*بقلم/منتصر الزيات


تراوحت التكهنات بحقيقة التحولات الفكرية للجماعة الإسلامية في مصر وتزايد الجدل بشأنها، ربما لشدة الالتباس بين ما كان سائدا في أدبياتها طيلة الثلاثين عاما الماضية والأفكار التي حملتها المراجعات الأخيرة، وهى حالة يصعب تفسيرها على نحو سليم لعدم ملاءمة الظروف التي مرت بها عملية المراجعات داخل السجون بعيدا عن أجواء الحرية الطبيعية.


ويبقى أن ننتظر وقتا آخر يمكن بعده قياس درجة الثابت والمتغير لدى قادة تلك الجماعة التي شغلت الرأي العام لأكثر من ثلاثة عقود بأهم الأحداث التي غيرت مجرى الحياة السياسية بمصر ولم تزل تغير، ولا يمكن إتمام هذا القياس دون الدخول في حوار جدي موسوم بأجواء الحرية، وهو ما كانت الجماعة الإسلامية تشير إليه في أحد
أدبياتها القديمة "يجب أن يراعى في قياس المصالح والمفاسد أن يكون بميزان الشرع لا بالمزاج والهوى، وضابط ذلك أن يقوم به صاحب عقل سليم ومزاج معتدل، فلا يعتد فيه بقول متهور ولا جبان".


حينما يقع المرء في الإكراه قد يجبر على نطق قولة تحت التعذيب أو التهديد، أما أن يصدر نشرات وكتبا ومؤلفات فذلك يدحض شبهة الضغط أو الإكراه
لكن القدر الذي ينبغي الوقوف عنده أيا كان التوصيف لما جرى إعلانه من تلك المراجعات في غضون السنوات الخمس الأخيرة أنه ليس لأحد أن يلوي النصوص أو يسبر أغوار النفوس، وإنما يلزم أن نقف عند حدود النوايا الظاهرة ومدى عطاء تلك الشخصيات على مسرح الحركة الإسلامية والحياة السياسية، بما يمكن القول معه بضمير مستريح إنهم لا يرضون الدنية في دينهم وإن توجههم جاء عن قناعة تامة، لا سيما وأنهم يكررون في كل مناسبة أنهم اتخذوا تلك المراجعات بكل إرادتهم واختيارهم، والنعي عليهم بالإكراه غير متصور أيضا حيث لا يصح لهم الترخص.


والمرء حينما يقع في الإكراه قد يجبر على نطق قولة تحت التعذيب أو التهديد، أما أن تصدر عنهم نشرات وكتب ومؤلفات وتجرى معهم لقاءات تم تصويرها بالصوت والصورة يتمنون بثها وإذاعتها فذلك يدحض كل شبه الضغط أو الإكراه ويبقى أن نتعامل مع مراجعاتهم على هذا النحو اتفاقا أو اختلافا مع ما ورد بها.


ففي أوائل السبعينيات غيّب الموت الرئيس جمال عبد الناصر وخلفه الرئيس الراحل أنور السادات، وكانت ردة الفعل لنكسة يونيو/ حزيران 1967 لم تزل تحدث تطوراتها في المجتمع المصري بإحلال وتبديل للقناعات والأفكار والقيم التي كانت سائدة طوال عقدين سابقين أو يزيد قليلا، وكان السادات الذي اعتلى سدة الحكم فجأة دون أن يكون له تنظيم داخله قد أطلق الإخوان المسلمين من سجنهم وأطلق لهم العنان في التحرك العلني بحرية تامة، وكانت أهم التجمعات التي جرى خلالها وقائع التغيير وتقليص النفوذ المترامي لليسار المصري هي الجامعات المصرية.

وفى الوجه القبلي تحديدا تجمع ثلة من قيادات العمل الطلابي فيه، وكانت أهم الأسماء التي شاعت آنذاك كرم زهدي وناجح إبراهيم وعاصم عبد الماجد وعصام درباله وفؤاد الدواليبي وطلعت فؤاد قاسم وحمدي عبد الرحمن وصلاح هاشم وأسامة حافظ، استطاعوا السيطرة على "الجماعة الدينية" التي كانت تعمل بوحي من أجهزة الدولة ورضائها وحولوها إلى "الجماعة الإسلامية" لتعمل على نشر الدين إرضاء لله بعيدا عن أهواء السلطة وألاعيب السياسة.


وعملوا من خلال نشاطاتهم في الأجواء المسموحة على نشر الدعوة الإسلامية والقضاء على التيار الشيوعي رغبا ورهبا، ومع تعاظم نفوذ "الجماعة الإسلامية الطلابية" تقدمت الخطى نحو السعي إلى تغيير المنكر في أروقة الجامعات والمدن الجامعية، وارتضى رؤساء الجامعات قرارات الجماعة الإسلامية فصل الطلبة عن الطالبات في المدرجات وقاعات المحاضرات وحظر اختلاطهم حتى في الأماكن العامة بالجامعات.


وفى سبيل توسيع دائرة النفوذ أقيمت المعسكرات الإسلامية في العطلات والإجازات الموسمية التي يحاضر فيها نخبة من الدعاة والعلماء تفد من خارج الجامعة، وأصبح شائعا ومسموحا حظر إقامة الحفلات الغنائية أو الموسيقية أو عرض الأفلام السينمائية داخل الحرم الجامعي في جميع جامعات الوجه القبلي تحديدا, وألهبت خطب كرم زهدي التي كان يلقيها في مساجد المنيا أو زوايا الكليات هناك حماسة الطلاب والتف من حوله قيادات الجماعة الإسلامية وتأثروا به تأثرا بالغا.


وبينما تكشفت مساعي "الإخوان المسلمين" للسيطرة على زعماء الحركة الطلابية داخل الجماعة الإسلامية بجامعات مصر بادر زهدي إلى تكريس قيادته عليها في الوجه القبلي، مستعينا بجهاديين من الوجه البحري كان في صدارتهم المهندس محمد عبد السلام فرج صاحب كتاب "الفريضة الغائبة" والمقدم- مخابرات عبود الزمر، وكانت أبرز ملامح اختلاف تيار "الجماعة الإسلامية" بالوجه القبلي عن تلك التي سيطر عليها الإخوان في الوجه البحري نوازع الثورية ومحاداة نظام الحكم في مصر واعتباره فاقدا للشرعية.


ولم يجد زهدي صعوبة في الحصول على موافقة زملائه على تكوين التنظيم الجديد في الصعيد مستقلا عن تيار الإخوان المسلمين، واستقى فكره من كتب كثيرة أهمها تفسير ابن كثير والعقيدة الطحاوية ومعارج القبول لحافظ بن الحكمي ونيل الأوطار للشوكاني ورياض الصالحين للنووي، وخلطت مصادر فكره السلفي بأفكار سيد قطب التي تتمرد على النظام الحاكم في مصر وتصمه بالجاهلية، بالإضافة إلى كتاب "الفريضة الغائبة" لعبد السلام فرج.



إذا كان الانفصال بين الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد قد وقع داخل السجن عام 1983 فإنها استمرت في موقفها المتشدد من نظام الحكم
وأفرزت تلك الخلطة أهم ملامح ذلك الفكر الذي قامت عليه "الجماعة الإسلامية" في صعيد مصر والتحامها بقيادات الجهاد، إذ قامت على تكفير أنور السادات معتبرة إياه "لا يحكم بما أنزل الله" باعتبار أنه مرتكب للكفر الأكبر وفق تمييزهم بين الكفر والظلم والفسق الأكبر الذي يخرج مقترفه من ملة الإسلام، في حين لا يصل لذلك الكفر والظلم والفسق الأصغر الذي يعني ارتكاب المعاصي والآثام بما لا يخرج صاحبه من الملة، كما اعتبرت دعوته فصل الدين عن السياسة تجريدا للإسلام من روحه ليحوله صورة باهتة بلا حياة.


ولجأ التنظيم الجديد آنذاك لاستمرارية نشاطه إلى كسب الأعضاء الجدد، كما لجأ إلى طرق مختلفة أخرى للتمويل مثل إقامة أسواق خيرية لبيع السلع وبيع الكتب الدراسية والدينية والزي الإسلامي للطالبات,
وتطورت الحاجة للتمويل، وبناء على فتاوى استحلال أموال النصارى المحاربين كانت أولى العمليات القتالية للتنظيم بالاستيلاء على المشغولات الذهبية ببعض محلات بيع الذهب التي يملكها نصارى بمدينة نجع جمادى في صعيد مصر والاستيلاء أيضا على إيراداتها المالية.

وقاد تلك العملية علي الشريف حيث جرى اقتحام محلين للذهب ذات يوم جمعة من العام 1980، وبعد قتل من قتل ونجاة من نجا كانت أول غنيمة غنمتها الجماعة أربعة آلاف جنيه مصري وخمسة كيلوات ونصف من الذهب.
وهديا على نجاحها قاد نبيل المغربي عملية مماثلة في اقتحام محل ذهب لمالك نصراني في منطقة شبرا الخيمة بالقليوبية.


وفي ضوء تصاعد وتيرة الخلاف بين السادات والتيار الإسلامي في عمومه وإصداره قرارات التحفظ على العديد من قيادات وأعضاء هذا التنظيم جاءت عملية اغتيال السادات في السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 1981 منطلقا من تلك القناعات أو المعتقدات السالف بيانها، ورغم أن خالد الإسلامبولي اتخذ قرار التخلص من السادات منفردا وعرض قراره على محمد عبد السلام فرج الذي دعا على الفور مجلس الشورى لبحث الأمر.


وفي منزل "عبد الحميد عبد السلام" بضاحية عين شمس شرق القاهرة بسط الإسلامبولي خطته وطالبهم بتوفير الأفراد المعاونين له لإتمام خطته، وتعهد فرج بتوفيرهم، كما طالب مجموعة قبلي بزعامة زهدي إمداده بقنابل أربع كانت في حوزتهم إلا أنهم لم يرسلوها إليه.


وبعد نجاح خالد وإخوانه عبد الحميد عبد السلام وعطا طايل حميدة وحسين عباس ومن ورائهم عبد السلام فرج مخططا ومعاونا ومعدا في اغتيال السادات، اجتمع على الفور في أحد أحياء أسيوط مجلس شورى الوجه القبلي بزعامة كرم زهدي، حيث اتفقوا على مواصلة العمل الجهادى الرامي لقلب نظام الحكم باستهداف خمسة أهداف للأمن في أسيوط هي مديرية الأمن هناك وقسم ثان والدورية اللاسلكية ومباحث أمن الدولة والمباحث الجنائية ونقطة شرطة إبراهيم، ثم الزحف بعد ذلك لمحافظات الوجه البحري وتثوير الجماهير.


وكانت ساعة الصفر حيث قاد العملية علي الشريف وعاصم عبد الماجد، وتم اقتحام مديرية الأمن وقتل فيها عدد كبير من الضباط والجنود وتم فتح النار أيضا على بعض سيارات الأمن المركزي التي كانت تحمل الجنود في الميادين والشوارع العامة بأسيوط، كما تم اقتحام نقطة شرطة إبراهيم، لكن إصابات دربالة التي أدت لبتر يده اليمنى وعلي الشريف في بطنه إصابات شديدة أدت إلى فشل المخطط والقبض عليهم أحياء ومعهم كرم زهدي وترحيلهم في طائرة خاصة للقاهرة بصحبة وزير الداخلية آنذاك اللواء النبوي إسماعيل.


وإذا كان الانفصال بين الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد قد وقع داخل السجن في غضون العام 1983 فإنها استمرت في موقفها المتشدد من نظام الحكم في مصر، ففي رسالة نشرتها مجلة المرابطون الناطقة بلسان الجماعة عدد يوليو/ تموز 1990 للدكتور ناجح إبراهيم "طالب خلالها بضرورة كشف وتعرية النظام العلماني الحاكم وبيان عدائه للإسلام ومحاربته لأهله وتوضيح أن القنوات الدستورية والسبل القانونية التي تم العمل بها على بعض السذج ليست إلا سرابا ووهما وخداعا".

وختم رسالته بأنه لن يرتدع الطغاة عن فتنة المسلمين ولن تتم إزاحتهم عن كراسي الحكم إلا بالقتال، "وبدا ذلك واضحا حتى العام 1993 عندما قبلت وساطة مجموعة العلماء لوقف العنف الدائر بينها وبين الحكومة المصرية، غير أن قرار الإطاحة بوزير الداخلية الأسبق عبد الحليم موسى أفشل تلك الجهود، وكان اغتيال الدكتور علاء محيى الدين الناطق الرسمي للجماعة عام 1990 دافعا للجماعة في استمرار عمليات الثأر والانتقام ضد رموز النظام المصري.


فبادرت باغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب آنذاك، وقال ممدوح علي يوسف أحد أبرز قيادات الجماعة والمتهم الأول في قضية اغتيال المحجوب في كلمة له بقاعة المحكمة في أولى جلساتها في يونيو/ حزيران 1991 "إن الممارسات الإرهابية لنظام الحكم لن تثني حملة لواء الدعوة الإسلامية عن المضي في طريقهم".



تعد جماعة الإخوان المنافس الحقيقي الوحيد للحزب الوطني، ما يتطلب إبعادها دائما عن المشهد السياسي

ودخلت كوادر الجماعة المسلحة في الداخل وقياداتها في الخارج في مواجهة عنيفة بينها وبين الحكومة المصرية في الفترة من العام 1992 حتى العام 1997 حيث أعلن شيوخ الجماعة في الخامس من يوليو/ تموز 1997 مبادرتهم السلمية الأحادية وقف كل الأعمال المسلحة داخل مصر وخارجها.

وبقيت تلك المبادرة تجتاز العوائق والعقبات، سواء من بعض الرافضين لها -وفي هذا السياق وقعت حادثة الأقصر في نوفمبر/ تشرين الثاني 1997- أو من دوائر السلطة التي استمرت في إجراءاتها وتدابيرها الأمنية والقضائية ضدها، حتى قاد مكرم محمد أحمد حوارا موسعا مع قيادات الجماعة وكوادرها على مرأى ومسمع من الجميع، في خطوة ذات مغزى خلص بعده إلى صدق هذه المراجعات ورغبة قيادات الجماعة في التصالح مع المجتمع، بما كشف عن تغير في الموقف الرسمي إيجابيا لصالح دعم المبادرة.

واستغرب البعض انفراج العلاقة بين دوائر السلطة في مصر مع الجماعة الإسلامية، في الوقت الذي تواصل فيه توجيه ضربات متواصلة للإخوان المسلمين، غير أن هذا يعكس ازدواجية في التعاطي الرسمي مع ملف التيار الإسلامي، بينما تطرد المؤسسة الأمنية في التعامل مع ملف الجماعة الإسلامية باعتباره ملفا أمنيا محضا كان يسبب قلقا بالغا بحالة العنف التي تنعكس على الاستقرار والاقتصاد والسياحة سلبا حيث إن ملف الإخوان المسلمين هو سياسي بالدرجة الأولى.

إذ تعد جماعة الإخوان المنافس الحقيقي الوحيد للحزب الوطني، ما يتطلب إبعادها دائما عن المشهد السياسي، وفى ذروة الصراع حينما كانت السلطة توجه للجماعة الإسلامية ضربات في سويداء القلب قتلا وإعداما وأحكاما صارمة بالمؤبد كان التعاطي مع الإخوان يقتصر على بعض الاعتقالات المحدودة وأحكام بالسجن تتراوح بين عام إلى ثلاثة أعوام.
ــــــــــــــــــ
*كاتب مصري

المصدر : غير معروف