بقلم/ ياسر الزعاترة

-متغيرات جديدة بعد احتلال بغداد
-الموقف الفلسطيني
-الموقف العربي
-ماذا لدى السلطة ومرجعيتها العربية؟

كان لافتا للنظر أن تقتصر المرافعات العربية في محكمة لاهاي لمناقشة قضية الجدار على ست مرافعات، في ما يقتصر الحضور على 12 دولة. والواقع أن ذلك لم يأت مصادفة بل كان جزءا لا يتجزأ من هزال الموقف العربي الذي تبدى منذ هجمات 11 سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة، في ما ازداد وضوحا بعد احتلال بغداد في 9 أبريل/ نيسان 2003.

تنهض المقاربة العربية الرسمية، على تفاوت بين محاورها، على مقولة الهجوم الأميركي الشرس على الوضع الدولي، والأخرى على الوضع العربي والإسلامي، وهو الهجوم الذي لا مجال لمواجهته سوى بسياسة الانحناء للعاصفة. والحال أن المقاربة المذكورة لم تتغير منذ 11 سبتمبر/ أيلول، في ما ازدادت رسوخا بعد 9 أبريل/ نيسان.

مياه كثيرة جرت في نهر الأحداث منذ التاريخ الثاني لا يبدو أن الوضع السياسي العربي قد أدركها، فضلا عن أن يكون قد تعاطى معها على أسس سليمة من التقدم بدل التراجع، أو الممانعة بدل الاستسلام، فضلا عن المناكفة.

كان المخطط الأميركي يقضي بأن تكون محطة التاسع من أبريل/ نيسان نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط، فما أن تسقط بغداد حتى تتهاوى "حجارة الدومينو العربية" واحدة إثر الأخرى وصولا إلى إحكام بوش لسيطرته على المنطقة سياسيا، وإن لم يكن فعسكريا، وقد عاش شارون ومعه المجتمع الإسرائيلي بكل فئاته هذا الحلم على أمل أن يكون النهار بعده ورديا حيث يخضع الفلسطينيون لنمط التسوية التي يريد بعد أن يعلنوا الاستسلام ويوقفوا المقاومة.

بالمقابل كان على بوش أن ينتقم من كل الذين قالوا لا إبان التحضير لحرب العراق، وكان على الجميع أن يخضع أمام سوط سيد العالم الأوحد لقرن كامل جديد، تحقيقا للهدف الذي وضعه سادة مشروع "قرن إمبراطوري أميركي جديد" الذين تزدحم بهم أروقة الإدارة الأميركية في عهد بوش، على رغم من أن انطلاقة المشروع والاتفاق على محطته الأولى (العراق) قد تم إبان إدارة كلينتون، وتحديدا عام 1997.

متغيرات جديدة بعد احتلال بغداد


دخل مشروع "إعادة تشكيل الشرق الأوسط" في مأزق حقيقي بعد اندلاع المقاومة العراقية، لكن ذلك لم يغير كثيرا في نمط التعاطي العربي مع واشنطن وتل أبيب
عندما سقطت بغداد وقف القادة العرب مذهولين أمام الحدث الجديد وبدؤوا يرسمون سيناريوهات ما بعده، وكان خيار الانحناء للعاصفة هو المتاح، على اعتبار أنه الخيار الوحيد القادر على الحفاظ على العروش، حتى لو أصبحت عروشا كرتونية تتلاعب بها الرياح الأميركية كما تشاء.

جاءت المقاومة العراقية الباسلة لتصنع استحقاقات لم تكن في الحسبان، ولتتحول الفرصة إلى ورطة والانتصار إلى مأزق حقيقي، وليتحول بوش المتغطرس إلى "متسول" حسب وصف أحد الكتاب الأميركيين في معرض تحليله لنمط تعامل رئيسه مع القادة الكبار في فرنسا وألمانيا على وجه التحديد.

دخل مشروع "إعادة تشكيل الشرق الأوسط" في مأزق حقيقي بعد اندلاع المقاومة العراقية، لكن ذلك لم يغير كثيرا في نمط التعاطي العربي، أو أكثر محاوره في أقل تقدير، مع واشنطن وتل أبيب، رغم أن نمط الإدارة السياسية في البلدين قد أصابه التغيير على نحو لا تخطئه العين.

لقد وجد شارون أن شارعه السياسي لم يعد قادرا على انتظار فرج يأتي ولا يأتي، وقد اتضح ذلك من خلال استطلاعات الرأي الذي تراجعت من مستوى 70% إلى 50% وصولا إلى 30% في أيام محكمة لاهاي.

