بقلم/ علي العبد الله

تشهد الجماهيرية الليبية منذ سنوات عملية إعادة تعريف جذرية تكاد، على صعيد السياسة الخارجية بخاصة، تبلغ درجة الانقلاب الشامل. وبدأت العملية بإعلان الجماهيرية نبذ الإرهاب والالتزام بمحتوى قرار مجلس الأمن رقم 731 عام 1992، وانتهت بالإعلان، خلال زيارة مارك أوبراين وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية، عن تبني مكافحة الإرهاب والالتزام بحقوق الإنسان ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل مرورا بالتوسط لإطلاق رهائن غربيين وأميركيين تحديدا تحتجزهم مجموعة أبو سياف الفلبينية في جزيرة "صولو"، والتعاطي إيجابيا مع المطالب البريطانية الأميركية بشأن قضية تفجير طائرة "بان أميركان" فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية، والإسهام في إعادة أسرى من الأفغان العرب إلى بلادهم.


ربطت بعض التعليقات السياسية بين التوجه الليبي الجديد وما وصف بـ"الإحباط الليبي" من الموقف العربي إزاء الحصار الذي فرض على الجماهيرية حيث لم تكسره أي دولة عربية بينما قامت عدة دول أفريقية بذلك
عكس الخطاب الذي ألقاه الزعيم الليبي معمر القذافي بمناسبة مرور 31 عاما على ثورة الفاتح من سبتمبر/ أيلول المستوى الذي بلغته عملية إعادة تعريف الذات، حيث تضمن هذا الخطاب دعوة المستثمرين والعاملين الأميركيين إلى الحضور إلى الجماهيرية للعمل، واستعداد الجماهيرية لفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة تقوم على الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة، وتحفظه على الدعاوى الصهيونية وليس على إسرائيل التي قال عنها "إنها إذا استمرت في دعاواها الصهيونية فإنها ستفقد في عصر التكتلات الكبرى، أصدقاءها"، وكرر ما كان أعلنه في القمة الأفريقية التي عقدت في لومي (عاصمة توغو) عام 2000 حول العولمة وانتهاء عصر الدولة الوطنية والمشروع الوطني، وتضمن الخطاب انتقال أولوية الجماهيرية من الوحدة العربية إلى الاتحاد الأفريقي.

ربطت بعض التعليقات السياسية بين التوجه الليبي الجديد وما وصف بـ"الإحباط الليبي" من الموقف العربي سواء إزاء دعوات العقيد الوحدوية أو إزاء الحصار الذي فرض على الجماهيرية لأكثر من ثماني سنوات، حيث لم تقم أي دولة عربية بكسره بينما قامت عدة دول أفريقية بذلك.

الواقع أن هذا التبرير لا يتسق مع المنطق "الثوري" الذي كانت تتبناه القيادة الليبية ويميز بين الواقع الرسمي والواقع الشعبي العربي، ما يعني أن الشعب العربي في الدول العربية غير مسؤول عن مواقف الحكام، وهذا المنطق يستدعي مواصلة العمل حتى يتم التغيير الثوري الذي يضع كلمة الشعب ومصالحه أساسا للنظام السياسي والاقتصادي، ناهيك عن مشروعية التساؤل حول مدى حصافة السياسات التي اتبعها العقيد ومدى ارتباط سياسته بمصالح واحتياجات عربية، أو التنسيق مع الدول العربية بشأنها كي يطالب الدول العربية بالدفاع عنه وعنها، ومدى جدية مبادراته الوحدوية لجهة التوقيت والشركاء، حيث جاءت مبادراته في توقيت غير مناسب ومع شركاء غير مناسبين.

كما أن الانقلاب الليبي بدأ فعليا قبيل الحصار والعمل على كسره، فمنذ بداية العقد الماضي وإثر صدور قرار مجلس الأمن رقم 731 للعام 1992 أعلنت الجماهيرية في بيان لأمانة الخارجية أنها:

1- قطعت علاقاتها بجميع المجموعات والمنظمات التي تتورط في الإرهاب الدولي بجميع صوره وأشكاله.

2- ليس لديها معسكرات لتدريب الإرهابيين وإيوائهم، ودعت لجنة من مجلس الأمن والأمانة العامة للأمم المتحدة، أو أي هيئة تابعة للأمم المتحدة، للتحقق من ذلك.

3- لن تسمح باستخدام أراضيها أو مواطنيها أو مؤسساتها للقيام بأعمال إرهابية بصورة مباشرة أو غير مباشرة وتوقيع العقوبات على من يثبت تورطه في مثل هذه الأعمال.

4- تلتزم باحترام الخيارات الوطنية وتبني علاقاتها على أسس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة.

