن الأرض إذا سادت روح قهرية إلغائية تحجب حرية الآخر وحقوقه في الرأي والمشاركة أو تسحق شعوره الإنساني بالانتماء الطبيعي المتساوي.
  3. أعادت نتائج الحرب على العراق الأوضاع الاقتصادية السورية إلى سابق صعوباتها مع نهاية شهر عسل الانفتاح على حاجات السوق العراقية، ما ساهم موضوعياً في تشديد ضغوط التغيير بغرض توفير المناخ المناسب لجذب الرساميل العربية والعالمية. والمعروف أن لا مصلحة لأي مستثمر في توظيف رؤوس أمواله إذا لم يضمن حماية قانونية ومناخا سياسيا يحد من وصاية السلطات التنفيذية على أنشطة الحياة الاقتصادية.

إذن فالحرب على العراق التي أكدت الأهمية الحيوية للديمقراطية في مجتمعنا، أكدت أيضاً صحة وإلحاح الأسباب والدوافع التي دعت إلى التغيير والإصلاح السياسي، وأن ما شهده هذا الأخير من تراجع وانحسار عاد بضرر كبير على المجتمع وإمكانياته على المواجهة، الأمر الذي يضع على عاتق السلطة من جديد، المسؤولية الأولى والإدراك المبكر لضرورة بعث الإصلاحات الديمقراطية كضرورة حيوية للوطن ككل، تهيئ المناخ المناسب لمساهمة الجميع في الرد على مختلف الضغوط السياسية والاقتصادية ومقاومتها، دون أن نغفل أن مثل هذا التغيير الديمقراطي لن يتم بقرار أو بنفحة واحدة، لكن اتخاذ القرار أمر هام وضروري لإظهار إرادة التغيير وزرع الأمل في النفوس.

وبالتالي فإن شعور الإنسان بالحرية وبجدوى انتمائه لوطنه، هو صمام أمان التماسك الداخلي وهو القاعدة السليمة لتفاعل كل القوى الاجتماعية والسياسية وتالياً لاستنهاضها واستقطابها في خدمة الأهداف الوطنية العليا، وبالمقابل يعرف الجميع أن إغلاق ساحة العمل السياسي وخنق الحريات العامة هو بمثابة التربة الخصبة لنمو ظواهر اللامبالاة والسلبية عند الناس، وهو الذي سيجر من دوامة اللاجدوى واليأس مظاهر التعصب والتطرف والعنف، ويشجع على الاندفاعات المرضية للاستقواء "بالشيطان"!!

إن الأزمة لم تنته وإن هدأت حمى التهديدات الأميركية، وإن ما تعيشه سوريا اليوم ليس أكثر من فرصة أو مهلة زمنية تساوي بضعة أشهر كي يثبت المسؤولون السوريون حسن نواياهم وينجزوا ما وعدوا به، مما يعني أن المجتمع يقف الآن على مفترق: إما التجاوب مع ضرورات التحول الديمقراطي وتحصين البيت جيداً، أو الإصرار على الإرجاء والتسويف والرهان على تهدئة الأميركيين ببعض التنازلات.

وكم تحز بالنفس تلك الابتسامة المفعمة بالمرارة والصمت العميق التي ارتسمت على شفاه أحد البغداديين البسطاء عندما سأله أحد الصحفيين عن سبب غياب أي تهيئة أو استعداد لدى سكان العاصمة العراقية لمقاومة الأميركيين!!
__________________
كاتب ومحلل سياسي سوري

المصدر : الجزيرة