بالمقابل كانت النخبة السياسية والأمنية داخل الدولة العبرية واليهودية خارجها تدرك خطورة ما يجري، سيما بعد الشروع في بناء الجدار، على مستقبل الدولة العبرية.

هنا كان لا بد من خطة جديدة فكان مشروع الانسحاب أحادي الجانب ثم مشروع إخلاء مستوطنات قطاع غزة، وكلها محاولات من شارون للهرب إلى الأمام، كما هي محاولات من القادة الأمنيين والعسكريين لإحداث هزة في الوضع العربي كما ذهب المحلل المعروف "سيفر بلوتسكر" في صحيفة "هآرتس" نقلا عن مصادر في الجهاز الأمني والعسكري.

كانت المشكلة تتمثل في أن الجدار والانسحاب أحادي الجانب، سيما من قطاع غزة لم يكن شرعيا وفق ما يعرف بقرارات الشرعية الدولية، فالجدار يلتهم 58% من الضفة الغربية، وبذلك يغدو الدفاع عنه صعبا في الأروقة السياسية، حتى لو قيل إنه دفاع إسرائيلي في مواجهة الإرهاب، إذ لماذا لا ينصب على الحدود المعترف بها دوليا بدل التهام الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967؟

الموقف الفلسطيني
من الصعب إجراء عملية فك ارتباط بين الموقف الفلسطيني والعربي، ذلك أن ياسر عرفات تحديدا لا يمكنه التحرك دون إشارة من مرجعيته العربية، والمصرية على وجه الخصوص. وهنا يمكن القول إن المسار الأقوى من عرفات كرد على بناء الجدار كان ينبغي أن يذهب في اتجاه حل السلطة، وتحقيق أسوأ "كابوس" كما وصفه أحد الكتاب الإسرائيليين.


يهدف الجدار إلى تطبيق برنامج شارون للحل الانتقالي بعيد المدى الذي يقوم على دويلة فلسطينية في غزة وأجزاء من الضفة الغربية، وقد جاء مسار الجدار ليعكس هذا التوجه بحذافيره
من الواضح أن الجدار كان ولايزال يهدف إلى تطبيق برنامج شارون للحل الانتقالي بعيد المدى الذي أعلنه قبل ثلاث سنوات، ويقوم على دويلة فلسطينية على قطاع غزة و42% من الضفة الغربية، وقد جاء مسار الجدار ليعكس هذا التوجه بحذافيره. ويتركز حلم شارون هذه الأيام في أن يتمكن من إقناع واشنطن باعتماد هذا الحل لسنوات طويلة، وفرضه على الوضع العربي والفلسطيني.

في هذا السياق كان لا بد للموقف الفلسطيني أن يفرغ الجدار من مضمونه الأمني والسياسي في آن، فإذا كان الجدار نوعا من الهرب من الاستنزاف الأمني، فإن حل السلطة سيورط الإسرائيليين في البقاء داخل المدن الفلسطينية (جنودا وموظفين مدنيين)، ما يعني أن استهدافهم سيكون أسهل، ويسقط مقولة الحل الأمني باستمرار الاستنزاف، أما سياسيا فإن الجدار والانسحاب أحادي الجانب لن يشكل حلا لأن الاحتلال سيعود إلى وجهه الطبيعي، بعدما غاب هذا الوجه خلال سنوات من وجود (دويلة أوسلو) التي لا تملك من صفات الدولة سوى الرئيس والوزراء في ما أرضها وسماؤها وسكانها وحتى بيوتها مستباحة لقوات الاحتلال.

من خلال هذا المسار يسقط البعد السياسي للجدار والخطوات الأخرى، ويعود الاحتلال إلى وجهه القذر كما كان الحال قبل اتفاق أوسلو، وإذ أضفنا البعد الاقتصادي فإن الوضع الاقتصادي الإسرائيلي سيزداد بؤسا، حيث سيتحمل الاحتلال المسؤولية عن حياة السكان المدنيين بكلفة تزيد عن ملياري دولار في العام الواحد، ما يعني أن سقوط شارون سيكون حتميا في أرجح التقديرات.

الموقف العربي
من الواضح أن القرار الفلسطيني بحل السلطة كان ولازال يصطدم بعقبتين، الأولى صعوبة ذلك على قيادتها التي ذاقت حلاوة الدولة وامتيازاتها، أما الجانب الثاني الذي لا يقل أهمية فهو الوضع العربي الرسمي، ولا سيما المصري الذي يرى أن إجراء كهذا يمكن أن يعقد الموقف وصولا إلى ما يسمى دائما التصعيد الشامل أو توريط المنطقة في حرب شاملة. والحال أن هذه المقاربة لا تبدو صحيحة وإنما هي جزء من حالة العجز الرسمية التي غالبا ما تبحث عن مبرراتها الخاصة.