وقامت بتقديم كشف بالأسلحة والذخائر التي أمدت بها عددا من المنظمات التي يعتبرها الغرب إرهابية كالجيش الجمهوري الأيرلندي.

إن قراءة الانقلاب الليبي تستدعي البحث عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراءه كي نستطيع إدراك أبعاده وحدوده.


الانقلاب الليبي استجابة لعامل خارجي ضاغط ولد ظرفا محليا وإقليميا ودوليا غير موات فرض التكيف معه إعادة نظر في كثير من السياسات الخارجية المتبعة
لقد نجحت القيادة الليبية، التي سطع نجمها طوال العقود الثلاثة الماضية، في رسم صورة لنظامها السياسي اتسمت بـ"الثورية" و"التحررية"، وقد ارتبط هذا النجاح باستثمار المعطيات المحلية والعربية، حيث أتاحت لها عائدات النفط الكبيرة تحقيق ما يلي:

1- تأمين مستوى معيشة جيد للمواطن الليبي، في بلد قليل العدد (ثلاثة ملايين للعام 1969 وستة ملايين للعام 2003) عظيم الموارد، مع إبعاده في الوقت نفسه عن عملية الإنتاج وعن السياسة وصناعة القرار السياسي والاقتصادي، فقد أقامت بعائدات النفط الكبيرة مشاريع صناعية في عدد من الدول الأجنبية كإيطاليا واليونان وتايلند وكوريا الجنوبية) تنتج سلعا منوعة للسوق الليبية تطرح في الأسواق بأسعار زهيدة.

2- تقديم مساعدات مالية كبيرة لعدد من الدول العربية، دول الطوق خاصة، والحركات السياسية العربية، وهذا سمح بتعظيم دور الجماهيرية في السياسة العربية.

3- تقديم مساعدات مالية سخية لعدد من الدول والحركات السياسية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، وأكسبها هذا نفوذا سياسيا دوليا كبيرا.

4- دفع ثمن الأسلحة التي تستوردها نقدا وبالعملة الصعبة، وهذا سمح لها بالحصول على أنظمة تسلح أكثر تطورا، بالقياس إلى ما تحصل عليه الدول العربية الأخرى.

كل هذا فتح الطريق أمام الجماهيرية للعب دور مؤثر في الساحتين العربية والدولية أكبر من حجمها وإمكاناتها البشرية.

غير أن الظروف المواتية تغيرت وفرضت على الجماهيرية تحديا صعبا وضع نظامها السياسي أمام ساعة الحقيقة، فقد هدأت فورة النفط التي تلت حرب 1973 وتراجعت أسعاره، وتآكل النظام العربي لصالح وطنية ضيقة، ودخلت المنطقة العربية - بعد العدوان الأميركي على العراق 1991، وانهيار الاتحاد السوفياتي وبدء عملية تسوية الصراع العربي-الإسرائيلي برعاية أميركية في دائرة الهيمنة الأميركية شبه المطلقة، وقد زاد التطور التقني الذي مهد للعولمة هشاشة الأنظمة السياسية العربية، وضاعف من انعدام وزنها.

ترتب على كل ذلك اعتماد دول كثيرة ومنها الجماهيرية سياسة التكيف الإيجابي مع هذه الظروف والمتغيرات بعد أن فقدت الغطاء الدولي وأضاعت فرصة إقامة غطاء عربي مناسب.

في هذا الإطار يمكن فهم الانقلاب الليبي باعتباره استجابة لعامل خارجي ضاغط ولد ظرفا محليا وإقليميا ودوليا غير موات فرض التكيف معه إعادة نظر في كثير من السياسات الخارجية المتبعة والتمسك في الوقت نفسه وبقوة بالسياسة الداخلية التي أتاحت السيطرة على المجتمع وتحويله إلى تابع ضعيف للسلطة في معادلة القوة بين السلطة والمجتمع.

في هذا السياق تراجعت الجماهيرية عن كثير من أساسيات سياساتها الخارجية، وأطلقت إشارات كثيرة في تعبير واضح عن توجهها الجديد كالعودة عن دعم الحركات الثورية وعن التوجه العروبي، وتقليص الدعم المالي لمنظمة التحرير الفلسطينية والحديث عن حل خاص يستبعد قيام دولة فلسطينية، والدعوة إلى إقامة دولة ثنائية القومية باسم "إسراطين".

كما كان لافتا أن بعض المشاركين الليبيين في ندوة جرت في طرابلس (أكتوبر/ تشرين الأول 2002 ) قد تبنوا موقفا يقوم على ضرورة الفصل بين الصراع العربي الإسرائيلي والتعاون الأمني بين الاتحاد الأوروبي ودول شمال أفريقيا استنادا إلى أن القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي يتسببان في إرباك التعاون الأوروبي المتوسطي وإبطائه وتعقيده، وهذا خروج عن النظام الإقليمي العربي.


لن يقود الانقلاب الليبي إلى تحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين الليبيين، لأنه لم يتعرض لإعادة نظر في الأوضاع الداخلية
وقد تأكد هذا التوجه عندما أعلنت الجماهيرية عن نيتها الانسحاب من جامعة الدول العربية، وهي خطوة قد تقود إلى فرط النظام الإقليمي العربي، وهو هدف سعت إليه أميركا وإسرائيل لإحلال الشرق أوسطية مكانه، والتقرب من الولايات المتحدة الأميركية بوضع عقبات أمام تطور العلاقات الأوربية-الأفريقية، وتبني فكرة تلاشي مبدأ السيادة الوطنية، وإعلان العقيد أن تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن يمثلان تهديدا لليبيا ولدول عربية أخرى.

كما أكدت ليبيا هذا التوجه باستعدادها لدفع تعويضات مجزية لأسر ضحايا لوكربي (10 ملايين دولار للشخص الواحد، أي دفع 2.7 مليار دولار) والبحث عن صيغة تشير إلى مسؤولية الجماهيرية عن اعتداء لوكربي.

وكان أخيرا تبنيها لاقتصاد السوق وخصخصة القطاع العام تخصيص 350 شركة إلى العام 2008 ومنها التخلي عن برنامج أسلحة الدمار الشامل وبيع الخطوة للإدارة الأميركية، وكان الأفضل إيجاد نوع من الربط مع أسلحة إسرائيل من جهة وترتيب الموقف مع الأمم المتحدة من جهة ثانية.

كل هذا في إطار مساع محمومة لرأب الصدع مع الولايات المتحدة وإنهاء القطيعة الراهنة، كوسيلة للاحتفاظ بالسلطة السياسية خاصة بعد احتلال العراق وفرط الدولة والقبض على الرئيس العراقي صدام حسين، بينما لم يحظ الوضع الداخلي بإعادة نظر جادة تتفق مع الالتزام بحياة دستورية وسيادة القانون وبحقوق الإنسان والحريات المرتبطة بها، حيث جاءت عملية إعادة الهيكلية في المجال الداخلي جزئية وشكلية كإلغاء 14 أمانة من أمانات المؤتمر الشعبي العام والإبقاء على أربع أمانات، واستحداث أمانة خاصة بالشؤون الأفريقية أبقت البلاد والمجتمع تحت السيطرة.

فالأحزاب ما تزال ممنوعة منذ صدور القرار رقم (71) للعام 1972، والبلاد دون دستور محدد تحكمها قواعد سياسية فضفاضة، الإعلام الدستوري الثوري (1969) الكتاب الأخضر (1976)، الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهيرية (1988)، علما بأن هيكل السلطة الأفقي يترك للزعيم الدور المحوري في إدارة البلاد -بما يشبه نظام الحزب الواحد مع فارق أن السلطة هنا بيد فرد واحد- ويترك الشعب في حالة تفكك بسبب غياب التراتبية السياسية وتحديد المسؤوليات وآليات الرقابة والمحاسبة.

لن يقود الانقلاب الليبي إلى تحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين الليبيين، لأنه لم يتعرض لإعادة نظر في الأوضاع الداخلية، لا من حيث هيكل النظام وبنيته، ولا من حيث مؤسساته القائمة، حيث ما يزال المؤتمر الشعبي العام، الذي لا يعرف كيف يتم انتخابه، واللجان الثورية التي تستبد بالمواطنين ولا من حيث ضرورة وضع دستور للبلاد أو تحديد من يحكم ليبيا وكيف يحكم، وما دور المجتمع في ذلك، وإطلاق حريات سياسية بالتخلي عن القرار 71 للعام 1972 الذي يمنع قيام الأحزاب والعمل النقابي والمدني، والعمل على وضع إمكانات البلاد في خدمة الشعب، حيث يشكو من نقص في الخدمات الصحية والتعليمية وفي الاتصالات والمواصلات، ونقص المرافق العامة، وانخفاض الدخل، نصف المجتمع تحت خط الفقر (200 دولار في شهر للأسرة) ما لم يتم التسليم بانتهاء الشرعية الثورية وقيادة الزعيم الملهم وإقامة نظام دستوري على أسس حديثة، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإطلاق عملية إصلاح شامل والولوج في عملية اندماج وطني قائمة على قاعدة العدل والمساواة في دولة الحق والقانون، وإلا فإن ما تم سيؤدي إلى نتائج سلبية تعمق التبعية السياسية والاقتصادية والتذرر الاجتماعي والانقسامات العمودية بين المواطنين على أسس قبلية ومناطقية.
ــــــــــــــــــ
* كاتب سوري

المصدر : غير معروف