محمد بن المختار الشنقيطي*

- الحقوق المدنية في الدستور الأميركي
- مآخذ على القانون الجديد
- ألاعيب الصياغة لتمرير القانون
- 11 سبتمبر وانتهاك حقوق المسلمين
- المسلمون الأميركيون وتحدي القانون الجديد

"هذه هي المشكلة الكبرى في السياسة: إيجاد شكل من الحكم يضع القانون فوق الإنسان".. بهذه العبارة وضع الفيلسوف الفرنسي "جان جاك روسو" يده على جوهر الحقوق المدنية، وصلتها بموضوع العلاقة بين الفرد والسلطة: فما لم يوجد ضامن خارجي لحقوق الفرد تجاه السلطة، يتحاكم إليه الطرفان على قدم المساواة، فإن القانون يصبح أداة للطغيان ووسيلة لانتهاك الحقوق والحرمات. وهذا هو الأساس الفلسفي لمفهوم "الحقوق المدنية" المعاصرة. إنها حقوق مضمونة في دساتير ونصوص قانونية، تشرف على تفسيرها وتطبيقها جهات قضائية مستقلة، ويستوي الحاكم والمحكوم في الخضوع لها.

ويمكن اعتبار وثيقة "الماغنا كارتا" التي أصدرها ملك انكلترا "جون" عام 1215 من أهم مصادر الحقوق المدنية في الدستور الأميركي المعاصر. فقد حمل المستعمرون الإنكليز معهم إلى العالم الجديد روح تلك الوثيقة القانونية المهمة، واتخذوها فيما بعد سلاحا في تحررهم من التاج البريطاني، واستلهموا الكثير من مبادئها في دستور دولتهم.

الحقوق المدنية في الدستور الأميركي

وقد تضمن الدستور الأميركي النص على عدد من الحقوق المدنية التي تكفل بحمايتها من أي استخدام سيء للسلطة التنفيذية أو القضائية. وبرزت هذه الحقوق المدنية فيما يعرف بالتعديلات Amendments وهي نصوص ألحقت بالدستور الأصلي، بناء على رأي السياسي والقانوني الأميركي "جورج ميسون". ومن أهم هذه الحقوق:

  • منع الكونغرس من سن أي قانون يحول دون حرية الدين، أو يقيد حرية الصحافة، أو يمنع الناس من التجمع والاعتراض على سياسات حكومتهم بشكل سلمي (التعديل الأول).
  • منع السلطة من "التفتيش أو الاحتجاز الذي لا مبرر له" لأي شخص، وإلزامها باحترام أمن الناس في أشخاصهم وبيوتهم ووثائقهم (التعديل الرابع).
  • منع السلطة القضائية من الترخيص في التفتيش أو الاعتقال إلا بناء على قضية واضحة، مدعومة بيمين أو بيِّنة، تصف بالتفصيل المكان المطلوب تفتيشه، والأشخاص والممتلكات المطلوب احتجازها (التعديل الرابع).
  • ضمان المحاكمة السريعة والعادلة لكل متهم، مع تفسير طبيعة وسبب التهمة الموجهة إليه، ومواجهته بالشهود ضده. وحقه في استدعاء شهود يشهدون لصالحه، ومحام يدافع عنه (التعديل السادس).

مآخذ على القانون الجديد

لكن المقيمين في أميركا وأولهم العرب والمسلمون رأوا أنه تم تقنين التمييز العرقي والديني، من خلال قوانين تعطي سلطات الأمن صلاحيات التحكم في مصائرهم، دون رقيب من السلطة القضائية، وتفتح الباب لذوي النزعات العنصرية بتطبيق القانون على طريقتهم الانتقائية الخاصة. وقد صدر القانون الجديد المتعلق بمكافحة الإرهاب – والمعروف باسم Patriot Act – يوم 26 /10/ 2001 فعمق مخاوفهم أكثر.

ورغم أن القانون الجديد تضمن فقرة تنص على أن "الحقوق المدنية والحريات المدنية لكل الأميركيين، بمن فيهم العرب الأميركيون، والمسلمون الأميركيون، والأميركيون من جنوب آسيا، يجب حمايتها. ويجب اتخاذ كل التدابير الممكنة لضمان أمنهم. وكل أعمال العنف والتمييز ضدهم مدانة" .. فإن ذلك لم يخفف من قلق المسلمين والعرب الأميركيين خصوصا، لأن هذه الفقرة وما شابهها كلام غائم مكرور، لا يحمل أي مدلول قانوني محدد.

وتتفق الجاليات المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية بمن فيها المنحدرون من أصول عربية إسلامية ومعهم الليبراليون الأميركيون في توجيه انتقادات إلى القانون الجديد، والطعن في دستورية بعض مضامينه. ومنها:

  • الحق في التجسس على المراسلات الألكترونية:
    يعطي هذا القانون وكالات الأمن الأميركية الحق في التجسس على المراسلات الألكترونية "في حالات الطوارئ" دون ترخيص قضائي. مع بقاء مفهوم "حالات الطوارئ" فضفاضا، يمكن أن تفسره وكالات الأمن بالشكل الذي يناسبها.
  • تسهيل الحصول على الترخيص القضائي للتنصت:
    يسهل القانون الجديد الحصول على الترخيص القضائي اللازم للتنصت على المكالمات الهاتفية فأصبح أسهل بكثير في ظل القانون الجديد، ولم يعد القانون يلزم وكالات الأمن بالبرهنة للقاضي على أن الشخص المستهدف يمثل خطرا موضوعيا على الأمن العام، كما ينص التعديل الرابع للدستور الأميركي.
  • توسيع مفهوم الإرهاب:
    القانون الجديد يوسع مفهوم "الإرهاب" فيجعله فضفاضا، يمكن أن يشمل الاحتجاجات العنيفة، والمسيرات المناهضة للحرب. وهو أمر يؤرق الأميركيين اليمينين الذين اعتادوا استخدام هذا النوع من أساليب التعبئة السياسية.
  • الحق في "التنصت المتحرك":
    يمنح هذا القانون وكالات الأمن الحق في التنصت على أي هواتف يستخدمها الشخص المستهدف، في إطار ما يسمى "التنصت المتحرك". بينما كان القانون القديم يفرض تجديد الترخيص القضائي قبل مراقبة أي هاتف جديد يستعمله الشخص المستهدف، حفاظا على حقوق المستخدِمين الآخرين.
  • تشجيع النميمة:
    كما أن "القانون الجديد يشجع على النميمة" حسب تعبير ميكائيل راتنر نائب رئيس "مجلس الدفاع عن الحقوق الدستورية" في نيويورك، لأنه يعتبر عدم الإبلاغ عن أي "شبهة معقولة" ذات صلة بالإرهاب جريمة يعاقب عليها، مما يفتح الباب لتجريم كل من له صلة بالمجرمين أيا كانت طبيعة تلك الصلة.
  • الإخلال بمبدأ "المدافعة والتوازن" بين السلطات:
    وليس من ريب في أن القانون الجديد فيه إخلال بمبدأ "المدافعة والتوازن"
    (hecks and Balances) بين السلطات وهو من أهم مبادئ النظام السياسي والقانوني الأميركي. فرقابة السلطة القضائية على السلطة التنفيذية -وهي مظهر من مظاهر هذا المبدأ- أصيبت بضربة قاتلة بصدور هذا القانون الجديد.
  • توسع السلطة التنفيذية على حساب القضاء:
    أسوأ ما في هذا القانون أنه يضع في يد السلطة التنفيذية جزءا من مهمات واختصاصات السلطة القضائية، فيفتح الباب أمام التعسف السياسي، وألاعيب جماعات الضغط على حساب حقوق الأفراد والمؤسسات. وفي أجواء مشحونة بالخوف والقلق، تستطيع السلطة التنفيذية إيجاد أي نوع من "الصلات" الوهمية بالإرهاب ضد الأفراد الذين لا ترضى عنهم، أو المؤسسات التي ترى من مصلحتها السياسية التخلص منها.

وفي تبرير الرئيس بوش لقراره بتجميد أرصدة "مؤسسة الأرض المقدسة" -أكبر المنظمات الخيرية الداعمة للفلسطينيين- خير دليل على هذا التعسف والتكلف. فقد قال الرئيس الأميركي: "إن المؤسسة تدعم مدارس تكون طلابها تكوينا فكريا يجعلهم فدائيين" !! وهو تبرير عجيب في بلد ينبني نظامه السياسي على حرية التفكير والتعبير.

ألاعيب الصياغة لتمرير القانون


في بلد مثل أميركا ذي تاريخ طويل من القوانين الانتقائية -قوانين الرق والهجرة وامتلاك الأرض..الخ - لا تهتم غالبية المواطنين ذات الخلفية المسيحية الأوروبية إلا بما يمس حياتها في العادة، مع استثناء "المسألة اليهودية" طبعا
بيد أن الحكومة الأميركية صاغت القانون الجديد صياغة حذرة، استطاعت من خلالها تحييد معارضات الرأي العام له. وقد تمثل هذا التحييد في تركيز القانون على الأجانب في مواده المثيرة للجدل. فقد نص القانون على ما يلي:

  • اعتقال الأجانب بشبهة الضلوع في أعمال إرهابية "مدة مناسبة" دون توجيه اتهام.
  • إلزام البنوك الأميركية بالسماح بمراقبة بعض الحسابات التي يملكها أجانب.
  • منح سلطات الهجرة صلاحيات ترحيل الأجانب الذين يجمعون الأموال لمنظمات إرهابية.
  • منع الأجانب المقيمين في أميركا من الوصول إلى المواد الكيماوية والبيولوجية الضارة.
  • كما أصدر الرئيس بوش مرسوما بإنشاء محاكم عسكرية، لمحاكمة "الإرهابيين الأجانب".

وفي بلد مثل أميركا ذي تاريخ طويل من القوانين الانتقائية -قوانين الرق والهجرة وامتلاك الأرض ..الخ- لا تهتم غالبية المواطنين ذات الخلفية المسيحية الأوربية إلا بما يمس حياتها في العادة، مع استثناء "المسألة اليهودية" طبعا. فما دامت القوانين المتحيزة موجهة ضد "الآخرين" -المسلمين أو الأجانب في هذه الحالة- فلا بأس.
وقد تبين ذلك من خلال الإجماع الذي صدر به القانون داخل الكونغرس، ومن ضعف المعارضة له، إذ لم يعارضه -من غير المسلمين- سوى منظمات وأحزاب هامشية لا أثر لها ولا فاعلية في الحياة السياسية الأميركية، مثل "الحزب الليبرالي" و"مركز الدفاع عن الحقوق الدستورية"، أو بعض المثقفين اليساريين الناشزين عن الوتيرة الأميركية، أمثال "نعوم شومسكي".

كما أن الإدارة الأميركية والكونغرس حاولا التخفيف من أثر "قانون مكافحة الإرهاب" على نفوس عامة الأميركيين، من خلال تحديد الصلاحية الزمنية للقانون بأربعة أعوام فقط، يخضع بعدها لمراجعة الكونغرس. وهو أمر يساعد على تحييد المدافعين عن الحقوق المدنية، الذين يخشون امتداد أمد القانون إلى ما وراء فترة الطوارئ الحالية، أو تأثيره على غير المستهدفين به أصلا.


التستر على الطبيعة الانتقائية للقانون الجديد لم يعد ممكنا، خصوصا بعد القبض على "جون ووكر" -سليمان- وهو أميركي مسلم كان يقاتل في صفوف "طالبان". فقد أثار القبض على "جون" جدلا سياسيا وقانونيا واسعا، سببه أن المحاكم العسكرية صيغت لمحاكمة أجانب ذوي بشرة غامقة، وهذا مواطن أميركي أبيض البشرة
لكن من الواضح أن الفقرات المشار إليها من القانون الجديد لا تنسجم شكلا ولا روحا مع نصوص الدستور الأميركي المتعلقة بالحريات المدنية، وأنها غريبة على نظام القضاء الأميركي. وهو أمر أقرَّ به وزير العدل الأميركي ضمنا، حينما قال: "إن الطريقة غير التقليدية التي تمت بها هجمات 11 سبتمبر، تقتضي منا اتخاذ تدابير غير تقليدية في تطبيق القانون" وتردد الصدى في قول "لامار سميث" عضو الكونغرس من ولاية تكساس: "هذا وقت غير عادي، ولذلك ترون إجراءات غير عادية تتخذها سلطات تطبيق القانون".

كما أن التستر على الطبيعة الانتقائية للقانون الجديد لم يعد ممكنا، خصوصا بعد ظهور مظاهر محرجة، أهمها القبض على "جون ووكر" -سليمان- وهو أميركي مسلم كان يقاتل في صفوف "طالبان". فقد أثار القبض على "جون" جدلا سياسيا وقانونيا واسعا، سببه أن المحاكم العسكرية صيغت لمحاكمة أجانب ذوي بشرة غامقة، وهذا مواطن أميركي أبيض البشرة. ورغم أن غالبية الأميركيين ذوي الأصول الأوربية المسيحية قد لا يتعاطفون مع ديانة "جون" إلا أنهم متعاطفون مع بشرته البيضاء الناصعة ومع والديه الكاثوليكيين الحنونين. وقد ظهر ذلك التعاطف بالفعل في التعليقات القانونية والسياسية على قضيته، حيث تضمنت تلك التعليقات العديد من "التخريجات" التي يمكن أن يستفيد منها "جون"، وتردد المسؤولون الأميركيون كثيرا في الحديث عن نوع التهمة التي يمكن توجيهها إليه، على خلاف طريقتهم في الحسم وعدم التردد في التعامل مع قضية المعتقلين المسلمين على خلفية تلك الأحداث.

11 سبتمبر وانتهاك حقوق المسلمين

وقد واجه المسلمون الأميركيون ظروفا عصيبة خلال الأسابيع التي تلت هجومات 11 سبتمبر. إذ تشير إحصائيات "مجلس العلاقات الإسلامية – الأميركية" CAIR عن الحوادث التي أبلغ بها المجلس، إلى أن أحداث التمييز ضد المسلمين خلال الفترة الفاصلة بين 11/9 و29/11/2001 قد بلغت 1452 حادثة، تتراوح بين القتل والتحرش اللفظي. وقد صنف المجلس هذه الأحداث كما يلي:

  • التحرش في الأماكن العمومية: 335 حالة.
  • الاعتداء الجسدي والإضرار بالممتلكات: 265 حالة.
  • رسائل الكراهية والحقد: 262 رسالة.
  • المضايقة على أيدي الشرطة أو موظفي الهجرة أو محققي الـ (FBI)- وصلت إلى 178 حالة.
  • أحداث التمييز في المطارات: 129 حالة.
  • أحداث التمييز في أماكن العمل: 127حالة.
  • أحداث التمييز في المدارس: 61 حالة.
  • التهديد بالقتل: 60 حالة.
  • القتل الفعلي: 19 حالة.
  • التهديد بالقنابل: 16 حالة.

وهذا العدد مجرد نموذج، وليس هو بالإحصاء الشامل، لأن العديد من المسلمين مرتبطون بمنظمات أخرى غير المجلس، وبعضهم لا يرغبون في الإبلاغ عن الاعتداءات ضدهم.

المسلمون الأميركيون وتحدي القانون الجديد


القانون الجديد لمكافحة الإرهاب هو إيذان برجوع نمط جديد من "المكارثية" إلى أميركا. كل ما تغير هو أن السيناتور "ماك آرثي" كان مسكونا بهوس الخطر الشيوعي في الخمسينيات من القرن العشرين، أما "المكارثية" الجديدة فهي مسكونة بهوس "الخطر الإسلامي"
من المفارقات أن المسلمين الأميركيين كانوا يخوضون معركتهم الفاصلة ضد قانون "الأدلة السرية" الصادر عام 1996، ويطعنون في دستوريته، لأنه يخول القاضي الحكم على متهم، اعتمادا على بينات سرية -معلومات استخبارية- لا يعلمها المتهم ولا محاميه، وهو أمر مناقض لحق المتهم في "تفسير طبيعة وسبب التهمة الموجهة إليه، ومواجهته بالشهود ضده" كما نص الدستور الأميركي.. وقد استطاع المسلمون الأميركيون الحصول على مساندة العديد من رجال الكونغرس لإلغاء هذا القانون، واستصدار أحكام من المحاكم الأميركية بإطلاق سراح بعض الناشطين المسلمين الذين كانوا معتقلين في أميركا بناء على هذا القانون، مثل الدكتور أنور هدام رئيس الكتلة البرلمانية للجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية في المنفى.

لكن المسلمين الأميركيين فوجئوا بقانون أشد وطأة، هو القانون الجديد لمكافحة الإرهاب. وهو إيذان برجوع نمط جديد من "المكارثية" إلى أميركا. كل ما تغير هو أن السيناتور "ماك آرثي" كان مسكونا بهوس الخطر الشيوعي في الخمسينات من القرن العشرين، أما "المكارثية" الجديدة فهي مسكونة بهوس "الخطر الإسلامي".

وأصعب ما يواجه المسلمين الأميركيين الآن هو أن رفض "قانون مكافحة الإرهاب" سباحة ضد التيار في الظروف النفسية السائدة، والإجماع السياسي المنعقد على مساندة هذا القانون. لذلك فإن جهودهم لا تنصب على مناهضة القانون ذاته في الوقت الراهن، بل الذي يواجهونه الآن هو التجاوزات في تطبيق القانون الجديد. وتدل الإحصاءات المتوفرة على أن هذه التجاوزات بلغت حدا خطيرا: فقد تجاوز عدد المسلمين المعتقلين في أميركا على خلفية أحداث 11 سبتمبر الألف شخص، ولم توجه تهمة تتعلق بهذه الأحداث إلى أي منهم باستثاء شخصين. وقد لبث بعضهم في السجن حتى الآن أكثر من شهرين، وهو أمر غريب في أميركا، حيث ينص الدستور على "ضمان المحاكمة السريعة والعادلة لكل متهم".


السلطات الأميركية بدأت تستبدل أسلوب التحقيقات القضائية بأسلوب التهويل السياسي. إذ تريد أن تقول لجمهورها إنها تفعل شيئا من أجل سلامته، بعد أن عجزت عن التوصل إلى بينات واضحة ضد المتهمين والمعتقلين

كما أن استبدال لائحة المطلوبين للاستجواب (200 شخص) بلائحة جديدة من خمسة آلاف، تشمل كل الذين دخلوا أميركا من دول إسلامية مخصوصة منذ مطلع العام 2000، يدل على أن السلطات الأميركية بدأت تستبدل أسلوب التحقيقات القضائية بأسلوب التهويل السياسي. إذ تريد الحكومة الأميركية أن تقول لجمهورها إنها تفعل شيئا من أجل سلامته، بعد أن عجزت عن التوصل إلى بينات واضحة ضد المتهمين والمعتقلين. ولا بد أن في اللوبيات الأميركية من يريد مضايقة العرب والمسلمين بهذه الإجراءات عن قصد وسبق إصرار، بدوافع سياسية ودينية شتى.

ثم جاء إعلان السلطة الأميركية عن تأسيس "محكمة عسكرية سرية" لمحاكمة المتهمين بالإرهاب من الأجانب سابقة غريبة وخطيرة، تزيد من قلق المسلمين الأميركيين، نظرا لما ينطوي عليه ذلك من طغيان الاعتبارات السياسية المتحيزة على الإجراءات القضائية النزيهة في تلك المحاكم، وبعدها عن رقابة الجمهور والصحافة. فالتحدي أمام المسلمين الأميركيين هو مواجهة هذه التجاوزات، إضافة إلى أعمال التمييز المستمرة. وهم ناشطون في ذلك إلى حد ما، خصوصا في الجانب الأخير.

ومن التحركات المهمة في هذا المضمار لقاء مجلس العلاقات الإسلامية - الأميركية CAIR واللجنة العربية لمكافحة التمييز ADC مع وزير النقل الأميركي يوم 26/10 لمناقشة 90 حالة من التمييز ضد الركاب المسلمين، أو ذوي الملامح الشرق أوسطية. وقد اشترك في اللقاء ممثلون عن منظمات من اليابانيين الأميركيين والسيخ، لأنهم تضرروا من أعمال التمييز هذه. وطالب المجتمعون الوزارة بالتركيز على الإجراءات الفنية لتحسين مستوى الأمن في المطارات، بدلا من التركيز على خلفية الركاب العرقية والدينية.

ومما يجعل لهذا اللقاء مدلولا خاصا أن وزير النقل الأميركي الحالي "نورمان مينيتا" من أصل ياباني، وقد عاش بنفسه آلام التمييز العنصري ضد الأميركيين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية، حينما حشر منهم 120000 شخص في معسكرات خاصة، نظرا لشكوك الحكومة الأميركية في ولائهم. وقد قاد السيد "مينيتا" بنفسه -حينما كان عضوا في الكونغرس- حملة حقوق مدنية، انتهت بإصدار قانون الحريات المدنية رقم 442 عام 1988 الذي تعتذر فيه حكومة الولايات المتحدة رسميا لمواطنيها من أصول يابانية عن أعمال التمييز ضدهم خلال الحرب العالمية الثانية.


تعتبر مشكلة التمييز في المطارات من أخطر المشكلات وأكثرها إثارة لنفوس المسلمين، إضافة إلى أنها مشكلة متسعة، خصوصا في بلد مثل أميركا يوجد به أكثر من خمسة آلاف مطار مستعمل، ويدخله 500 مليون شخص كل عام
وتعتبر مشكلة التمييز في المطارات من أخطر المشكلات وأكثرها إثارة لنفوس المسلمين، إضافة إلى أنها مشكلة متسعة، خصوصا في بلد مثل أميركا يوجد به أكثر من خمسة آلاف مطار مستعمل، ويدخله 500 مليون شخص كل عام.

وربما يكون من جوانب القصور في تصدي المسلمين الأميركيين لحملات التمييز الحالية ضدهم، أنهم استطاعوا أن يُسمعوا صوتهم للسلطة، لكنهم لم يستطيعوا إسماعه للجمهور. وفي بلد ديمقراطي مثل أميركا –الرأي العام فيه هو معيار الحق والباطل– لا يمكن إنجاح قضية بدون إيصالها إلى الجمهور العريض. ويرجع هذا القصور إلى تقصير قديم في اكتساب وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، وتركها في أيدي اللوبيات المعادية.

ومع ذلك فإن الواقع العصيب الذي يعيشه المسلمون الأميركيون حاليا، ربما يفيدهم في المدى البعيد، ومن مظاهر ذلك:

  • ارتباط المسلمين بمنظماتهم المدنية أكثر، مما سيزيد من قوة هذه المنظمات ماديا وبشريا، ويجعل لها وزنا أكبر في نظر الجمهور الأميركي والسلطة الأميركية.
  • فهمهم أهمية الاستثمار في مجال الإعلام والعلاقات العامة، بدلا من الاكتفاء بالاستثمار في بناء المساجد والمدارس.
  • الانتقال من مرحلة الدفاع والخوف على الهوية من الضياع، إلى مرحلة الهجوم ومنازلة القوى السياسية المعادية لهم.
  • التحرر من عقلية السلبية وعدم الاهتمام بالشؤون العامة، إلى الإيجابية والإقدام والمشاركة.

ورب ضارة نافعة .. كما يقال.
_______________

* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة الأميركية

المصدر : غير معروف