* بقلم/ إبراهيم أبو الهيجاء

-دور الجمعيات بين الحاجات والرغبات
-الضغوط الممارسة على الجمعيات الإسلامية
-ورطات وتحديات الضغوط الأميركية
-الوعود الأميركية جوفاء
جمال التهديف الأميركي

تلعب الجمعيات الإسلامية الفلسطينية والتمويل المقدم لها من الجهات الشعبية العربية والإسلامية الدور الرئيس في إغاثة الفلسطينيين معيشيا وصحيا وتعليميا. واستطاعت هذه الأموال -على قلتها- أن تخلق تماسكا اقتصاديا يؤمن الأساسيات للفلسطينيين الذين يكتوون بنار الفقر والبطالة.


التوجه الجزئي للمنظمات المرتبطة بالتمويل الأميركي لإقامة مشاريع إنتاجية وإنشائية كان هدفه التشويش على نشاط الجمعيات الإسلامية التي سحبت البساط الاجتماعي من تحت الأجهزة الرسمية
دور الجمعيات بين الحاجات والرغبات
يهدف الاحتلال من خلال فرض حظر تجول متواصل وحصار مطبق وتقطيع جغرافي للضفة وغزة إلى تركيع الفلسطينيين والنيل من صمودهم، كجزء من المعركة ضد المقاومة الفلسطينية والبنية الشعبية والتحتية الداعمة لها.

وفي ظل الحقيقة الماثلة بأن ما توفره السلطة الفلسطينية من أموال يذهب مباشرة للموظفين الملحقين بالقطاعات الأمنية والصحية والتعليمية -إذ إن 60% من النفقات الجارية في موازنة السلطة تذهب مباشرة كرواتب للموظفين- ناهيك عن سعي السلطة لتدعيم وضعها في ظل تآكل وجودها وشرعيتها وسطوتها، فإن العبء الرئيس ألقي تماما على الجمعيات الخيرية الإسلامية.

بالمقابل كان هناك المئات من المنظمات الأهلية والثقافية الفلسطينية التي يصل تعدادها إلى ما يقارب الـ 1800 منظمة تعتمد على الدعم الأوروبي والأميركي المتدفق، والذي ركز على بناء الأمن الفلسطيني والتثقيف الديمقراطي والنسوي وتطبيع العلاقات وحتى المشاريع العامة كانت بغرض التدريب والتطوير وليس البناء والإنشاء.

وللدقة فإن هناك بعض هذه المنظمات قاوم الأجندة الغربية، وتحديدا الأميركية، وأصر على شروطه في التنفيذ، إلا أن الإجمال العام يشير إلى أن معظم المنظمات غير الحكومية يصب في ذات التوجه آنف الذكر حيث الأجندة مشوهة ولا تناسب الأولويات الفلسطينية العاجلة، بقدر ما تناسب رغبات الممول الأميركي أو الأوروبي.

وقد حاولت السلطة الفلسطينية سنة 1999 السيطرة على هذه المنظمات لجعل تمويل مشاريعها يمر عبر السلطة لاسيما وأن الدخل السنوي لهذه المنظمات يقدر بنحو 200 مليون دولار حسب البنك الدولي. وجاء استحداث وزارة المنظمات الأهلية في هذا الإطار، وسط اتهامات من جانب السلطة لهذه المنظمات بتلبية أجندة تغريبية، وتحصيل رواتب إدارية تصل إلى أرقام جنونية (70% من موازنة المشاريع)، وقد ردت تلك المنظمات على اتهامات السلطة باتهام السلطة بالفساد والتسلط أيضا.

الضغوط الممارسة على الجمعيات الإسلامية

الولايات المتحدة تطالب الجميع بوقف الدعم للشعب الفلسطيني المذبوح بينما لا تطلب من ذاتها الالتزام بوقف دعمها اللامحدود للاحتلال الإسرائيلي

