بقلم/خليل العناني

من المفترض نظريا أن ينطوي مفهوم الخلافة السياسية على وجود كوادر وقيادات سياسية مؤهلة تستطيع تولي دفة الأمور في حالات التغيير السياسي، لاسيما الحالات السلمية منها، ما يعني ضمنا وجود ثقافة سياسية تشجع على التداول السلمي للسلطة وتحض عليه.


لا تبدو مسألة الخلافة السياسية "التوارثية" في العالم العربي أمرا غريبا في ظل حالة الترهل السياسي, بل هي بالأحرى نتيجة منطقية لهذه الحالة واستجابة طبيعية لمتغيرات الجمود في الحياة السياسية
بيد أنه واقعيا قد لا يدل هذا المفهوم على مضمونه السابق، وهو ما يحدث في الحالات التي تصبح فيها الخلافة السياسية قدرا واقعا لا محالة، بشكل يجعلها تختلط بمفاهيم أخرى من قبيل "توريث الحكم" أو "الوراثة السياسية".

وفي هذا الصدد تتفرد المنطقة العربية –كما هي العادة- عن بقية مناطق العالم بخصائص وسمات سياسية عديدة ليس أكثرها حداثة سمة "الخلافة السياسية التوارثية" لنظم الحكم القائمة.

وإذا كان الولوج في هذه القضية قد ظل من المحظورات بل ومن المحرمات في بلاد العرب، فإنه في ظل هوجة مطالب التغيير التي تجتاح المنطقة قد أصبح مباحا تناول مثل هذه القضية التي فتحت سراديب الحكم على مصراعيه كي تبوح بأسرار ظلت مكتومة بداخلها طوال أكثر من نصف قرن مضت.

وربما لا تبدو مسألة الخلافة السياسية "التوارثية" في العالم العربي أمرا غريبا في ظل حال الترهل السياسي التي تغط فيها دول وشعوب المنطقة منذ نصف القرن الماضي، بل هي بالأحرى نتيجة منطقية لهذه الحال واستجابة طبيعية لمتغيرات الجمود التي ميزت الحياة السياسية العربية طوال تلك الفترة.

وقد يبدو منطقيا أيضا طرح هذه القضية حاليا ليس من باب أن من حق الشعوب المجاهرة بما تراه مخالفا لتوجهاتها وطموحاتها فحسب، وإنما أيضا من قبيل مناقشة هذه الظاهرة –البدعة- التي يبدو أنها ستصبح أحدث سمات العرب في القرن الحادي والعشرين. وعليه يصبح تناولها بالنقد والتحليل من الأهمية بمكان لمعرفة ما يمكن أن تؤول إليه أحوال المنطقة لفترة قادمة غير قصيرة.

وبداية يجب التنويه إلى أن هذه الظاهرة ليست خاصة بالمنطقة العربية فحسب، أو أنها بدعة عربية بحتة، بل تشاطرها في ذلك بعض الدول النامية الأخرى، وذلك على غرار ما حدث في أذربيجان وتولي الرئيس الحالي "إلهام عالييف" مقاليد الحكم خلفا لوالده حيدر عالييف وما شاب الانتخابات من عمليات تزوير لمصلحة توريث الابن.

ورغم ذلك تكتسي هذه الظاهرة بطابع مختلف في الواقع العربي من منطلق أنها قد تتحول من مجرد حالة استثنائية إلى أن تصبح قاعدة عامة تحكم رؤى وتوجهات القيادات السياسية العربية الحالية.

وتتعدد العوامل التي تقف خلف بروز هذه الظاهرة، وهي إن كانت سببا لوجود مثل هذه الظاهرة في بيئتنا العربية، إلا أنها ليست مبررا لاستمرارها أو إكسابها الطابع الشرعي لها بحيث تصبح واقعا حياتيا.

ولعل أول هذه العوامل –وأهمها- هو انتشار ثقافة الخوف العربية التي تتوارثها الأجيال العربية، والتي تحوي بداخلها صمتا شعبيا مملا عن المطالبة بالتغيير أو التلويح به، وذلك سواء من باب الرضا بالأمر الواقع، أو نتيجة للخوف السلطوي من أي خروج عن الأنظمة القائمة، وهي نفس الثقافة التي أنتجت صدام وأمثاله من الحكام المغاوير.

أما ثاني العوامل فيتلخص في سياسة القمع والترهيب التي تتبعها بعض الحكومات العربية القائمة مع شعوبها وتقلل من فرص ظهور أي قوى مناوئة لسياساتها، أو على الأقل محاولة التلفظ بالمعارضة السياسية للنظم القائمة.

أما ثالث العوامل فمرده إلى عدم وجود بديل حقيقي، أو وجوده ولكن دون وجود الأدوات التي قد تمكنه من تولي مقاليد الأمور في البلدان العربية، وهي قد تكون عملية مقصودة تفننت النظم القائمة في بلورتها وتأكيدها بطريقة أفقدت الشعوب العربية الثقة في كل ما هو بديل لما هو قائم، وجعلت "زيدا مثل عبيد".

ويتلخص رابع هذه العوامل وآخرها في سيطرة روح اللامبالاة والبلاهة السياسية على الشعوب العربية فالكل مصروف إلى همه الشخصي، والكل مهموم برغباته الضيقة، خاصة بعدما أبدعت النخب الحاكمة في ممارسة لعبة إلهاء الشعوب بقوتها اليومي، ولذا أصبح اليوم لدى هذه الشعوب أفضل من الغد، والوضع القائم أسلم من التغيير على شاكلة "أحيني اليوم وأمتني غدا".

ويجمع بين هذه المكونات خيط رفيع طرفه الأول هو الخوف والطرف الآخر هو التمني، ويستوي في ذلك الفرد العادي مع ذلك المهموم بالسياسة، حتى لو أتيحت لهذا الأخير فرصة الترقي وحمل المسؤولية، إذا به يترك مبادئه وقضيته، ويختلط بدوره مع غيره وسابقيه من ذوي النفوذ والسطوة، وهكذا إلا ما رحم ربي.

وفي مثل هذا المناخ الفكري الذي يفتقد أي منهج وأي رؤية للتغيير، ومن هذه الزاوية يصبح التغيير الطوعي وتداول السلطة في البلدان العربية من قبيل الرومانسية الحالمة وخروج المألوف وفق منطق الثقافة العربية الجامدة.

وماذا علينا أن نتوقع من مثل هذه الثقافة، والتي لأجلها أصبح التغيير الإرادي والتسليم الطوعي للسلطة حلما يراود أصحاب المثالية السياسية في بلادنا العربية، وبالمقابل أصبح التغيير الأحمر هو أقرب بديل لأذهان الشعوب، ولكن دون توافر الإرادة لتحقيقه.


العرب لم يتخطوا بعد مرحلة "المراهقة السياسية" فهم من ناحية غير قادرين على التغيير، ومن الناحية الأخرى لا يمتكلون أدواته بشكل يجعلهم يقفون موقف المستسلم لقدره السياسي
ومن مفارقات الشعوب العربية –وهي عديدة- هي أنه رغم بؤس حال هذه الشعوب بما قد يبرر سلوكها التغييري، إلا أنها ظلت –ولا زالت- ساكنة راكنة لتغييرات القدر وهباته الإلهية، وهي في ذلك تبدو كمن يعيش في زمن آخر معزول عن ثورات التحرر الفكري، وهو زمن يصبح التغيير فيه بمثابة المعجزة، والإصلاح رفاهية لا يجدر السعي إليها.

في الوقت نفسه تتعدد الدلالات التي تنطوي عليها ظاهرة الخلافة السياسية في العالم العربي ليس أقلها أنها تعبير عن أن العرب لم يتخطوا بعد مرحلة "المراهقة السياسية"، فهم من ناحية غير قادرين على التغيير، ومن الناحية الأخرى لا يمتكلون أدواته بشكل يجعلهم يقفون موقف المستسلم لقدره السياسي.

وثاني الدلالات في هذا الصدد هو أن مفهوم الدولة الحديثة لم يترسخ بعد في الذهن العربي، وهي الدولة التي تقوم على حكم المؤسسات وليس حكم الفرد، وما ينطوي عليه ذلك من دحر أي محاولة لتوريث الحكم دون وجه حق.

من ناحية ثالثة فإن الوجه الأخر لهذه الظاهرة هو الهرب من مشاكل بنيوية أصيلة في المجتمعات العربية تجعل من التغيير السياسي أمرا صعبا- إن لم يكن مستحيلا- وعليه لم يكن غريبا أن تتعرض المنطقة العربية مؤخرا لسيل المبادرات الأجنبية التي تحث على التغيير والتحديث وإرساء القيم الديمقراطية وخلافه.

وعليه فإن ظاهرة الخلافة السياسية –العربية- تجب بداخلها متغيرات ثقافية عديدة تشبه في الشكل تلك الثقافة التي سادت إبان الحقبة الاستعمارية، بيد أن الفارق بينهما هو في المضمون لا أكثر، وهو ما يجعل العربي راكنا أمام إرث ثقافي وسياسي يقيد حركته ويبطئ من وتيرة تفكيره التغييري.

ولا تخلو دولة عربية من الحديث عن قضية توريث الحكم إلا ما رحم ربي، فعلى سبيل المثال أصبحت الخلافة السياسية "التوارثية" أمرا واقعا في سوريا بحلول الرئيس بشار الأسد محل والده الراحل حافظ الأسد، وتم تغيير الدستور خصيصا كي يتواءم مع هذا الواقع الجديد.

وفي مصر يتواتر الحديث ويتزايد يوميا حول احتمالات حصول السيد جمال مبارك -النجل الأصغر للرئيس مبارك- على مبايعة شعبية خلفا لوالده. وفي ليبيا ترددت وتناثرت أحاديث حول رغبة العقيد معمر القذافي في تمهيد الطريق لابنه سيف الإسلام القذافي لحصد منصب الرئيس مستقبلا، بل والأكثر من ذلك، فهناك من يبرر التقارب الليبي مع الغرب باعتباره يأتي في إطار صفقة سياسية تسهل تحقيق رغبة القذافي في توريث الحكم لابنه. كذلك كان الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين على وشك تعيين أحد ابنيه عدي أو قصي مساعدا له تمهيدا لتسلميه مقاليد الأمور، بيد أن القدر لم يمهله لتحقيق حلمه هذا.

ولا تختلف قضية الخلافة السياسية في العالم العربي كثيرا عن مسألة استمرار الرؤساء في الحكم حتي الوفاة أو ما يطلق عليه "رئيس مدى الحياة"، بل بالأحرى هما وجهان لعملة واحدة، ولا يقلل من ذلك محاولات بعض الزعماء نفي هذه الحقيقة الواقعة، ففي تونس مثلا نجح الرئيس زين العابدين بن علي في تعديل الدستور لضمان التمديد له لفترة رئاسية رابعة، وهو الذي كان ينفي دائما أن يصبح رئيسا مدى الحياة.

ولعل جوهر المشكلة في مسألة الخلافة السياسية لا ينبع من كونها قد تشكل تعديا صارخا على حق الشعب في ممارسة مفهوم تداول السلطة خاصة إذا اختلط الأمر بمفهوم التوريث، وإنما أيضا لأنها تتم دون أدنى مراعاة لإرادة الشعب ومصادرة حقه في اختيار من يمثله.


ليس مستغربا ألا تكترث النظم العربية بالانتقادات الخارجية الموجهة لها نتيجة لمحاولتها التوريثية للحكم، بل قد يسعى بعضها لشراء ود الحكومات الغربية للسكوت على هذه الظاهرة
بيد أنه قد تصبح الخلافة بهذا الشكل أمرا مقبولا ولكن فقط حينما تتعدد الخيارات وتتوافر الفرصة أمام الشعب للاختيار بين الوريث وأي منافس آخر، حتى وإن نجح الوريث في خطف مقعد الرئاسة، فلا شك أن هذا سيقلل من وقع تنصيب الوريث لنفسه ومحاولة فرض الأمر الواقع على الجميع.

ورغم النفي الدائم للقادة العرب نيتهم توريث الحكم لأبنائهم فإن الشعوب العربية بوجه عام لا يزال لديها شك كبير في إمكانية تخلي القادة عن سعيهم لتوريث الحكم لأبنائهم، وما يؤيد مخاوف الشارع العربي أن العديد من القيادات العربية أخذت تعد أبناءها بشكل مباشر لتولي الحكم، وذلك من خلال تولي مناصب سياسية وعسكرية داخل الدولة للحصول على خبرة في العمل السياسي متعللين بأن هؤلاء الأبناء مؤهلون للقيادة وقادرون على تولي الحكم.

والغريب في الأمر أن أيا من الدساتير العربية –خاصة في البلدان الجمهورية- لم تنص على مسألة التوريث هذه، بل على العكس من ذلك شجعت على احترام تداول السلطة بالشكل السلمي، بما يضمن الحفاظ على الحقوق الأساسية للمواطن العربي وأهمها حقها في التعبير عن رأيه بشكل يضمن حرية الاختيار.

ومن المفارقات أيضا أن الحكومات العربية التي تتشدق ليل نهار بشعارات الديمقراطية وتتخذ منها حديثا ناعما يهدئ من روع الشعوب، هي نفسها الحكومات التي تتفنن في التحايل على دساتيرها وحقوق شعوبها، وتضرب عرض الحائط بأي انتقادات قد توجه لها في هذا الخصوص. بل وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى المجاهرة بذلك دون رقيب أو حسيب.

ولذا فليس مستغربا ألا تكترث النظم العربية بالانتقادات الخارجية الموجهة لها نتيجة لمحاولتها التوريثية للحكم، بل قد يسعى بعضها لشراء ود الحكومات الغربية للسكوت على هذه الظاهرة، وهو ما قد يبرر رؤية الغرب للعرب التي تنطلق في مجملها من أن الشعوب العربية غير مؤهلة لاختيار قادتها وحكامها.

وخلاصة القول فإن الخلافة السياسية في العالم العربي قد اكتسبت نكهة خاصة تختلف عما يدور في العوالم المجاورة، بشكل يجعل منها مرآة حقيقية لصورة الأوضاع في المنطقة العربية يدعم ذلك سكوت الشعوب العربية عن المطالبة بحقها في الاختيار وتحديد من يصلح لتولي أمرها، ولذا فمن غير المتوقع –في المستقبل المنظور- أن تختفي هذه الظاهرة وترحل عن الديار العربية ما دامت ثقافة الخوف والتردد هي الحاكم الرئيسي لتحركات شعوبها.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : غير معروف