محمد بن المختار الشنقيطي*

- الخلفيات الفكرية والتنظيمية
- غزل أميركي وتجاوب سوداني إيراني
- آثار الأحداث الأخيرة على الحركات الإسلامية
- العلاقات بين الحركات الإسلامية والغرب
- المنظمات الإسلامية الأميركية والبحث عن دور

منذ اللحظات الأولي بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول على مركز التجارة العالمي في نيويورك ووزارة الدفاع الأميركية في واشنطن، بادرت أغلب الحركات الإسلامية عبر العالم إلى إدانة الهجمات.. وينبع هذا الموقف – في ما يبدو لنا - من اعتبارين:

أولهما: اعتبار أخلاقي يجد جذوره في فلسفة الجهاد في الإسلام، التي ترفض استهداف غير المقاتلين، وتمنع قتل النساء والأطفال، وإتلاف الأموال بغير حق.

والثاني: اعتبار سياسي وهو أن الطريقة التي تم بها الهجوم يعسر تبريرها والدفاع عنها من وجهة نظر سياسية، مهما يكن الموقف الأخلاقي منها، نظرا لإطباق العالم كله على رفضها.

الخلفيات الفكرية والتنظيمية

لكنه لم تنقشع سحب غبار الهجومين حتى تكشفت عن تباينات شتى في مواقف هذه الحركات من التفجيرات.. ولم يبق الموقف شبه الإجماعي على حاله، بل تكشف عن تباينات عديدة تبعا لاختلاف الخلفية الفكرية والتنظيمية.. فالمعروف أن مسمى الحركات الإسلامية يشمل في الوقت الحالي ثلاثة أصناف:

  • أولا: الحركات الإسلامية السياسية، والمقصود بها هنا ذات الخلفية الإخوانية.. وهذه حركات سلمية، تميل إلى العمل من داخل النظام السياسي والاجتماعي السائد، وتسعى إلى دفعه إلى التغيير بروح إصلاحية لا ثورية. ويمكن القول إن هذه الحركات اتخذت قرارا إستراتيجيا منذ السبعينيات بتفادي الصدام المباشر مع خصومها، واعتماد منهج التدرج والنضال المدني، بالتعاون مع القوى القومية والوطنية المعارضة.. لذلك لا عجب أن أطبقت هذه الحركات على إدانة الهجمات يوم 11 سبتمبر/ أيلول، لأن هذا الأسلوب من المنازلة لا ينسجم مع رؤيتها ومنهجها في العمل.
  • ثانيا: الحركات الاسلامية السلفية، وهي تقليديا ذات منحى تعليمي إرشادي، ولم تكن تهتم بالسياسة كثيرا ولا تحسن ألاعيبها.. لكن التطورات الاجتماعية والسياسية في الجزيرة العربية خلال العقد الأخير تكشفت عن مخاض جديد في الحركات السلفية، جعلها أكثر تسيسا وأعمق وعيا بالحدث اليومي.. وقد تبنت هذه الحركات – بعد تجاوز أيام الصدمة الأولى - موقفا أكثر "تفهما" لما حدث ضد أميركا، دون أن تؤيده بشكل صريح.. وربما كان من أسباب ذلك أيضا موقف تلك الحركات السلفية من الوجود العسكري الأميركي في الخليج.
  • ثالثا: الحركات الجهادية الثورية، وهي سلفية الفكر في الغالب الأعم، لكنها تختلف عن السلفيين التقليديين في موقفهم من الحكام، وميلهم إلى الخضوع للأمر الواقع، وعزوفهم عن السياسة. كما تعتبر أن الحركات السياسية الإخوانية تغالي في التحوط والمحاذرة، مما حولها إلى جزء من الواقع، لا بديلا عنه كما هو المفترض.
    وتتبنى الحركات الجهادية طريق "ذات الشوكة" في تعاملها مع الحكام ومع القوى الأجنبية الموجودة في المنطقة.. وهي في العادة قليلة العدد، لا تجد تعاطفا كبيرا بين جماهير الشعب العريضة، نظرا لأن خروجها على الدولة تحول في بعض البلدان إلى خروج على المجتمع، فأضر برسالتها وجاذبيتها، كما أن جهدها الحربي لا تصاحبه مظلة سياسية مناسبة، تسدده وتجني ثمرته.

