بقلم/ محمد سليم العوا

الحوار الإسلامي المسيحي الذي انعقدت دورته الثانية في العاصمة القطرية الدوحة من 27 إلى 29 مايو/أيار 2004، استدعى مناقشات ساخنة في الصحافة القطرية وبعض الصحف العربية.


الحوار الذي يجري بين المسلمين والمسيحيين حوار بين الناس لا بين الأديان، فالأديان أيا كانت هي مطلقات مسلمة عند أصحابها لا تحتمل نقاشا ولا تقبل جدلا
وتعامل كثير من المشاركين في هذه المناقشات مع فكرة الحوار كما لو كانت هذه أول مرة يجري فيها حوار إسلامي مسيحي. واقترحت مشاريع لأعمال تمت فعلا في الماضي، أو هي جارية على أرض الواقع منذ سنين ولا تزال مستمرة تؤتي ثمارا طيبة مرة، وتخرج ثمرة غير صالحة مرة أو مرات أخرى.

والموضوع يقتضي بيان عدة حقائق مهمة لتفهم مسيرة الحوار الإسلامي المسيحي وأهدافه وتقويم نتائجه في ضوء هذه الأهداف.

فالحقيقة الأولى هي أن عمر الحوار الإسلامي العربي المسيحي الغربي -وبالذات مع الفاتيكان- يزيد على 40 سنة. والتطور الذي أصابه هذا الحوار المستمر يتمثل في أن الجانب المسيحي الغربي أصبح يطرح على مائدة الحوار قضايا أكثر جرأة، ويقدم بحوثا أكثر دقة، ويطلب إجابات عن أسئلة تبدو لبعضنا محرجة!‍

وعلى الجانب الإسلامي تمثل التطور الذي حققه الحوار في أن المسلمين تخلصوا من الروح الاعتذارية التي غلبت على مشاركتهم في الحوارات الأولى، ووضعوا أيديهم على مفاتيح صحيحة لفهم التوجه المسيحي في هذه الحوارات، وأصبحوا أكثر قدرة على بيان الموقف الإسلامي من قضايا التاريخ، والحكم الإسلامي-الفقهي أو الشرعي- في قضايا العصر دون وجل أو تردد.

والنتيجة التي ترضي ضمير المشاركين في هذه الحوارات هي أن كل طرف فيها يبين بصراحة توقعه من الآخر، وأن الرأي الذي كان يتداول بين أهل الدين الواحد عن أهل الدين المغاير قد أصبح يقال علانية في حضورهم، وهم أصبحوا يردون عليه ويفندونه وينتقلون في أحيان كثيرة من التفنيد والدفاع إلى الرد برأي مضاد يمكن تسميته "هجوما" في كثير من الحالات.

ويقع ذلك كله في جو من التفاهم العلمي الجاد والروح المرحة المحترمة. وحين تكون حدة -لأي سبب- فإن أحد الحاضرين يتبرع بنكتة أو طرفة أو مفارقة (مما يسميه المصريون قفشة!) ليكسر بها حدة الموقف أو يذيب جموده.

والحقيقة الثانية أن الحوار الذي يجري بين المسلمين والمسيحيين حوار بين الناس لا بين الأديان.. هو حوار بين أتباع الإسلام المؤمنين به، وبين أتباع المسيحية المؤمنين بها. ولكنه ليس حوارا بين الإسلام نفسه والمسيحية نفسها، ولا هو حوار عنهما من حيث هما دينان سماويان.

فالأديان أيا كانت هي مطلقات مسلمة عند أصحابها لا تحتمل نقاشا ولا تقبل جدلا. ولو خطر في بال متدين أن اعتقاده لا يمثل الحقيقة المطلقة الكاملة لما بقي معتقدا إياه، متبعا تعاليمه! وهي لذلك خارج دائرة الحوار أصلا وابتداء وبصورة كاملة.

وعندما يتناول النقاش بعض تعاليم الدينين فإنه يتناولها باعتبارها قواعد للحياة تنظمها إن كانت تتصل بالحلال والحرام، أو تهدي الناس إلى حسن السلوك فيها إن كانت تتعلق بالأحسن والأفضل، أو تحضهم على الخير وتنهاهم عن الشر فعلا وتركا.

والخروج عن هذا الأصل يفسد الحوار ولا يجعل له ثمرة صالحة، وهو لا يكون من المتدينين المؤمنين أبدا. نعم قد يقع من بعض المنكرين للأديان جملة وإن تسموا بأسماء مسلمة أو مسيحية، لكنهم في النهاية لا يمثلون أهل الإيمان ولا يملكون التحدث باسم الموقنين برب وحساب هو ثواب أو عقاب.

والحقيقة الثالثة أننا نفرق في شأن الحوار الذي يجري بين أهل الأديان بين أن يكون المتحاورون من أبناء حضارة واحدة وأقطار متجانسة في تركيبتها الثقافية وتاريخها المشترك، وبين أن يكون المتحاورون من أبناء حضارات شتى وبلاد تنتمي إلى ثقافات متنوعة.


دور أهل الإيمان بالأديان تأكيد البعد بين الدين الحق وبين المآرب السياسية التي تستخدم شعارات دينية لتحقيقها، ونفي الصلة بين التدين وبين ما يشن تحت شعارات دينية من حروب أو أعمال عنف عدوانية
ففي الحالة الأولى يستهدف الحوار التفاهم حول "العيش الواحد" الذي يعني المشاركة في الحياة داخل الوطن، وحمل همومه والسعي في تخليصه منها، والإسهام في تقدمه ونمائه والرضا بما يحققه أبناؤه له من نجاحات في أي مجال، والعمل يدا واحدة على تخليصه من نقائصه وزيادة كمالاته.

وهذا العيش الواحد يعني -فيما يعنيه- أن الصديق صديق لأهل الوطن كافة مسلميهم وغير المسلمين، وأن العدو عدو لهم أجمعين، وأن الخيرات في الوطن حق للجميع بقدر ما تشمل المعاناة أهله بلا استثناء.

وفي الحالة الثانية حالة الحوار بين أبناء حضارات شتى وبلاد تنتمي إلى ثقافات متنوعة، فإن الحوار يكون متجها إلى إنشاء مفهوم "العيش المشترك" وترسيخه.

والعيش المشترك يعني قبول الطرفين بفكرة اتساع الدنيا وفضل الله ونعمه فيها لخلق الله كافة، وأن التعاون على استثمار خيراتها وإعمارها هو الغاية الجامعة للناس أجمعين دون تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو الطائفة داخل الدين.

ولأن السياسيين في العالم كله يستغلون الشعارات الدينية في تحقيق المآرب السياسية، يستوي في ذلك المسلمون وغير المسلمين، والحاكمون والذين يتوقون إلى الحكم، فهم إذا لم يكونوا يتحركون حقا بدوافع دينية فإنهم لا يتورعون عن استخدام شعارات الدين لتحقيق ما يتطلعون إليه من رضاء الشعوب وتأييد الجماهير.

وهنا يكون دور أهل الإيمان بالأديان هو تأكيد البعد بين الدين الحق -في نظر أهله- وبين المآرب السياسية التي تستخدم شعارات دينية لتحقيقها، ونفي الصلة بين التدين وبين ما يشن تحت شعارات دينية من حروب أو أعمال عنف عدوانية.

وهذا ما حاولت أن تصنعه -فنجحت إلى حد كبير- القمة الإسلامية المسيحية التي انعقدت في رحاب الفاتيكان عقب أحداث سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة لتطلق كلمة الدينين الكبيرين: إدانة لوصف الحرب الأميركية على أفغانستان بأنها صليبية، وإدانة لوصف الأعمال العدوانية الإرهابية بأنها إسلامية.

وإذا كانت كلمة المجتمعين يومذاك لم تستطع الاتفاق على إدانة الإرهاب الصهيوني، وعلى تأييد المقاومة ونفي صفة العنف الممنوع عنها، فإن الصمت عن هذا الموضوع لم يعن أبدا قبول أي من الطرفين لإرهاب الدولة الذي تمارسه الصهيونية في فلسطين، ولا إدانة المقاومة المشروعة التي يقوم بها الأبطال المسلمون والمسيحيون بالقول والفعل في فلسطين. ولكن حال القمة الإسلامية المسيحية في هذا الشأن كان كما قال الشاعر:

في فمي ماء وهل *** ينطق من في فيه ماء؟!

الحقيقة الرابعة هي أن عدم اتحاد الكلمة الإسلامية في الحوار مع المسيحية الغربية فيه نفع وفيه ضرر.

فيه نفع لأن الاجتهاد الإسلامي المتباين في كثير من الأمور -وهو نتيجة طبيعية لتقرير حرية الاجتهاد الفقهي في شريعة الإسلام- يجد فرصة التعبير عن نفسه في مثل هذه المحافل، الأمر الذي لا يتيح للطرف الآخر التعامل الجامد (Static) مع رأي معين أو فكر بذاته باعتباره هو الذي يعبر عن الإسلام.

وفيه ضرر لأن بعض الناس قد يشتط في التعبير أو رد الفعل لأنه لا يضبطه إلا مشاعره الشخصية التي قد لا يبلغ من شأنها أن تدرك ما يجب أو ما يجوز وما لا يجب أو لا يجوز، وذلك يصنع صورة إسلامية غير صحيحة -في أغلب الأحيان- في تعبيرها عن الموقف الإسلامي المناسب في العلاقة الحوارية مع غير المسلمين.

الحقيقة الأخيرة أن كل الحوارات التي دارت منذ 40 سنة حتى اليوم لم تفلح في كف المسيحية الغربية عن نشاطها التنصيري في أوساط المسلمين بوجه خاص. وكان آخر ما قرأته في هذا الشأن هو التقرير الخطير الذي نشره موقع إسلام أون لاين يوم 31 مايو/أيار 2004 نقلا عن صحيفة "فيلت إم زوغ" الألمانية التي نشرت أن الفاتيكان خصص أموالا هائلة مؤخرا لتفعيل نشاط منظمة "رابطة الرهبان لنشر الإنجيل" في مجال وقف انتشار الإسلام حول العالم وتنصير أكبر عدد من المسلمين.

وقد حمل هذا التقرير عنوان "مليون ضد محمد" وقال إن المنظمة المذكورة يعمل بها نحو مليون شخص "ليل نهار وفي كل مكان من أجل وقف انتشار الإسلام في العالم بكل قوة، وتشويه صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ونعته بأبشع الصفات".


الميزانية السنوية لمنظمة الرهبان لنشر الإنجيل نصف مليار دولار معظمها لأنشطة التنصير ووقف المد الإسلامي، فهل آن الأوان لتكون لدينا منظمة الحفَّاظ لنشر القرآن الكريم؟ وهل رصدنا أي مبلغ لوقف نشاط التنصير أو التقليل من آثاره؟
ويستخدم الكاردينال كريسنسيوسيبي في التعبير عن أعضاء المنظمة التي يرأسها كلمتي "قواتي" و"جنودي"، في إشارة لا تخفى دلالتها على طبيعة المنظمة وأهدافها.

وهذه المنظمة تشرف على 1081 أسقفية كنسية ذات وجود غير معلن في دول تحظر الأنشطة الكاثوليكية مثل السعودية واليمن والصين وفيتنام وكمبوديا.

وتمتلك المنظمة سلسلة من المرافق المخصصة للخدمة العامة حول العالم منها 42 ألف مدرسة و1600 مستشفى وستة آلاف مركز خدمات طبية أولية و780 مركزا لمساعدة مرضى الالتهاب الكبدي الوبائي و12 ألف مركز لمساعدة الفقراء والمعوزين، تقدم جميعها خدمات مجانية!

وقال تقرير الصحيفة الألمانية إن المنظمة التنصيرية افتتحت في دولة قطر -التي احتضنت مؤخرا حوارا كاثوليكيا إسلاميا- مدرسة في العاصمة الدوحة تضم أربعة آلاف تلميذ ثلثهم فقط من المسيحيين. وقدر التقرير الصحفي الميزانية السنوية لمنظمة "الرهبان لنشر الإنجيل" بنحو 500 مليون دولار يوجه معظمها لأنشطة التنصير ووقف المد الإسلامي.

لذلك كله أسمي الكنائس الشرقية باسم "الكنائس الوطنية" لأنها لا تلج أصلا إلى هذا المجال المثير للفتنة، الباعث على التعصب، الموغر للصدور، المؤجج لنيران العداوة بين بني الوطن الواحد. وأسمي الحوار مع أبنائها حوار العيش الواحد في مقابلة أن الكنائس الغربية "كنائس أجنبية" يتعامل معها بالحذر والحرص والفهم الدقيق الواجب أن يحيط تعاملاتنا مع الأجانب الغربيين خاصة، وفي مقابلة كون الحوار مع أتباعها حوار العيش المشترك الذي أقصى غاياته أن يخفف من الاحتقانات التي تسببها أنشطة هذه الكنائس في بلاد المسلمين وبين تجمعاتهم حيثما كانت.

وبقي أن أسأل: هل آن الأوان لتكون لدينا منظمة "الحفّاظ لنشر القرآن الكريم"؟ وهل رصدنا أي مبلغ من أية جهة كانت لوقف نشاط التنصير أو التقليل من آثاره؟؟

والحديث موصول عن النشاط الإسلامي الواجب في مواجهة محاولات التنصير الغربية، وعن الدعوة التي أطلقت في مؤتمر قطر الأخير لتوسيع دائرة الحوار الديني ليشمل اليهود وأهل الديانات الأخرى بدلا من اقتصاره على الحوار بين المسلمين والمسيحيين.
ـــــــ
رئيس جمعية مصر للثقافة والحوار

المصدر : غير معروف