لا حاجة إلى القول إن الفلسطينيين لم يطلبوا تصعيدا ولا تورطا عربيا في حرب شاملة، بل يطلبون غطاء عربيا لمقاومتهم يمنحها الفرصة لتحقيق إنجاز متاح، كذلك الذي تحقق في جنوب لبنان. والحال أن قرار إخلاء مستوطنات قطاع غزة قد جاء ليؤكد أن ذلك ليس بعيد المنال بحال من الأحوال، سيما بعد أن اعترف شارون ضمنيا بأن المقاومة ليست في وارد الاستسلام أمام غطرسة القوة التي مارسها ولازال يمارسها.

ماذا لدى السلطة ومرجعيتها العربية؟
الآن يبدو السؤال الكبير الذي تواجهه السلطة ومرجعيتها العربية متعلقا بآليات المواجهة لاستحقاقات الجدار الأمنية، والأهم السياسية، سيما إذا ما خضع بوش للمطالب الإسرائيلية ووافق على منح بعض الشرعية للمسار الجديد تحت المسمى الذي يريده شارون، وهو "الحل الانتقالي بعيد المدى" سيما في ضوء تراجع الموقف الأوروبي الذي يعيش منذ فترة عقدة "اللاسامية" التي تطارده بعد نتائج استطلاع الاتحاد الأوروبي.

من الواضح أن مسار حل السلطة وقلب الطاولة في وجه شارون والإدارة الأميركية لا يبدو واردا في ضوء هزال السلطة ومعها المرجعية العربية الموجهة لها، لكن غياب هذا المسار لا يعني الاستسلام لاستحقاقات شارون، ذلك أن بالإمكان اجتراح خطوات أقل شأنا لكنها قادرة بالمقابل على تنفيس خطواته وتفريغها من جزء لا بأس به من مضمونها السياسي والأمني.

من الضروري ابتداء أن يكون هناك دعم كبير للفلسطينيين الذين تضرروا من مسار الجدار للحيلولة دون وقوع هواجس الأردن بشأن "الترانسفير"، وإن بدت هواجس مبالغا فيها إلى حد ما، لكن الدعم يبقى مهما إلى درجة كبيرة.

الأهم من ذلك هو أن تتماسك السلطة في مواجهة أصوات التراجع السياسي داخلها وفي الوضع العربي عموما، ذلك أن الرد الأمني على الجدار هو استمرار المقاومة في كل مكان بما هو متاح، أكان في ما تبقى من المستوطنات أم في المعابر، سيما المعبر مع مصر الذي لا ينبغي أن تتعهد مصر بحمايته كما يطالب الإسرائيليون، فضلا عن آليات جديدة لا بد أن تبتكرها المقاومة للوصول إلى الأهداف الإسرائيلية.


أهم ما يرد به الفلسطينيون والعرب هو تفريغ إجراءات شارون ومنها الجدار من مضمونها الأمني باستمرار المقاومة ومن مضمونها السياسي بجعلها إجراءات من طرف واحد لا يعترف بها أحد سواه
من الضروري أيضا أن يستمر العمل السياسي الفلسطيني الجماهيري ضد الجدار، وبدعم عربي رسمي وشعبي، لكن الأهم هو أن تدعم المرجعية العربية مسار المقاومة كرد على الجدار واستحقاقاته، ذلك أن استمرار المقاومة سيفرغ الجدار والانسحاب أحادي الجانب من مضمونه السياسي.

لا بد أن ترفض السلطة وبدعم عربي أن يكون هناك أي اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين على مسار الجدار أو الانسحاب، وإذا أرادوا أن ينسحبوا من غزة فليكن ولكن دون أي استحقاق.

إن تنفيذ الانسحاب من غزة وتثبيت الجدار دون أي موافقة فلسطينية، بل باستمرار المقاومة سيشكل مأزقا حقيقيا للمشروع الصهيوني، ربما لا يتحمله قادة المشروع ورموزه داخل الدولة العبرية وبين يهود العالم، سيما إذا استمر العمل السياسي اليومي داخل فلسطين وخارجها ضد الاحتلال، مقاومة وأعمالا جماهيرية.

خلاصة القول هي أن أهم ما يرد به الفلسطينيون والعرب هو تفريغ إجراءات شارون ومنها الجدار من مضمونها الأمني باستمرار المقاومة وليس بالحديث داخل حركة فتح عن حل كتائب الأقصى، فضلا عن مطاردة مسار المقاومة من الآخرين، إضافة إلى تفريغها من مضمونها السياسي بجعلها إجراءات من طرف واحد لا يعترف بها أحد سواه.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف