بقلم غراهام فولر

للصين مخاوفها الداخلية من الإسلام وخصوصا مع وجود حوالي ثمانية ملايين مسلم من اليوغور الأتراك الذين يشعرون باستياء شديد من وضعهم ويخشون من أن يتم إغراقهم في بحر من السكان الصينيين الهان الذين يتزايدون في مناطق اليوغور. ونتيجة لذلك ظهرت بين اليوغور حركة تحرير وطني تزداد عنفا يوما بعد يوم وهي حركة ينخرط فيها علمانيون وإسلاميون على حد سواء.

وتسعى الصين إلى التعاون مع جميع جيرانها: كزاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وباكستان لمنع اليوغور من القيام بأنشطة سياسية على أراضي هذه الدول كما تطالبها بتسليمها كل النشطاء السياسيين من اليوغور الذين يعملون في الدول المجاورة. والحق أن هذه الدول التي لغالبيتها علاقات تجارية مع الصين وتحصل على مساعدات منها، قد تعاونت مع بكين في هذه المسألة وسلمت الصين الكثيرين من نشطاء اليوغور حيث تم إيداعهم السجن أو أنهم أعدموا.


شكلت الصين منتدى شنغهاي للتنسيق مع الدول المجاورة في المعلومات الأمنية وهدف الصين الرئيسي من هذا المنتدى جمع المعلومات الاستخبارية عن أنشطة اليوغور في الخارج

لقد شعرت الصين بالقلق الكبير من مشكلة اليوغور وطموحاتهم الانفصالية مما جعلها تشكل قبل عدة سنوات منظمة شنغهاي للتعاون (منتدى شنغهاي) من أجل التنسيق في المعلومات الأمنية بين الدول الأعضاء وهي الصين وروسيا وقرغيزيا وأوزبكستان وطاجيكستان وكزاخستان. وبالنسبة للصين فإن هدفها الرئيسي من هذه المنظمة هو جمع معلومات استخبارية عن كل أنشطة اليوغور خارج الصين. وقد نجحت الصين في هذه السياسة نجاحا كبيرا حتى الآن. وكان هذا هو السبب الذي دفع الصين إلى الموافقة على الحرب التي أعلنها جورج بوش على الإرهاب. وقد أعلنت الصين أن لديها مشكلتها الخاصة بها في موضوع الإرهاب وهي مشكلة (اليوغور) وطالبت بدعم دولي لحملتها الأمنية القوية عليهم والتي تستخدم فيها قوات الشرطة والجيش في العملية التي أسمتها "اضرب بقسوة".

وهكذا فإن الصين، مثل كثير من الدول الديكتاتورية في آسيا الوسطى وبقية العالم الإسلامي، تخشى من قوة الإسلام الذي تعتبره مصدر دعم أيدولوجي للأقليات المسلمة التي تكافح من أجل الحكم الذاتي أو الانفصال عن الدول غير المسلمة.

وبالطبع فإن الصين ومنذ سنوات طويلة تريد أن تكون زعيمة للعالم الثالث إذ لعبت قبل خمسين عاما دورا مهما في تأسيس حركة عدم الانحياز. وفي ذلك الوقت كانت الصين تصنف ضمن الدول النامية والشعوب "المضطهدة" من الدول المتقدمة. لكن الصين ظلت تعمل على تغيير صورتها خلال السنوات الخمس إلى العشر الماضية وهي الآن لم تعد تعتبر نفسها جزءا من العالم الثالث وإنما تعتقد أنها دخلت عالم الدول المتقدمة. إنها تفقد صورتها الثورية وهي الآن أقل انجذابا لدعم الحركات الثورية في العالم. ولذلك فإن الصين الآن أقل اهتماما بدعم حركات التحرر الوطني في أي مكان في العالم وخصوصا أن لديها حركتين منها وهما حركتا اليوغور والتبت اللتان تناضلان داخل الصين نفسها من أجل الاستقلال.


الصين تشعر بالقلق من الحركات الجهادية التي تتمركز في باكستان وأفغانستان وتعتقد أن وجود هذه الحركات ينمي ويعزز حركة المسلمين اليوغور من أجل الانفصال عن الصين

كانت الصين على الدوام تعتبر باكستان حليفا إستراتيجيا رئيسيا لها ضد أكبر خصم لبكين في المنطقة وهي الهند، وربما ساعدت باكستان في تطوير قدراتها النووية خلال السنوات الماضية. لكن الصين اليوم قلقة من الحركات الجهادية في باكستان وأفغانستان (التي كانت باكستان تدعمها في السابق) والتي يمكن أن تهدد الصين نفسها. وكان هناك بعض اليوغور في عدد من قواعد التدريب في أفغانستان وربما كان عدد منهم في تنظيم القاعدة نفسها، ولذلك اتسمت علاقات الصين مع باكستان في السنوات الأخيرة بشيء من البرود. كما أن بكين تشعر بقلق آخر من كشمير، فعلى الرغم من أن الصين تشعر بارتياح من الضغط الذي يقع على الهند هناك، فإنها قلقة من احتمال أن تؤثر الحركات الإسلامية الجهادية في كشمير على الجو العام في المنطقة وفي الصين نفسها.

كانت الصين خاسرا إستراتيجيا كبيرا في الحرب على الإرهاب. لكن الخبر السار بالنسبة لها هو أن الخطر الذي يهددها من المجاهدين في آسيا الوسطى أصبح الآن أقل. إلا أن الخبر السيئ هو أن منظمة شنغهاي للتعاون لم تعد تلعب دورا أمنيا مهما. وقد تكون الصين كسبت بعض الدعم الدولي الجديد في "الحرب على الإرهاب" التي تشنها على اليوغور، لكن الوجود الأميركي الجديد في منطقة آسيا الوسطى قلل من الدور الذي تلعبه منظمة شنغهاي للتعاون مما جعله الآن يبدو غير ضروري في ظل الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة بحثا عن راديكاليين إسلاميين في المنطقة. كما أن روسيا هي الأخرى تتعاون مع واشنطن أكثر من تعاونها مع الصين في هذه المسائل.

والواقع أن الدول الآسيوية قد تكرس في المستقبل مزيدا من جهودها للتعاون ضد القوى الإسلامية في المنطقة، فروسيا والصين قلقتان من الخطر الذي يمثله انفصال المسلمين فيهما عن الدولتين وقد تلعب هذه المسألة دورا رئيسيا في علاقاتهما المستقبلية مع العالم الإسلامي. ولهما الحق في أن تقلقا لأنني أعتقد أننا سنشهد في المستقبل عنفا متزايدا في الصين وروسيا من مسلمين غير راضين عن وضعهم في هذين البلدين اللذين يبدوان عازمين على سحق تطلعات المسلمين نحو حكم ذاتي ثقافي. إن روسيا تعاني من الحرب في الشيشان اليوم، لكن من المحتمل أن ينتشر استياء المسلمين ليعم مناطق أخرى في شمال القوقاز مثل داغستان. أما التتار وسط روسيا فلم يتحولوا بعد إلى العنف لكننا نرى عاما بعد عام وعيا متزايدا بهويتهم القومية والإسلامية، وهو ما يثير القلق لدى موسكو.

وماذا عن الشرق الأوسط؟ إن الصين مازالت تدعم حلا عادلا للقضية الفلسطينية لكنها لم تعد تقم بأي دور قيادي على الساحة الدولية من شأنه أن يدعم الفلسطينيين. كما أن بكين لا تفضل اتخاذ واشنطن لإجراءات عسكرية من جانب واحد ضد الرئيس العراقي صدام حسين لكن تعاطفها معه أصبح قليلا وتعتبره قوة سلبية في المنطقة. وربما لن تقوم الصين بجهود كبيرة لوقف أو إدانة أي عمل عسكري أميركي ضد العراق في المستقبل.

أعتقد أن الصين يمكن مع ذلك أن تلعب دورا أمنيا مهما في منطقة الخليج، فمشتريات الصين من الطاقة من الخارج تتنامى بأسرع مما هو عليه الحال في أي بلد آخر. إن مشتريات الغرب من النفط تبقى مستقرة نسبيا لكن احتياجات الصين تتزايد مع تطور قدراتها الصناعية وخصوصا مع الاستثمارات اليابانية والأميركية فيها. ولذلك فإن الصين تريد ضمان تدفق آمن للنفط من منطقة الخليج إلى آسيا، كما أنها مهتمة بالاستثمار في خطوط النفط من منطقة بحر قزوين إلى الصين عبر كزاخستان.


يمكن للصين أن تلعب في المستقبل دورا أمنيا مهما في منطقة الخليج بديلا عن الحضور الأميركي في حال برود العلاقات بين واشنطن ودول المنطقة، فيمكن أن تقدم ضمانات أمنية أو نوعا من الحماية لهذه الدول مقابل ضمان حصولها على النفط الذي تحتاجه لصناعاتها

إلا أن هذا احتمال مثير للاهتمام، فلو أصاب البرود العلاقات الإستراتيجية بين واشنطن والسعودية أو دول الخليج الأخرى في المستقبل بسبب القضية الفلسطينية أو الاختلافات بشأن الحرب على الإرهاب، فقد تصبح بكين مهتمة بتطوير ترتيباتها الأمنية الخاصة بها في الخليج مثل ترتيب اتفاق للحصول على إمدادات نفطية ثابتة من الخليج مقابل تقديم دعم أمني صيني أو تقديم أسلحة أو تدريب أو حتى ضمانات أمنية من بكين لدول المنطقة. لكن هذا ليس احتمالا قويا الآن لكني لا أستثنيه في المستقبل إذا أصبحت تكلفة العلاقات مع الولايات المتحدة عالية جدا من الناحية السياسية بالنسبة لدول الخليج.

وهناك احتمال آخر قائم، وهو أن يبدي العالم الإسلامي مزيدا من الاهتمام في محنة اليوغور أو الكشميريين أو الشيشان أو التتار أو المورو أو مسلمي آسيا الآخرين. لقد كان العالم الإسلامي غير مدرك نسبيا أو غير مهتم بهذه المناطق حتى وقت قريب جدا، والإسلاميون هم الذين ركزوا الانتباه على تلك المناطق. فهل سيلتفت مجاهدو المستقبل إلى هذه المناطق التفاتا جادا؟ وهل سيقع اللوم على الصين وروسيا بسبب اضطهاد المسلمين وهي تهمة يحتكرها الأميركان والإسرائيليون حتى الآن؟ وهل يمارس المسلمون معايير مزدوجة بشأن هذه المسألة؟

المصدر : غير معروف