    وقد لزمت هذه الحركات الصمت في الأيام الأولى التي تلت الهجمات -ربما لصعوبة الدفاع السياسي عنها– لكنها عادت فتحمست للهجمات وبررتها، خصوصا بعد بدء الحرب ضد أفغانستان.
    ونحن هنا نتحدث عن المواقف الرسمية المعلنة، لا عما تهمس به الألسنة في المجالس. ولو أردنا أن نتحدث عن ذلك لقلنا إن مواقف الحركات الإسلامية –وربما الجماهير المسلمة في مجملها- لا تختلف كثيرا عن الموقف الذي عبر عنه أحد الكتاب الفرنسيين في صحيفة "لوموند" حين قال "إن ضحايا الهجمات يوم 11 سبتمبر/ أيلول أبرياء، لكن أميركا ليست بريئة"، بمعنى أن الحركات الإسلامية ترفض العملية من الناحية الأخلاقية، لكنها مترددة في الحكم عليها من الناحية السياسية، نظرا لاقتناعها بضرورة الضغط على أميركا بأي وسيلة ترفع الظلم الأميركي الواقع على الفلسطينيين والعراقيين، وغيرهم من الشعوب المسلمة..وقد أجمعت الحركات الإسلامية في تصريحاتها وبياناتهاعلى تحميل أميركا المسؤولية –كليا أو جزئيا– عن هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، واعتبرت السياسات الأميركية تجاه الشعوب الإسلامية سببا رئيسيا في بذر الحقد والكراهية، وتعميق الجفاء بين العالم الإسلامي والغرب.. وتواترت الإشارة في تلك البيانات إلى السياسة الأميركية في فلسطين والعراق، ومساندة أميركا لبعض الحكام الذين تكرههم شعوبهم.. كما أجمعت الحركات الإسلامية على رفض الحرب ضد أفغانستان، والدعوة إلى نصرة الشعب الأفغاني في محنته، رغم أن جل تلك الحركات لا تربطها علاقة ودية بطالبان أو بأسامة بن لادن وجماعته.

غزل أميركي وتجاوب سوداني إيراني

وزير خارجية السوداني

لكن ما يثير الانتباه تعامل إيران والسودان مع أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وما تلاها، وكل من الدولتين تحكمه سلطة تقف وراءها "حركة" إسلامية بمعنى ما، وتشترك السلطتان مع الحركات الإسلامية الأخرى في مجمل رؤيتها الفكرية والسياسية.. فقد أنتجت الظروف التي أعقبت حوادث 11 سبتمبر/ أيلول تقاربا وتفاهما بين الدولتين وأميركا لم يسبق له مثيل من قبل.. ويدل ذلك على أن منطق الدولة هو الذي يسود في النهاية، حتى ولو كان الحاكم إسلاميا.. كما يدل على أن ظاهرة "طالبان" - التي ظلت تتعامل بمنطق الحركة وهي دولة - ظاهرة استثنائية.

وزير خارجية إيران

وربما يدل ذلك أيضا على مزيد من وعي الحركات الإسلامية بالمكان، واعترافها بالخصوصيات فيما بينها، وضرورة مراعاة تلك الخصوصيات في التعاطي السياسي.. وهو درس لأميركا قد تدرك من خلاله أن الإسلاميين ليسوا بالضرورة أعداء أبديين لها في كل الظروف والأحوال، خصوصا إذا أصبحوا حكاما يقيدهم منطق الدولة ومصلحتها.

على أن كلا من إيران والسودان ظهر فيه المنطقان بشكل متواز، ففي حين أبدى الرئيس "خاتمي" تفهما للمواقف الأميركية، أظهر الإمام "خامنئي" موقفا صلبا ضدها، وفي حين تعاطفت وزارة الخارجية السودانية مع أميركا، أصدر "مجلس علماء السودان" بيانا يناهض أميركا، ويدعو إلى نصرة الأفغان.

آثار الأحداث الأخيرة على الحركات الإسلامية

من المؤكد للمطلع على مسار الحركات الإسلامية أن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وما تلاها تشكل محطة مفصلية هامة، سيكون لها ما بعدها في التأثير على الحركات الإسلامية، سواء في علاقاتها في ما بينها، أو في علاقاتها بالحكام في الدول الإسلامية، أو في علاقاتها بالغرب.


الراجح أن الحركات الإخوانية ستصبح أكثر راديكالية في ظروف المواجهة، وستصبح الحركات السلفية أكثر تسيسا من ذي قبل، وستعي الحركات الجهادية أهمية المظلة السياسية والإعلامية، وتنسيق الجهد مع الآخرين

فمن حيث العلاقات الداخلية بين هذه الحركات، يمكن أن تسير الأمور في اتجاه الاتصال أو الانفصال، بحسب التطورات القادمة في الدول الإسلامية، فإذا زادت الضغوط الأمنية والسياسية على الحركات الإسلامية، نتيجة لما يسمى حاليا "الحرب ضد الإرهاب"، وظلت محرومة من التعبير السلمي عن نشاطها وطموحها السياسي – كما هو متوقع في المستقبل القريب - فسيؤدي ذلك إلى التقارب بين مدارسها المختلفة أكثر فأكثر. ولن يكون للتقسيم الثلاثي الذي أشرنا إليه دلالة كبيرة مستقبلا.. بل الراجح أن الحركات الإخوانية ستصبح أكثر راديكالية في ظروف المواجهة، وستصبح الحركات السلفية أكثر تسيسا من ذي قبل، وستعي الحركات الجهادية أهمية المظلة السياسية والإعلامية، وتنسيق الجهد مع الآخرين.. وربما أنتج ذلك تركيبا جديدا يحمل مشروعا سياسيا جديدا وسبلا للمواجهة مختلفة عما كان عليه الحال في الماضي.

أما إذا استطاع الحكام – والغرب من ورائهم– إدراك التنوع داخل الصف الإسلامي، والتمييز بين النضال السياسي السلمي وغيره، فسمحوا للحركات الإسلامية بمزيد من حرية العمل والمشاركة السياسية، فسيؤدي ذلك -على الأرجح- إلى إقبال كل من الحركات الإسلامية على شأنها، وترجيح همها المحلي على المناصرة العالمية، حرصا على مكاسبها الخاصة في مجتمعها الخاص، ومراعاة لموازنات التعامل السياسي الداخلي التي تفرض نفسها.

العلاقات بين الحركات الإسلامية والغرب

أما العلاقة بين الحركات الإسلامية والغرب،
فستتوقف –إلى حد بعيد– على طبيعة المنظور الإستراتيجي الجديد التي سيتبناه صانع القرار الأميركي، في الظروف الجديدة الناتجة عن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وحرب أفغانستان.

إن من المفارقات الكبرى التي تكشفت عنها أحداث 11 سبتمبر/ أيلول أن الأمن لم يعد مسألة فنية، بل قضية سياسية بالدرجة الأولى. فبينما كانت الفرقاطات والمدمرات وحاملات الطائرات الأميركية تجوب المحيطات عبر العالم، وهي تطوق أعداء أميركا وتحمي أصدقاءها.. أصيبت أميركا بضربة قاتلة في القلب، وقد تحدث العديد من الإستراتيجيين الأميركيين عن مستوى "الكفاءة العالية" التي تم بها التخطيط لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول وتنفيذها، وأبدوا تشاؤما كبيرا من أن ذلك مؤذن بمرحلة جديدة ستميل فيها كفة القوة لصالح المنظمات على حساب الدول.

وصرح هؤلاء الإستراتيجيون بأن أي إجراءات حربية أو احتياطات أمنية لن تمنع من مخاطر المستقبل التي قد تحملها منظمات معادية إلى أرض الولايات المتحدة، أو إلى مصالحها عبر العالم.. والسبب في ذلك هو أن خبرة التنظيم والاتصال التي توفرها تكنولوجيا القرن الواحد والعشرين للجميع، فقراء وأغنياء حكاما ومحكومين.. تجعل المواجهة أصعب وأعقد من المواجهات التقليدية بين جيشين متوازيين.. ويقتضي هذا التحول من الناحية العملية ترجيح الحلول السياسية على الحلول الفنية، والاستماع إلى الشعوب –لا إلى الحكام فقط– وعدم التمادي في تجاهل أسباب العداء وجذور الشر.

وفي حالة العلاقة بين الحركات الإسلامية والغرب –خصوصا أميركا – فإن ذلك يقتضي من الولايات المتحدة التخلي عن تجاهل هذه القوى الاجتماعية الصاعدة، وإعادة التفكير في العلاقة بها على المدى البعيد، بشكل يخدم السلم والتعايش -إن لم تكن الصداقة الخالصة ممكنة- ورفع الظلم الذي يثير حفيظة الحركات الإسلامية في فلسطين والعراق وغيرهما.. فإن نجح هذا التوجه الجديد في لمس شغاف القلب الأميركي الجريح –وهو أمر غير مؤكد في المدى القريب– فإن العلاقة بين الحركات الإسلامية والغرب ستتطور نحو الأحسن.. وإن استمر التفكير الأميركي التقليدي مسيطرا، تغذيه اللوبيات اليهودية واليمينية التي تكره رؤية الأمور سائرة في هذا الاتجاه .. فإن توتر العلاقة هو الذي سيسود، وسيحمل معه نتائج كبيرة وخطيرة.

وليس لنا أن نتفاءل كثيرا في المدى المنظور بتحول إيجابي في نظرة أميركا للحركات الإسلامية، لأن روح المواجهة وصوت الحرب هو السائد حاليا.. وقد كتب أحد الصحافيين الإسرائيليين منذ أيام يقول مخاطبا الأميركيين "هنالك طريقان، أن تفهموا الإرهاب أو أن تحاربوه، وليس هناك طريق ثالث".. وقد جهد الإسرائيليون واليهود الأميركيون إلى دفع أميركا إلى خيار الحرب على حساب خيار الفهم، ونجحوا الآن في ذلك، وربما سينجحون في ذلك مرات أخرى في المدى القريب.. إن من الواضح أن الشعوب الإسلامية والشعب الأميركي سيدفعان مرة أخرى ثمن البلادة الأميركية.. لكن خيار الفهم لن يغيب من الخارطة على أي حال، وستفرضه الوقائع في النهاية.

إن ما نتج عن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول من تحول مفهوم الأمن من مسألة فنية إجرائية إلى أمر سياسي، سيؤثر على تفكير الحكام في البلاد الإسلامية، بنفس الدرجة التي أثر بها على التفكير الأميركي، ولربما بشكل أكبر.. ولا بد أن مَنظر البنتاغون متحطما، ومركز التجارة العالمي محترقا، قد أثر في نظرة الحكام في البلاد الإسلامية إلى أمنهم وبقائهم. وليس مما يُستغرَب أن "المساعدات الفنية" الأميركية في مجال الأمن، لم تعد بنفس الدرجة من الأهمية والمصداقية في نفوس أصدقاء أميركا من حكام الدول الإسلامية، بعد يوم 11 سبتمبر/ أيلول.. فإذا كان المتكفل بالأمن لم يعد آمنا، فإن المعتمدين عليه لن يرتاحوا إلى تلك الطريقة في التأمين.

وقد بدأت ملامح ذلك تظهر للعيان منذ اليوم الأول للهجمات، وأبدى أصدقاء الولايات المتحدة في العالم العربي "شجاعة سياسية" غير مسبوقة في نقدهم لأميركا وسياساتها، والنأي بأنفسهم عنها.. وربما كان هذا على الأرجح أمرا ظرفيا يقتضيه فن العلاقات العامة أيام الأزمات، كما تدل عليه ازدواجية الخطاب السائدة، التي جعلت وزير دفاع إحدى الدول العربية يصرح –بالعربية- بأن بلاده لن تسمح لأميركا باستخدام قاعدة جوية على أرضها في ضرب أفغانستان، ثم يصرح سفير نفس الدولة لدى أميركا في نفس اليوم –لكن بالإنكليزية هذه المرة – أن القاعدة رهن الإشارة الأمريكية.


الخطاب السياسي الحالي يدل على أن عالم ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول عالم مختلف، وأن موازين القوى داخل الدول الإسلامية بدأت تهتز.. ومن آثار ذلك على المدى البعيد أن بعض الحكام المسلمين سيجدون من الأجدى لهم في النهاية التفاهم مع القوى السياسية المحلية –وأهمها الحركات الإسلامية– بدلا من الاتكاء على حماية من وراء البحار

ومع ذلك فإن هذا الخطاب السياسي يدل على أن عالم ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول عالم مختلف، وأن موازين القوى داخل الدول الإسلامية بدأت تهتز. ومن آثار ذلك على المدى البعيد أن بعض الحكام المسلمين سيجدون من الأجدى لهم في النهاية التفاهم مع القوى السياسية المحلية – وأهمها الحركات الإسلامية – بدلا من الاتكاء على حماية من وراء البحار، وربما لن يقتنع بعضهم بهذا المنطق، وسيزيد من الاعتماد على الخارج، لكن ذلك سيزيد الوضع السياسي احتقانا، ويقربه من حافة الانفجار.

وربما تفهم أميركا أن من يزرع "الشاه" يحصد "الخميني"، وتخاف على مصالحها بعيدة المدى، فتدفع الحكام في الدول العربية إلى التكيف مع الحركات الإسلامية، والعمل على احتوائها، بدلا من قمعها بشكل مباشر.. وسيكون ذلك بداية انفراج، وعلاقة طيبة بين أميركا والحركات الإسلامية.

كل هذه الاحتمالات واردة، وسيترجح بعضها على بعض بناء على حالة الوضع الداخلي في أميركا وفي الدول الإسلامية.

المنظمات الإسلامية الأمريكية والبحث عن دور

لاحظ اثنان من الباحثين الإستراتيجيين الأميركيين المهتمين بالعلاقات بين العالم الإسلامي والغرب هما "غراهام فوللر" و"يان لسَر" أن تركيا تحاول أن تكون "جسرا" بين العالم الإسلامي والغرب، لكن الغرب يريدها "سدا" بينه وبين العالم الإسلامي.
ويبدو أن هذه الإشكالية في الدور المرجو تنطبق أيضا على المنظمات الإسلامية الأميركية.

لكن دعونا ننبه أولا إلى أن ما يوجد في أميركا ليس "حركات إسلامية" تسعى إلى الوصول إلى السلطة، بالمعنى الذي نتحدث عنه في العالم الإسلامي، بل منظمات إسلامية ذات أهداف محدودة، تتفاوت اهتماماتها من النضال في مجال الحقوق المدنية، بحثا عن مساحة للمسلمين في الحياة السياسية الأميركية، إلى الأعمال الخيرية والتربوية التي تهدف إلى الحفاظ على الهوية ومساعدة إخوة العقيدة أينما كانوا.

فتباين المواقف الذي ظهر بين المنظمات الإسلامية في أميركا تجاه الحرب في أفغانستان مرده إلى خلاف في التصور والمنطلق الإستراتيجي حول دور المسلمين الأميركيين:

  • فهل سيرضى المسلمون الأميركيون أن يكونوا مجرد مرشدين للسياسة الأميركية الحالية في العالم الإسلامي، يدلون الرئيس بوش على اجتناب عبارات مثل "الحرب الصليبية" مثلا، وينصحونه بتعليق الأعمال الحربية في رمضان؟ وهي أمور تخدم الإستراتيجية الأميركية أكثر مما تخدم المسلمين.. أم سيكون دورهم أجدى وأبعد أثرا من ذلك؟، فيسعون إلى تغيير الإستراتيجية الأميركية في المنطقة، وجعلها أكثر إنصافا وعدلا، وبذلك يفتحون الباب إلى تفاهم بعيد المدى بين الحضارتين، ويتحولون إلى "جسر" حقيقي عبر المحيط.
  • وهل المطلوب من المسلمين الأميركيين هو "إرضاء" أميركا من خلال تنصلهم من أي أعمال عنف ضدها وأي مقاومة لسياساتها، مشروعة كانت أو غير مشروعة، ثمنا للاعتراف بـ"أميركيتهم"، أم المطلوب منهم هو "إفهام" أميركا جذور الشر، وأسباب العداء لها في العالم الإسلامي، ومكامن الخلل في سياسياتها الخارجية؟.

يبدو أن الخيار الإستراتيجي لم يتضح بعد في أذهان المسلمين الأميركيين، الذين لا يزالون يتلمسون دورا لهم في المجتمع الأميركي، ولم يعرفوا بعد كيف يستغلون الإمكانات الواسعة التي يوفرها لهم.. وربما كانت الحرب النفسية التي شنتها عليهم وسائل الإعلام الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول قد أسهمت في حشرهم في موقع دفاعي، ففقدوا المبادرة وروح المبادأة.. وقد أشار أحد المسلمين الأميركيين بمرارة إلى أن العديد من الكنائس الأميركية تتلو صلواتها من أجل ضحايا الحرب من المدنيين الأفغان، لكن المساجد في أميركا لا تفعل ذلك الآن، وهي مقارنة ذات دلالة في هذا الشأن.


أشار أحد المسلمين الأميركيين بمرارة إلى أن العديد من الكنائس الأميركية تتلو صلواتها من أجل ضحايا الحرب من المدنيين الأفغان لكن المساجد في أميركا لا تفعل ذلك الآن، وهي مقارنة ذات دلالة في هذا الشأن

لقد نجح اللوبي الصهيوني بجده واجتهاده خلال الخمسين عاما الماضية في تحويل أهداف إسرائيل إلى أهداف أميركية، فتحولت إسرائيل من دويلة مغمورة تردد وزير الخارجية الأميركي "مارشال" كثيرا في الاعتراف بها عام 1948، إلى ما يشبه الولاية الأميركية الواحدة والخمسين.. فهل سيحاول المسلمون الأميركيون أن يكونوا جسر تفاهم بين أميركا والعالم الإسلامي، ويجعلون مصالح الشعوب الإسلامية أهدافا أميركية؟ أم سيجعلون مطامح أميركا أهدافا إسلامية، أي يسبغون الشرعية على خطط أميركا الإستراتيجية وسياساتها المجحفة بالشعوب الإسلامية؟.
إن الوسائل ليست في صالح المسلمين الأميركيين الآن، بالمقارنة مع الإمكانات المالية والإعلامية والسياسية الضخمة التي يملكها اللوبي الصهيوني، لكن الوقائع في صالحهم، وهي وقائع ناطقة بذاتها، وسيفهمها الجمهور الأميركي عاجلا أم آجلا، إضافة إلى أنها ليس من الممكن تغييرها دون تغيير جذري في السياسة الأميركية في المنطقة. فالأولى بالمسلمين الأميركيين أن يراهنوا على تغيير إيجابي بعيد المدى، بدلا من التكيف المؤقت مع واقع مجحف.
___________________
*كاتب موريتاني مقيم في الولايات المتحدة الأميركية

المصدر : غير معروف