غير أن اهتزاز مكانة السلطة لدى الإدارة الأميركية زاد من قوة تلك المنظمات. لكن انعطافة حدثت في العام الثاني لانتفاضة الأقصى من الجيد رصدها، وهي أن تلك المنظمات المرتبطة بالتمويل الأميركي حاولت إقامة مشاريع إنتاجية وإنشائية وإغاثية.
ورغم أن ذلك يعد تجميلا لدورها في ضوء الإدراك الظرفي لكون الفلسطيني يحتاج لمن يطعمه لا لمن يعظه في الديمقراطية الأميركية، فإن التوجه الجزئي لهذه المنظمات كان هدفه التشويش على نشاط الجمعيات الإسلامية التي سحبت البساط الاجتماعي من تحت الأجهزة الرسمية، وكذلك من المنظمات الأهلية، وهذا بدوره أدى إلى تصاعد قوة الحركات الإسلامية الفلسطينية وهو ما نبهت أطراف داخلية وخارجية بضرورة تداركه من خلال التالي:
  1. تجفيف موارد الجمعيات الإسلامية من خلال الضغط على الحكومات العربية لملاحقة التمويل الشعبي والجمعيات الجامعة له.
  2. توجيه الدعم الشعبي والرسمي العربي من خلال قناة السلطة الفلسطينية، وهذا ما ركز عليه الرئيس الأميركي جورج بوش بجلاء في قمتي العقبة وشرم الشيخ.
  3. ملاحقة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لنشطاء الحركات الإسلامية الاجتماعيين من خلال الاعتقال ومداهمة المؤسسات الخيرية وتحطيم بنيتها المعلوماتية.
  4. ملاحقة الأجهزة الأمنية الغربية والأميركية للجمعيات الإسلامية في الخارج من خلال محاصرة أنشطتها وإغلاق بعضها واعتقال بعض مسؤوليها.
  5. محاولة ربط النشاط العسكري لحركات المقاومة بالأعمال الإغاثية، ومحاولة خلق مشابهات في الذهن العام ما بين عمليات تنظيم القاعدة وعمليات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) للتأثير على الرأي العام، ومحاصرة العمل الاجتماعي الخيري في الداخل والخارج.

تحديات الضغوط الأميركية
إلقاء التهم وخلق المقاربات أصيب بالفشل الاستخباري، مما جعل الاتهامات تتراجع إلى الحديث عن إشكالية دعم ومساندة بنية المقاومة الفلسطينية، وهو ما كان يعني بجلاء أن الحرب ضد الجمعيات تلاحق أنشطتها المتعلقة حتى بالأيتام والأرامل والفقراء، وهذا برأينا وضح للرأي العام أن الهدف هو القضاء على مقومات الصمود الفلسطيني أيضا.

ولكن الطرح الأميركي بهذا الشكل يواجه مشاكل موضوعية وذاتية أهمها:

  1. غالبية الجمعيات الفاعلة تتعاطف مع الحركات الإسلامية، وهي تمتاز بنظافة اليد، وفي ظل أن ما يدعو إليه الأميركان هو الشفافية فإن دعواهم لتوجيه الدعم لقنوات رسمية أو أهلية أخرى هو بمثابة تناقض وكشف للنوايا الأميركية التي تزعم أنها مع الإصلاح المالي بينما تسعى فعليا لتوجيه الموارد باتجاهات تتهمها أميركا بالفساد أصلا.
  2. إيجاد البديل عن الجمعيات الإسلامية يتطلب وجود بنية موازية تحتاج إلى سنوات من التراكم، لذا فإن سحق الجمعيات الإسلامية سيعني ثورة اجتماعية فلسطينية وتراكما للغضب وبالتالي مزيدا من المقاومة، في ظل أن عشرات آلاف العوائل مرتبطة أو مستفيدة من دعم الجمعيات الإسلامية، وهذا ما نبه إليه المبعوث الأميركي الأسبق لمنطقة الشرق الأوسط دينيس روس عندما شنت السلطة الفلسطينية حربا شاملة ضد الحركات الإسلامية سنة 1996 حيث نوه لخطورة المساس بالجمعيات الإسلامية دون بديل موجود ومواز.
  3. يجب أن لا يغيب عنا أن ضغوط الأميركان على الدول العربية للقيام بإجراءات -غير عادية- ضد الجمعيات الخيرية هو بمثابة تدخل في شؤونها الخارجية، ومن الجيد هنا تذكير هذه الدول بما يعنيه ذلك التدخل من مس بسيادتها ونيل من كرامتها.

الغريب هو أن تكون مناكفة الحركات الإسلامية محفزا للأميركان لكي يقوموا بإغداق الوعود المالية على الفلسطينيين مما يدلل على أن المعاناة الإنسانية الفلسطينية هي لغة معدومة في الحسابات الأميركية، ولا تأتي إلا في إطار خدمة المصالح الأميركية
لقد أعلنت مستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس في زيارتها الأخيرة للمنطقة عن "تخصيص مليار دولار أميركي كبديل عن الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الجمعيات الإسلامية الفلسطينية".
الغريب هو أن تكون مناكفة الحركات الإسلامية محفزا للأميركان لكي يقوموا بإغداق الوعود المالية على الفلسطينيين، مما يدلل على أن المعاناة الإنسانية الفلسطينية هي لغة معدومة في الحسابات الأميركية، وهي لا تأتي إلا في إطار خدمة المصالح الأميركية، وبالتالي فالحديث عن الإصلاح الفلسطيني هو غطاء لإدخال تفاعلات في الساحة الفلسطينية تنتج معادلة تساندهم، وإلا لو كان الأمر صحيحا لكان حريا بالأميركان المطالبة بالإصلاح إبان نشر تقرير هيئة الرقابة الفلسطينية الذي تحدث عن فساد هائل لدى وزارات السلطة، وهذا يدلل أن المعيار الأميركي للإصلاح هو انسجام الفلسطينيين مع المطالب الأميركية المتعلقة بمزيد من التنازل والأمن للإسرائيليين.

ولكن كما هو حال وعود السياسة الأميركية المترددة والمتقلبة مع العرب، كذلك وعودها المالية والاقتصادية، فرغم أنها أتت في سياق المناكفة، فإنها تبدو قاصرة عن إسعاف الفلسطينيين في حاجاتهم الأساسية، خوفا من تحول هذه البنية إلى قوة صمود، ولذا فإن الأميركان يركزون الآن فقط على المساعدات الأمنية لأجهزة السلطة.

ولقد اعترف تقرير حديث صدر في الشهر الماضي لمجلس السياسات الأميركية بواشنطن أعده جيمس بروان أحد مستشاريي بوش بأن "إعلان إدارة بوش عن مخطط اقتصادي وتنموي لتنمية المدن الفلسطينية ومواجهة الحركات الإسلامية سيواجه بمشكلات عديدة نظرا لفعالية هذه الحركات ودورها المتنامي في الداخل الفلسطيني".

بل إن مجلس السياسات الأميركية اعترف أيضا بأن "تخطيط وزارة الخارجية وتقارير المخابرات المركزية لإقرار سياسات جديدة أو طرح خطط مالية واستثمارية تثقل كاهل الموازنة الأميركية سوف تكون تداعياته خطيرة، خاصة أن بعض الحركات الفلسطينية والإسلامية يملك خريطة الواقع الفلسطيني وتبعاته على كل المستويات، وأن التلويح بفرص بديلة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي ليس واقعها الآن في ظل سيطرة الخيار الأمني وضرورة إيقاف العمليات الاستشهادية أولا ثم الحديث عن الاقتصاد والتنمية لاحقا".

ويحمل تقرير مجلس السياسات الأميركي دلالات مهمة كاعترافه بقوة الجمعيات الإسلامية الاجتماعي وبعجز الأميركان عن مجاراته أو التورط في انتزاعه بشكل عاجل. ولكنه يستغل هذه الحقيقة الموضوعية ليبرر امتناعه عن المساعدات التنموية أو تهربه من مسؤوليته الاقتصادية (أي حق يراد به باطل). وتبقى الإشارة الأهم هي أن التقرير ركز على تعزيز القدرات الأمنية التي تحول دون العمليات الاستشهادية وليس قضايا الاقتصاد والتنمية.


الهدف الجلي من الحرب الأميركية الإسرائيلية على الجمعيات الإسلامية في الداخل والخارج ليس فقط وقف أعمال المقاومة بل إبقاء الفلسطينيين أذلاء على أبواب الاحتلال يستجدون لقمة عيشهم ولا يفكرون بأوطانهم

إجمال التهديف الأميركي
الهدف الجلي من الحرب الأميركية الإسرائيلية على الجمعيات الإسلامية في الداخل والخارج ليس فقط وقف أعمال المقاومة، بل هو تجريد الفلسطينيين من صمودهم وإنسانيتهم. فالمطلوب إبقاؤهم أذلاء على أبواب الاحتلال يستجدون لقمة عيشهم ولا يفكرون بأوطانهم وكرامتهم وعزتهم.

أما الشعب العربي والإسلامي المتحرق لدعم الشعب الفلسطيني بكل السبل الذي يجد نفسه عاجزا أمامهم نكبتهم اليومية ولا يجد غير ماله ليجود به على إخوانه الفلسطينيين فإن المطلوب منه الآن التخلي عن ذلك القليل الذي يقدمه.

وإذا ما نجحوا في وقف هذا الدعم الإنساني المحدود أو التضييق عليه، فإنه من المؤكد أن تسوء الأحوال الإنسانية في فلسطين بشكل أكبر، لأن القليل الذي تؤمنه الجمعيات الإسلامية كفيل فقط بتخفيف الفقر والجوع. أما البنية التحتية والخدمات الأساسية فهي تحتاج إلى عشرات المليارات، وهذا ما لا يجرؤ أحد على التورط به أو أخذه على عاتقه.

وفي ظل الوعود الأميركية الجوفاء لإنقاذ الفلسطينيين من محنتهم كبديل عن الجمعيات الإسلامية، فإن محاربة الأميركان لذلك الجزء اليسير من المساعدات العربية والإسلامية الشعبية كفيل فقط بتراكم معادلة من الغضب الاجتماعي الذي سينفجر فقط في وجه المصالح الأميركية، ويصب جام غضبه على الاحتلال بمزيد من المقاومة وليس العكس.
__________________
* كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف