بقلم/ عبد الله العمادي

ليست الديمقراطية كلمة تقال ونتحدث عنها وحولها، بل هي منهج وأسلوب إدارة يجب أن ينشأ في إطار سيادة القانون والمؤسسات، وأن يكون هناك قضاء حر مستقل تلجأ إليه الحكومة والأفراد. ودولة المؤسسات هي الضامن الوحيد والأخير تقريبا للدولة وأفرادها. وقد استوعبت دول الخليج هذا الأمر خصوصا بعد الهزة الكبيرة التي وقعت بالمنطقة عام 1990، وبعدما اطلع العالم كله على كافة جوانب المنطقة الإيجابية والسلبية، إذ بدأت المؤسسات والمنظمات الدولية تركز على المنطقة وخاصة السياسات المتبعة في الحكم وتطالب بتحديثها وعصرنة مؤسساتها وفق التوجه العالمي.


تشكل اقتناع لدى الشارع الخليجي بأن النظام الأبوي لم يعد ينفع في عصر المؤسسات والتكتلات، وأن مركزية القرار والتفكير والتنفيذ لم تعد تتوافق مع التطورات الحاصلة

كان الحديث عن الديمقراطية قبل عقدين من الزمن مقتصرا على النخب في المجتمعات الخليجية ولمجرد التنظير أو لإظهار عضلات الفكر والثقافة والتميز في المجتمع، ولم تكن مثار اهتمام غالب المجتمع الخليجي. فقد انشغل الناس بالثروة الجديدة المتمثلة في عوائد النفط وبكيفية الاستفادة منها وتوظيفها وتنميتها أكثر من انشغالهم بموضوعات الحكم وإدارة المجتمع ومؤسساته وفق النظام الديمقراطي.

أما اليوم فقد اختلف الأمر ولم يعد الحديث عن الديمقراطية مقتصرا على النخب والطبقة المثقفة فحسب، وإنما يمكننا القول إنه بات أقرب إلى أن يكون حديث الشارع أو حتى الرجل العامي في بعض الأوقات.

لقد وعى الشعب الخليجي أهمية أن يكون له دوره في إدارة المجتمع ومؤسساته وفق نظام يتيح لأي صاحب كفاءة ومقدرة على خدمة المجتمع أن يتقدم ويعرض نفسه للمجتمع.

وأدرك الخليجيون أن هناك تحولات وتغييرات تقع من حولهم لابد لهم أن يواكبوها ويسايروها ويستفيدوا منها، فما يحدث في المنطقة أشبه بقطار قادم وسيقف في محطة الخليج قليلا ثم يمضي بعد وقت قصير، فمن لم يلحق به ويركبه سيكون كمن يضيع فرصة للتطوير والتغيير لن تتكرر بسهولة.

وتشكل اقتناع لدى الشارع الخليجي بأن النظام الأبوي لم يعد ينفع في عصر المؤسسات والتكتلات، وأن مركزية القرار والتفكير والتنفيذ لم تعد تتوافق مع التطورات الحاصلة من حوله، بل أصبح التفكير الجماعي والإرادة الجماعية وتحمل المسؤوليات مطالب شرعية وحقيقة واقعية.

بات الخليجي يرغب في أن يشارك هو بنفسه في التخطيط لمستقبله ومستقبل مجتمعه ودولته ومنطقته، ويتحمل نتائج ذاك التخطيط سلبا أو إيجابا، ولم يعد يقبل بما كان يحدث له في السنوات الأربعين الماضية إذ إن الحكومة هي من يجب عليها أن تقوم بأمر الرعاية والتوجيه والتخطيط وتحمل المسؤوليات.

ولعل توجه بعض دول مجلس التعاون الخليجي نحو التحديث السياسي وعصرنة المؤسسات وإداراتها المختلفة، إنما يأتي ضمن سياق التوجه العام السائد في العالم، ويمكن اعتباره أيضا مبادرة جريئة من دول الخليج المحافظة على جميع الأصعدة تقريبا، باعتبار أن هذه الدول حديثة عهد بالاستقلال، وأي مبادرة من تلك النوعية تحتاج إلى الدعم والتأييد.


إقامة مجالس نيابية منتخبة كليا هي أحد خيارات التمثيل الشعبي المتوازن التي يمكن اعتمادها خليجيا، وهي خطوة أساسية وضرورية على طريق العصرنة السياسية
فتوجه دول الخليج المتدرج البطيء نسبيا نحو الديمقراطية وإفساح المجال للمساهمة الشعبية الواعية في إدارة وخدمة مؤسسات الدولة، أمر محمود يستحق التشجيع رغم الخطوات البطيئة في العملية التحديثية هذه، واختلاف النسبة بين دولة وأخرى.

يذكر الباحث البحريني عبد الجليل مرهون المتخصص في الشؤون الخليجية في دراسة له عن الديمقراطية في الخليج، أن إقامة مجالس نيابية منتخبة كليا بالاقتراع المباشر الحر هي أحد خيارات التمثيل الشعبي المتوازن التي يمكن اعتمادها على المستوى الخليجي، وهي خطوة أساسية وضرورية على طريق العصرنة السياسية.

ويضيف أن إقرار حق إنشاء الجمعيات والهيئات القائمة على أساس اجتماعي أو مهني يعد خطوة مهمة على طريق إنجاز مقولات المواطنة والولاء الوطني، ذلك أن قيام تلك الجمعيات والمؤسسات وفق المعايير الدولية المعتمدة دون وصاية رسمية علنية أو ضمنية، سيكون صلة الربط الأكثر حيوية بين المواطن والدولة والمواطن والمجتمع، وهنا سيجد المحامي والمهندس والطبيب والمعلم والصحفي أنفسهم في تفاعل يومي مادته المجتمع وإطاره الدولة. وعبر هذا التفاعل يولد الولاء الوطني وتتحقق مقولة المواطنة.

ولعل دولة الكويت من الدول الخليجية السباقة إلى هذا النهج الديمقراطي ومنذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، ولها رصيد تاريخي طيب أكثر من بقية دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي يؤهلها لأن تكون أنموذجا قابلا للاقتداء.

والأمر ذاته يحدث الآن في دولة قطر من خلال التجربة الديمقراطية غير المسبوقة والمتمثلة في المجلس البلدي المركزي الذي تم تطبيق عملية الاقتراع الحر المباشر فيه، والابتعاد عن الوصاية الحكومية أو التعيين منها، والاستعداد للبدء بمشروع ديمقراطي متطور عن البلدي هو مجلس الشورى الذي يتوقع المراقبون له دورا ملموسا مؤثرا في التشريع والرقابة، مما يبشر بقيام خطوات أخرى على هذا النهج سواء في قطر أو في البحرين والإمارات والسعودية وعمان.

غير أن الاكتفاء بمجالس بلدية -كما في قطر والبحرين- لا يصل حد المأمول في مثل هذا الوقت الذي تستدعي فيه التغيرات والتحولات الكبيرة العالمية أن تتوافق دول الخليج معها بالصورة المناسبة، قبل أن تزداد الضغوط عليها وتفرض تلك التحولات واقعها على دول المنطقة.

إن دمقرطة المؤسسات أمر لازم حتمي لابد أن تحث دول الخليج الخطى في تنفيذه وترجمته على أرض الواقع، حيث أن المجالس البلدية جزء يسير من نظام كبير يؤمل أن يرى النور في القريب العاجل.

المطالب عديدة بأن تكون هناك جمعيات مهنية واجتماعية واتحادات ونقابات ذات نشأة وتكوين وفق المعايير المتعارف عليها دوليا، لا تتدخل الحكومات في إنشائها وتعيين أعضاء مجالس الإدارات فيها، بحيث تلعب أدوارا حقيقية في المجتمع وتكون واجهات ديمقراطية حقيقية تساهم في بناء المجتمع وتلعب أدوارا رقابية على سير وأداء عمل المؤسسات مثلما تؤدي أدوارها التنفيذية.


تحتاج دول الخليج إلى مراجعة جادة ومستمرة للقوانين والنظم, بحيث يجب عليها مراعاة أهمية المشاركة الشعبية في الإدارة والحكم وتحمل المسؤوليات
مجالس الشورى أو ما شابهها في الخليج بحاجة أيضا إلى تفعيل لأدوارها بصورة أكبر، أو هي -إن جاز التعبير- بحاجة إلى تغيير تام لقواعدها وأدوارها بحيث لا تكون مجالس تمرير لقرارات ومشاريع حكومية، وإنما تقوم بأدوار رقابية صارمة لأداء الحكومة بدقة وأمانة. فالمجالس الحالية هي أقرب ما تكون إلى مجالس شكلية تؤدي أدوارا تقليدية دون صلاحيات تذكر. ولعل السبب يكمن في الكيفية التي يأتي بها أعضاؤها، وهي التعيين المباشر من قبل الحكومة التي تراعي أن يكون وفق توازنات محلية قبلية معروفة.

دول الخليج بحاجة إلى مراجعة جادة مستمرة للقوانين والنظم فيها، بحيث يجب عليها مراعاة أهمية المشاركة الشعبية في الإدارة والحكم وتحمل المسؤوليات، فمن شأن ذلك التخلص من الروتين الممل في الأداء والتنفيذ، وتقليل فرص الوقوع في الأخطاء والتجاوزات التي تقع في ظل السيطرة الحكومية شبه التامة على أغلب المؤسسات في الدولة.

ونعود مرة أخرى للاستشهاد بالكويت نموذجا، حيث مجلس الأمة الفريد من نوعه ليس في الخليج فحسب وإنما في العالم العربي المتعطش لمثل تلك المجالس، له صلاحيات واسعة من رقابة وتشريع وتقويم.

فقد أضحت الحاجة ماسة إلى قيام مجالس وبرلمانات ينتخب أعضاؤها بواسطة الاقتراع الحر المباشر دون تدخلات أو تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة من الحكومات.

يعيش الخليج اليوم حالة مخاض، فإما أن تنتهي الحالة بنتائج إيجابية وإما أن تنتهي بنتائج سلبية، وتلك النتائج بطبيعة الحال تعتمد كثيرا على الشعب الخليجي نفسه وقدرته على فهم وهضم ما يدور حوله، واستيعاب دروس وتجارب الآخرين وتحليلها ومن ثم توظيفها فيما يعود عليه ومجتمعه بالنفع.

فهل ستنجح المنطقة الخليجية خلال السنوات العشر القادمة في التحول إلى منطقة عامرة بالفكر والثقافة والحكم الديمقراطي، كما نجحت في أن تكون عامرة بالاستثمارات وتدفق البشر عليها من كل حدب وصوب لأكثر من عقدين من الزمن؟
____________

* كاتب قطري

المصدر : غير معروف