بقلم: إلياس حنا*

- كيف يبدو الوضع الحالي؟
-
اجتياح غزة
- سيناريوهات المستقبل

اعتادت إسرائيل وراعيتها الولايات المتحدة، إطلاق تسميات على كلّ عمليّة عسكريّة تقومان بها. فأطلقت أميركا اسم "عدالة دون حدود" على حربها ضّد ما أسمته بالإرهاب. وأطلقت إسرائيل على حربها الأخيرة ضدّ الفلسطينيين اسم "عمليّة السور الواقي".

لكن تسمية السور في عمقها النفسي تعني الفصل والانفصال. فاليهودي عبر تاريخه، أراد التميّز عن غيره والانفصال عنه. التميّز عبر إطلاق شعار "شعب الله المختار". والانفصال عبر العيش في ما أُطلق عليه "الغيتو". لذلك يجب علينا ألا نتساءل عن التسمية المعتمدة حاليّا ضد الشعب الفلسطيني. فحول كل مستعمرة هناك جدران نفسيّة وماديّة، وهي مدعومة (أي الجدران) بقوّة عسكريّة عاتية لا تميّز بين الحجر والبشر، وتعتبر أن مهمتها إلهيّة وحربها عادلة، ولا تميّز بين الخير والشرّ.

قد لا يصحّ قول وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز في إيطاليا عن عدم نيّة الجيش الإسرائيلي في مهاجمة غزّة، لأن الأكيد هو أنه لا يعرف القرار الصحيح المُتخذ من قبل المجلس الأمني المصغر. فهذا النمط من اتخاذ القرارات الأمنية الإسرائيلية إبان الأزمات كان ولا يزال معتمدا وهو يقوم على سريّة مطلقة.

القرارات قد لا تتجاوز ثلاثة أشخاص هم: رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الأركان، ومن المؤكد أن بيريز خارج الصورة.

كيف يبدو الوضع الحالي؟

أرييل شارون

حقّقت عملية السور الواقي في الضفة الغربية أهدافا عدّة على الصعيد الإسرائيلي هي:

1. تدمير البنى التحتيّة الفلسطينية كلّها، خاصة الأمنية.

2. استباحة الضفة في كل تصنيفاتها، وتثبيت هذا التصرّف للمراحل القادمة.

3. مسخ صورة الرئيس الفلسطيني بشكل أصبح فيه مجبرا على وقف الانتفاضة والعمل على اعتقال على من تسوّل له نفسه القيام بعمل عسكري.

4. تخفيض العمليّات الفدائية إلى أدنى حدّ ممكن. وإذا ما حصلت فهي سوف تسمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بحريّة التصرّف كما يشاء بعد أن ثبت حقه كأمر واقع في استباحة الضفة.

5. إلغاء كل الاتفاقات السابقة، وخلق أرضيّة جديدة لمراحل تفاوضيّة قد تطول عقودا. ويشكّل هذا الوضع وضعا قاتلا للفلسطينيّين لأن قتل الوقت يعني قتل القضيّة، وذلك عبر الاستيلاء على المزيد من الأراضي.


السور الواقي رسخ اعتقاد العالم بأن القضية الفلسطينية شأن إسرائيلي داخلي
6. رسّخ شارون في ذهن العالم أجمع والعالم العربي خاصة نمطا معيّنا من التصرف العنيف ضد الفلسطينيّين، والذي قد أصبح مقبولا ولا يتجاوز الخطوط الحمر، فلم نعد نرى ردّات فعل ضد تصرّفات تمنعه عن ممارسة العنف.

7. أصبح التعامل العالمي مع القضيّة الفلسطينيّة يُنظر إليه وكأنه شأن إسرائيليّ داخلي.

8. صحّت توقّعات شارون عندما أخذ المجازفة وشن هجوما شاملا على السلطة، فالعالم لم يتحرّك والعرب لم يتجاوزوا حدود التنديد الكلامي.

في الوقت الذي كان شارون يزور فيه الولايات المتحدة وقعت عمليّة ريشون لتزيون الفدائية، وقد أتت العملية بينما كان شارون يلتقي الرئيس الأميركي جورج بوش، كما استهدفت مستعمرة تعتبر رمزيّة لأنها أول مستعمرة يهودية بنيت في القرن التاسع عشر.

وقد هدفت العملية إلى حشر شارون أمام شعبه وأمام الأميركيين، وكأنها تقول له "يجب العودة إلى المربع الأول".

اجتياح غزة

غير أن الهجوم ألقى مجموعة من الأسئلة حول الخيارات المتاحة لشارون في التعامل مع قطاع غزة، والذي تلخص في إمكانية اجتياحها عسكريا. لكن هذا الخيار يبدو مستبعداّ للأسباب التالية:

- صغر مساحة الضفّة 350 كلم2، مقابل 6600 كلم2 للضفّة.

- كثافة السكان فيها، إذ يبلغ عدد سكّان غزّة 1.2 مليون نسمة مقابل 1.6مليون في الضفّة.

مسلحون فلسطينيون يحرسون طريقا في غزة
- استعداد الفلسطينييّن للقتال بطريقة غير ما كانت عليه الحرب في الضفّة. فنوايا شارون أصبحت مجسّدة خاصة في جنين، والدروس المستقاة أصبحت معروفة. لذلك استعدوا عبر التفخيخ لمسالك العبور المحتملة. ويجب علينا هنا ألا ننسى أن غزّة هي معقل حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وهي التي دمّرت دبابتي ميركافا في وقت سابق.

- إن الهجوم الشامل يتطلّب دعما ناريّا كبيرا قبل دخول القوات البريّة، الأمر الذي يحتّم استعمال مدفعيّة الميدان والطيران والقوات البحريّة. لكن هذا الأمر قد يتحوّل إلى عمليّة إبادة جماعيّة.


اجتياح غزة في الوقت الراهن قد يقضي على ما رُسم لمرحلة ما بعد حصار عرفات في رام الله، كتغيير رأس السلطة أو محاولة استبعاده, وقد يفشّل مهمة مدير الاستخبارات المركزية الأميركية جورج تينيت المستقبليّة والمتعلّقة بإعادة بناء أجهزة السلطة الفلسطينيّة الأمنية

- إن أي عمل عسكري بهذا الحجم قد يقضي على ما رُسم لمرحلة ما بعد حصار عرفات في رام الله، كتغيير رأس السلطة أو محاولة استبعاده. وقد يفشّل مهمة مدير الاستخبارات المركزية الأميركية جورج تينيت المستقبليّة والمتعلّقة بإعادة بناء أجهزة السلطة الفلسطينيّة الأمنية.

- وأخيرا وليس آخرا قد تقضي هذه العمليّة على المؤتمر الدولي الإقليمي المزمع عقده.
إذا لماذا يصرّ شارون على التحضيرات العسكريّة؟

- يريد شارون أن يصوّر الصراع وكأنه صراع طويل، على غرار صراع الرئيس بوش ضد ما يسميه إرهابا.

- يريد شارون أن يتعوّد الجيش على هذا النوع من القتال، واكتساب المزيد من الخبرات.

- يريد شارون استعادة المبادرة وذلك عبر التركيز على الشق العسكري للصراع، الأمر الذي يبعد الشق السياسي مما يُغلق الباب أمام عودة منافسه بنيامين نتنياهو.

بالرغم من الاستمرار في التحضيرات العسكريّة، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن إليعازر عن تجميد وتأجيل العملية. ويقول البعض إن السبب هو في انتقادات بعض الضباط الكبار في القيادة العسكرية. ويقول البعض الآخر إن الضغط الأميركي هو السبب. لكن كائنا من كان سبب التأجيل، فإن شيئا ما سيحصل ضدّ غزّة عند توفّر الظروف.

سيناريوهات المستقبل

تختلف غزّة عن الضفّة في عزلتها الجغرافيّة إذا صحّ التعبير. فهي مُحاطة بسور واق طويل جدّا, وهي غير متواصلة مع الضفّة، كما أنها معزولة عن سيناء, ولها أيضا واجهة على البحر. وهي في المطلق أقل أهمية من الضفّة لإسرائيل من الناحية الإستراتيجيّة.
وقد قسّم الجيش الإسرائيلي غزّة إلى 3 قطاعات لتسهيل العمل العسكري في حال وقوعه.

جندي إسرائيلي داخل نفق يصل بين رفح في قطاع غزة والأراضي المصرية

كما قد يعتمد الجيش الإسرائيلي مبدأ العمليّات النوعيّة القصيرة، وهو أيضا قد يستهدف شمال غزّة حيث مراكز ثقل حماس.

ولئن كان من المؤكّد أن(أي الجيش الإسرائيلي) سوف يعمل بقوّة على وقف تدفّق الأسلحة من الجهة المصريّة والتي تمرّ عبر أنفاق السريّة, فإن صعوبة المهمة تكمن في أن حماس لا تملك بنى تحتيّة عسكريّة سوى الجهد البشري (باستثناء مصانع القسّام)، وذلك لأن أعمالها ونشاطاتها كلها هي ذات وجهة اجتماعية، وهي تصرف عليها سنويّا ما بين 40-70 مليون دولار أميركي.

______________
* كاتب وباحث، عميد ركن متقاعد في الجيش اللبناني

المصدر : غير معروف