* بقلم/ برهان غليون

كانت الولايات المتحدة الأميركية تعتمد للحفاظ على مصالحها الكبرى في الشرق الأوسط على إستراتيجية تقليدية لم تتغير منذ الحرب العالمية الثانية كثيرا بالرغم من التعديلات العميقة التي طرأت عليها بسبب ما أصابها من نكسات. وكان هدف هذه الإستراتيجية الرئيسي هو الحفاظ على الوضع القائم، بما يعنيه ذلك من الحيلولة ما أمكن دون حصول تغييرات ذات مغزى داخل كل قُطر وعلى المستوى الإقليمي.


لم تبد الولايات المتحدة الأميركية أي اهتمام بتشجيع قيام قوى اقتصادية أو سياسية ولم تدعم لا فكريا ولا إعلاميا ولا عمليا قيام مثل هذه القوى

كما كانت خيارات الإستراتيجية الأميركية في المنطقة مرتبطة بتحقيق هذا الهدف. وكان ذلك يعني أولا الحيلولة دون أي تغيير سياسي داخل البلدان العربية، وبالتالي تبني موقف أو مبدأ الدعم الكامل وغير المشروط لجميع النظم العربية، مهما كانت طبيعتها وأساليب الحكم التي تتبعها، ومعاملتها لمواطنيها طالما لم تتعرض مصالح الولايات المتحدة لأي خطر أو مس.

كما كان يعني أيضا كخيار ثان منع أي تغيير جيوسياسي يؤثر في معادلات القوة الإقليمية، وبالتالي الوقوف بحزم ضد جميع حركات التغيير الوطنية والقومية العربية التي عصفت بالمنطقة العربية خلال الخمسينيات والستينيات والقضاء عليها وعلى الأفكار التي تبثها أو تعيش عليها.

وكان يعني كخيار ثالث أيضا حفاظ واشنطن في مسألة الصراع العربي الإسرائيلي الطويل على تفوق إسرائيل كمصلحة أميركية عليا ودعمها ضد أي قوة عربية معادية أو صديقة تفكر في إضعافها أو فرض تنازلات عليها.

وانسجاما مع الهدف الإستراتيجي الرئيسي جاءت فكرة ربط بلدان المنطقة بالأحلاف العسكرية الغربية مثل حلف بغداد في الخمسينيات. ثم بعد انهيار إمكانية بناء مثل هذه الأحلاف أمام تصاعد قوة الحركة الوطنية والقومية العربية في الستينيات، تكوين محور من الأنظمة التقليدية القريبة في تصوراتها ومصالحها من الأفكار الأميركية والغربية واعتمادها كقاعدة لمواجهة النظم التقدمية التي كانت تتلقى الدعم السوفياتي خلال حقبة الحرب الباردة.

لكن حتى بعد انتهاء هذه الحرب لم تغير الولايات المتحدة خطها في هذا المجال، واستمرت في مراهنتها لتحقيق الاستقرار الإقليمي على دعم الأنظمة التي أصبحت تسميها معتدلة، وفي الوقت نفسه احتواء الأنظمة الأخرى، سواء جاء ذلك من خلال تطبيق سياسات الترهيب والترغيب أو ببث الفرقة والنزاع فيما بينها، كما حصل بين الناصرية والبعثية، أو بالتقرب من نخبها الحاكمة وتطمينها على وجودها واستمرارها في السلطة.

وبسبب هذا الحرص على استقرار الأنظمة واستمرارها كقاعدة للحفاظ على الوضع القائم كانت الولايات المتحدة، حتى الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، أكثر القوى الكبرى عداء لنقل فكرة الديمقراطية إلى البلاد العربية. وكانت تغطي حرصها على استمرار الأوضاع والنظم التسلطية البيروقراطية أو الأبوية بنظريات ضعيفة تفيد بأن قيم الديمقراطية وأساليب عملها لا تتفق وقيم الثقافة العربية والإسلامية الدينية والأبوية.

وبالمثل، لم تبذل الولايات المتحدة الأميركية ولا مؤسساتها المدنية أو الأهلية، من منطلق الحرص على استقرار الأنظمة القائمة نفسها بعكس ما حصل في العديد من مناطق العالم الأخرى، أي جهد لنشر الفكرة الديمقراطية أو حتى للتعرف على القوى السياسية العربية غير الحاكمة ولا التقرب منها ولا الحوار معها.

بل لم تبد الولايات المتحدة الأميركية أي اهتمام بتشجيع قيام قوى اقتصادية أو سياسية أو أحزاب أو تكتلات ليبرالية، ولم تدعم لا فكريا ولا إعلاميا ولا عمليا قيام مثل هذه القوى التي تعتمد عليها عادة في العالم أجمع كطرف مدني تتعامل معه من خارج علاقاتها مع الدولة.

ولا ينبع ذلك من أنها خضعت لشروط النظم التسلطية التي تتعامل معها ولكن من أنها لم تشعر في أي وقت بأنه يوجد داخل هذه البلدان التي تميل إلى التفكير فيها كما لو كانت خزانات نفط محاطة بجماعات بدائية، تماما كما كان صهيونيو الاستيطان اليهودي الأول ينظرون إلى الشعب الفلسطيني، شعب أو مجتمعات يمكن التواصل معها أو أن هناك لغة مشتركة ممكنة تسمح بهذا التواصل.


أصبح تعزيز وضع إسرائيل والاستفادة منها لمنع قيام أي تكتل عربي أو أي تغيير في الوضع القائم الداخلي والإقليمي أحد خيارات السياسة الأميركية الأساسية

وعندما كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى تعبئة بعض القوى العربية لمواجهة الحركات الوطنية والقومية لسنوات الستينيات داخل البلدان العربية المتفجرة، أو فيما بعد، لإضفاء الشرعية على حربها الإستراتيجية في أفغانستان لم تراهن على دعم القوى الليبرالية القريبة أيديولوجيا منها ولكنها راهنت على القوى الإسلامية والعشائرية.

وقامت بمساع حثيثة لتكوين حلف إسلامي ثم لتعبئة المجاهدين من القبائل والعشائر العربية والأفغانية التي لا تربطها بها أي صلة ثقافية أو سياسية أو روحية.

بهذه الأيديولوجيات والحركات التقليدية وحدها كانت قادرة على تحطيم الحركات الوطنية والقومية العربية التي كانت تطمح إلى تغيير الأوضاع الجيوسياسية. ومن هنا أيضا جاء عداء الولايات المتحدة المعلن لأي فكرة عربية قومية أو تعاقدية تضع التقارب العربي العربي هدفا من أهدافها الرئيسية، ومحاربتها أي مشروع فكري أو سياسي يطمح إلى الحديث عن العرب كوحدة أو أمة.

أما خيار تعزيز وضع إسرائيل والاستفادة منها لمنع قيام أي تكتل عربي أو أي تغيير في الوضع القائم الداخلي والإقليمي فقد تطور أكثر مع الوقت وأصبح أحد خيارات السياسة الأميركية الأساسية.

ولم يعد الحفاظ على أمن إسرائيل واستقرارها وعدم السماح بفرض حل سياسي أو عسكري عليها لإنهاء النزاع العربي الإسرائيلي هو الهدف، ولكن صار الحرص على ضمان التفوق النوعي لإسرائيل على الدول العربية مجتمعة.

وكانت المحصلة العملية لهذا المذهب الأميركي بخصوص إسرائيل وموقعها في الشرق التخلي عن فكرة إيجاد حل لمسألة النزاع العربي الإسرائيلي، بل قطع الطريق على أي تسوية سياسية مقبولة واستخدام التفوق الإسرائيلي في سبيل وضع الدول العربية تحت ضغوط عسكرية ومالية وسياسية قوية ودائمة تسهل على واشنطن ابتزازها والتحكم بسياساتها وانتزاع مصالح أساسية منها.

هذه هي الخيارات الأساسية التي بنيت عليها السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وهي التي يجري اليوم إعادة النظر فيها باسم إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط.

جوهر هذه المراجعة للسياسة الأميركية الشرق أوسطية يتلخص في أن واشنطن تعتقد، بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001، أن الحفاظ على الوضع القائم في الشرق الأوسط لم يعد مفيدا من منظور المصالح الأميركية العليا.

وربما لم يعد ممكنا أيضا، من منظور الإنجاز الضعيف للنظم العربية في العقود الماضية، كما دل عليه تقرير التنمية الإنسانية الذي استخدمته الإدارة الأميركية بنجاح لتثبت إخفاق النظم العربية في دمج مجتمعاتها في دائرة الحضارة الحديثة.

ومن هنا أصبح تغيير هذا الوضع مطروحا بقوة على جدول الأعمال التاريخية، أي أصبح محتما. وعلى الولايات المتحدة التي تعرضت لأقسى هجوم عرفته في تاريخها الحديث نتيجة تفاقم الفوضى والاضطراب في الشرق الأوسط أن تحمل على عاتقها مهمة هذا التغيير.

ومن الأفضل لها أن تقوده وترعاه لتبنيه حسب ما يخدم مصالحها أو على الأقل يسمح لها بالحفاظ على المصالح الحيوية والهائلة التي راكمتها في المنطقة، بدل أن يجري بالرغم منها ومن دون مشاركتها وتكون نتيجته زيادة المخاطر التي تحيق بمصالحها.

من هنا أصبح التغيير الذي كانت تنادي به قوى المعارضة العربية من عقود دون جدوى هدفا وشعارا أميركيا. وأصبحت الدول العربية تتبارى في إطلاق مشاريع التغيير ومبادراته الداخلية والإقليمية، الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية.

وفي هذا الإطار أجرت واشنطن مراجعة جذرية لسياساتها الشرق أوسطية قلبت خياراتها التقليدية جميعا رأسا على عقب. فلم يعد الهدف الرئيسي الحفاظ على الوضع السياسي والإقليمي القائم ولكن تغييره على جميع المستويات.

ويشمل التغيير أولا النظم السياسية والاجتماعية القائمة التي حظيت بدعم غير مشروط من واشنطن استمر ما يقارب نصف قرن. فواشنطن تتهم هذه النظم اليوم بعدم الكفاءة والفساد واعتماد أنماط تقليدية وقديمة في الإدارة والقيادة السياسية والاقتصادية.

وهي تعتبر أن وسائل الحكم السيئ هذه هي المصدر الرئيسي للأزمة العميقة التي تعيشها المنطقة على جميع المستويات الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية والأيديولوجية. وهذا يعني أنه لم يعد هناك ما يستوجب شمل هذه الأنظمة والنخب التي تديرها بالرعاية والحماية، ما لم تثبت من جديد أنها قادرة على تغيير نفسها وسلوكها، والتطابق مع وجهات النظر الأميركية الجديدة التي بلورتها من مسائل الشرق الأوسط.

كما يعني أن الولايات المتحدة لم تعد ملتزمة بالدفاع عن هذه النظم وبالحرص على استقرارها واستمرارها وبالتغطية عليها محليا ودوليا في كل ما يتعلق بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان وغياب الممارسات الديمقراطية، بل غياب المظاهر البدائية لأي حياة سياسية في المجتمعات التي تتحكم بها. أي أنه لم يعد هناك من يملك صكا على بياض من واشنطن للحكم في بلده أو للعمل والتعامل مع غيره في المنطقة.

ويحمل هذا الخيار الجديد القائم على التخلي عن الدعم الثابت للأنظمة ترجمات مختلفة، حسب كل حالة. فهو يمكن أن يقتصر على الاعتراض على السياسات الراهنة لهذا النظام أو ذاك ويطالب بتغييرها.


الأولوية الإستراتيجية الأميركية هي قطع الطريق على الحركات الإسلامية المرتبطة حسب المنظور الأميركي الإستراتيجي الراهن بالإرهاب

ويمكن أن يعني سحب الاعتماد من هذه النخبة أو تلك، وبالتالي تعويمها بحيث يتوجب عليها أن تدافع عن نفسها بنفسها من دون تغطية أميركية. لكنه قد يعني أكثر من ذلك تغيير النظام القائم وتحطيم النخبة القيادية الحاكمة واستبدالهما بنظام ونخب جديدة، كما هو حال العراق ومن سيأتي بعده في السياق ذاته.

وعلى جميع الأحوال، تعني السياسة الجديدة أن الاعتماد السابق قد بطل وأن على الجميع تقديم أوراق اعتماد جديدة، وهو ما نشهده اليوم. ولدى واشنطن الوقت للنظر في هذه الأوراق وفحص ما فيها واتخاذ القرار فيما بعد.

أما الخيار الثاني الجديد فهو يعني فك التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة والقوى الإسلامية الأصولية الذي استمر بدرجة أو أخرى لأكثر من نصف قرن أيضا، واعتماد مفهوم الحرب ضد الإرهاب بهدف استئصال شأفة أي مقاومة مسلحة إسلامية أو شبه مسلحة أو داعية لاستخدام السلاح والعنف في أي منطقة من مناطق العالم.

هذا التحول في السياسة الأميركية يغير معادلات القوة الإقليمية والداخلية، ويتطلب من الولايات المتحدة إعادة النظر في علاقاتها مع القوى السياسية العربية في سبيل بناء تحالفات جديدة.

ومن الواضح أن واشنطن أصبحت تبدي اهتماما أكبر بالقوى السياسية والمدنية العربية وتبذل جهودا ملموسة للتقرب منها الآن. إلا أن تجربة المؤتمر الوطني العراقي وما تبع احتلال العراق من سياسات ثم ضعف الموقف الأميركي في فلسطين، كل ذلك يؤثر على قدرة الولايات المتحدة على إيجاد بديل للقوى الإسلامية ويقلل من قدرتها على المناورة الداخلية للتأثير على النظم العربية.

ويتعلق الخيار الثالث في الموقف من إيجاد تسوية نهائية للصراع العربي الإسرائيلي المستمر هو أيضا منذ نصف قرن. فلأول مرة يعلن رئيس أميركي عن التزام واشنطن بقيام دولة فلسطينية ويحدد فترة زمنية لتحقيق هذا الهدف.

وفي هذا الإعلان والتحديد الزمني شيء جديد بالفعل، بصرف النظر عن طبيعة الدولة الفلسطينية المنتظرة وحدودها ودرجة سيادتها، وفيما إذا كانت خطوة أولى على طريق إنهاء الحرب العربية الإسرائيلية الطويلة أم لا، وإدخال المنطقة بأكملها في عصر السلام والاستقرار الحقيقيين.

مجموع هذه الخيارات يشكل مضمون السياسة الوقائية الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط، أي مضمون الرد الإستراتيجي السريع على احتمال انهيار الوضع وتفكك العديد من النظم وسيطرة الأصوليين المعادين لواشنطن على مقاليد الأمور في أكثر من بلد وأكثر من عاصمة.

وهو ما أطلق عليه المحللون السياسيون خطة إعادة تشكيل المنطقة، بما تعنيه من إعادة تشكيل المناخ السائد فيها، ومحوره تصفية الإرث الأيديولوجي والتنظيمي والجيوسياسي القومي العربي وفرض تصورات تتفق ومنطق ميزان القوى والعلاقات الدولية التقليدية، سواء ما تعلق بالعلاقات العربية العربية أو العلاقات العربية الإسرائيلية.

وفي هذا المجال تدخل الحرب الأميركية البريطانية على العراق، من حيث هي حرب تهدف إلى القضاء على نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين الذي ارتبط بالفكرة القومية العربية، وكان يعد أحد آثار هذه الفكرة المتجسدة والباقية، ومن حيث هي مثال لتبديل النخب الحاكمة الاستبدادية والأبوية بنظم تعددية تعيد ربط المنطقة العربية أو فتحها على المجال العالمي، بما يشتمل عليه من توجه تعددي وتعامل مع معطيات الأمر الواقع بواقعية في الوقت نفسه.

لكن إعادة تشكيل المنطقة لا تعني في هذه المرحلة على الأقل تبديل النخب الحاكمة أو تغيير الأنظمة كما قد يخطر للبعض، فليس لدى الولايات المتحدة كما رأينا أو هي لا ترى أن هناك بديلا لها بعد.

والمهم في هذه المرحلة قطع الطريق على الحركات الإسلامية المرتبطة هي نفسها في المنظور الأميركي الإستراتيجي الراهن بالإرهاب. وهنا تكمن الأولوية الإستراتيجية الأميركية، وبالتالي بقدر ما تكون مشاركة النخب والنظم الحالية في الحرب العالمية ضد الإرهاب ناجعة وفعالة، بقدر ما تحظى بتأييد واشنطن ودعمها.

وهذا يعني أن المنحى الرئيسي للإستراتيجية الأميركية لهذا الوقت هو التفاهم مع هذه النخب والتعامل معها بقصد تطويرها وتحديثها، أي تحسين مستوى أدائها ومساعدتها ماليا وتقنيا وسياسيا لتتغلب على بعض نقائصها وثغراتها، لقاء ما يمكن أن تقدمه من تعاون فعال في تحقيق الأهداف الأميركية، وضمان الهدوء والسلام والحيلولة دون انفجار عام، من دون أن يعني ذلك أن هذه الأهداف نفسها تمنع واشنطن، إذا رأت في ذلك مصلحة لها وتدعيما لإستراتيجيتها هذه، من التخلص من هذا النظام أو ذاك وإحلال نظام أكثر صدقية مكانه.

فالمنطلق العام هو أن هذه النخب قد أفلست ولا يمكن الاحتفاظ بها لأمد طويل، ولكن التعامل معها ينبع من غياب البديل وضرورات الانتصار على الحرب المعلنة ضد الإسلاميين. ويكفي أن يتبلور بديل أفضل في أي بلد حتى تغير الولايات المتحدة أيضا أسلوب تعاملها مع أي نظام.


من أهداف الإستراتيجية الأميركية الجديدة فك عرى الوحدة المعنوية والسياسية بين البلدان العربية لتحويلها إلى أقطار منفردة

فالواقع أن واشنطن تنطلق في إستراتيجيتها الجديدة من الاعتقاد بأن النظم العربية الراهنة تعمل في الزمن الضائع، فهي محكوم عليها بالإعدام مع وقف التنفيذ، لكن بقاءها يشكل اليوم نوعا من الحاجز الذي يسمح للولايات المتحدة بخوض الحرب التي أصبحت اليوم حربها ضد المعارضة الإسلامية، أو ما تعتقد أنه القوى التي تهدد بقاءها واستمرار نفوذها في المنطقة.

والواقع أن ما تعيشه بلدان المشرق اليوم هو تنافس محموم وعنيف بين المشروع الإسلامي الأصولي الذي يشكل مشروع السلطة الوحيد الداخلي الذي يملك بعض فرص التحقيق، ومشروع السيطرة الأميركية عبر حكومات وطنية رهينة ومقيدة ضعيفة أو حكومات تابعة ومرهونة لها في وجودها وبقائها كما هو الأمر في العراق.

وفيما وراء إعادة تأهيل النخب الحاكمة أو تبديل بعضها تعني عملية إعادة تشكيل المنطقة الشرق أوسطية إعادة ترتيب العلاقات والتوازنات فيما بين دولها بما يسمح بالسيطرة عليها جميعا، ويقطع الطريق على أي عودة محتملة للخطر القومي أو الوطني أو الإسلامي الذي عبر عن نفسه من خلال مشاريع التوحيد الإقليمي والعداء للغرب والوقوف ضد استقرار الوضع الإسرائيلي في العقود الماضية.

وهذا هو مغزى الوعد بضم المنطقة جميعها في إطار منطقة تجارة حرة مع الولايات المتحدة خلال عشر سنوات. والمقصود من ذلك أن على كل دولة أن ترتب أمورها الداخلية، وليس عليها أن تخطط أو تلتزم بأي مشاريع تعاون إقليمي عربي فيما بينها.
وإنه إذا كان لمثل هذا التعاون أو الاندماج الإقليمي أن يحصل فلن يحصل إلا مع الولايات المتحدة، وعلى أسس لا علاقة لها بأي مفهوم وطني أو قومي عربي أو إسلامي يستبعد بشكل أو آخر إسرائيل، ويحدد أهدافا عربية خاصة لا تتفق مع هدف الحفاظ على التوازن الإقليمي الراهن وابتعاد الدول العربية عن بعضها.

فتجميد العلاقات العربية ومنع التفاعلات من أن تدفع نحو تكوين تكتلات على أسس قومية يهدد التوازنات الراهنة الإقليمية، يشكل في نظر الأميركيين تهديدا لفرص إيجاد تسوية ممكنة للقضية الفلسطينية، وربما شجع الفلسطينيين على الاستمرار في المقاومة، وبالتالي التخريب على الإستراتيجية الأميركية الجديدة الشاملة التي يشكل حل المشكلة الفلسطينية أحد مرتكزاتها الرئيسية.

لذلك يشكل فك عرى الوحدة المعنوية والسياسية بين البلدان العربية لتحويلها إلى أقطار منفردة تبحث كل منها عن مصالحها الخاصة وبطرقها الخاصة بعيدا عن كل التزام جماعي أو أوهام الانتماء لجماعة أو أمة واحدة، هدفا من أهداف الإستراتيجية الجديدة.
ــــــــــــــــــ
* كاتب سوري

المصدر : الجزيرة