بقلم/ غراهام فولر

هل تمثل انتخابات الجزائر التي أجريت الأسبوع الماضي نصف الكأس المليء أم النصف الفارغ؟ إنه لأمر مشجع أن نرى دولة عربية تجري انتخابات برلمانية يستطيع فيها كل المواطنين ممارسة حقهم في التصويت. الأخبار الطيبة أن علي بن فليس القائد الشاب والجديد للحزب الحاكم القديم جبهة التحرير الوطني، فاز في الانتخابات وأصبح رئيسا للوزراء من جديد. ويتمتع بن فليس بسمعة جيدة من حيث النزاهة وإبراز وجوه شابة وجديدة في الحزب، وهم من سيكونون ضروريين إذا أرادت الحكومة إثبات مصداقيتها. إن بن فليس واحد من الوجوه الشابة القليلة في الأنظمة العربية الجمهورية التي يهيمن عليها رؤساء إلى الأبد بلغوا من الكبر عتيا.


هناك شكوك كثيرة تحوم حول الانتخابات الأخيرة أحدها أنها منعت أكبر حزب سياسي -وهو الجبهة الإسلامية للإنقاذ- من المشاركة في الحياة الديمقراطية إضافة إلى مقاطعة عدد من الأحزاب الأخرى لهذه الانتخابات

غير أن هناك شكوكا كبيرة تحوم حول نزاهة تلك الانتخابات، فهي أولا -وهو الأكثر أهمية- لم تكن مفتوحة للجميع بشكل حقيقي لأن أعضاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ السابقة كانوا محظورين من الترشيح بأي طريقة كانت. وكانت هذه الجبهة أكبر حركة وطنية في البلاد منذ أواخر الثمانينيات وفازت بأصوات أكثر من أي حزب آخر (ولكن ليس بأغلبية) في انتخابات البرلمان عام 1991. وكان انتصار جبهة الإنقاذ هذا هو الذي تسبب في تدخل الجيش وعمل انقلاب وحظر الجبهة واعتقال أعضائها. وكانت هذه المخالفات للعملية الديمقراطية -وهي مخالفات انتقدتها في حينها في مقالات لي في صحيفة لوس أنجلوس تايمز- قد تمت بذريعة منع الإسلاميين من استلام السلطة في الجزائر.

ويتساءل الواحد منا إن كان وصول الجبهة الإسلامية للإنقاذ أسوأ من الحرب الأهلية التي تعيشها الجزائر منذ أكثر من عشر سنوات وهي الحرب التي نتجت عن انقلاب الجيش. كما أن أي انتخابات بدون مشاركة الجبهة الإسلامية للإنقاذ القوية لا يمكن اعتبارها تمثل الشعب تمثيلا حقيقيا.

أما الأمر الثاني، فهو مقاطعة أربعة أحزاب جزائرية للانتخابات اعتقادا منها بأن الانتخابات لن تكون نزيهة. وكان حزب جبهة القوى الاشتراكية -وهو أحد أهم الأحزاب وأقدمها في الجزائر- واحدا من الأحزاب التي قاطعت الانتخابات. وجبهة القوى الاشتراكية هي حزب البربر من الناحية التقنية إذ إنها تستمد قوتها الرئيسية من أصوات البربر، إلا أن برنامج الحزب السياسي غير مرتبط بأي برنامج خاص بالبربر وإنما هو برنامج وطني بتوجهات اشتراكية. وأعتقد أنه أحد أكثر الأحزاب إدراكا لطبيعة مشكلات الجزائر وخصوصا ضعف الديمقراطية الجزائرية وحاجة البلد إلى إعادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى ساحة العمل السياسي حتى يتحقق السلام والاستقرار والشرعية للحكومة الجزائرية. كما أن حزبا بربريا ثانيا قاطع هو الآخر الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

الأمر الثالث أن نسبة إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع كانت متدنية جدا، إذ وصلت إلى أقل من 50% في البلاد بشكل عام ولم تتجاوز 2% فقط في مناطق البربر.

أما الأمر الرابع فهو استمرار العنف السياسي في منطقة القبائل مع استمرار عمليات القتل التي يقوم بها إسلاميون حتى خلال عملية الانتخابات، وذلك في دوامة عنف متواصلة منذ أكثر من عشر سنوات. وهذه هي أسوأ حالة عنف ترتكبها مجموعة إسلامية في أي مكان من العالم الإسلامي عندما تقوم الجماعة الإسلامية المسلحة بعمليات قتل منتظمة تقتل فيها مجموعات من الناس بين عشرة وعشرين شخصا كل مرة. وكان للجماعة الإسلامية المسلحة ارتباطات بأفغانستان وحتى بأسامة بن لادن، على الرغم من أن هذه المعلومة الأخيرة تروجها فقط الحكومة الجزائرية، إذ يحلو لكل الحكومات اليوم ربط كل أعمال الإرهاب تقريبا بتنظيم القاعدة بشكل أو بآخر. ولكن سواء كان لهذه الجماعة علاقة بتنظيم القاعدة أو لم يكن، فإنها لا شك جماعة راديكالية متطرفة ووحشية يبدو أنها لا تملك برنامجا سياسيا أو هدفا آخر سوى ذبح المواطنين الآخرين من الوريد إلى الوريد. ويعتقد بعض المحللين أن هذه الجماعة قد تكون مخترقة من جانب المخابرات الجزائرية بهدف تقسيم الإسلاميين وتشويه صورتهم. وعلى أي حال فإن الجماعة الإسلامية المسلحة لا تتمتع إلا بدعم سياسي محدود كما أنها لاقت إدانة مستمرة من الحزب الإسلامي الرئيسي وهو جبهة الإنقاذ المحظورة.

وهكذا فإن هذه العيوب الكثيرة في الانتخابات كانت مصدر إحراج للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي كان يأمل أن تحصل الحكومة على بعض الشرعية من عملية الانتخابات. إلا أنه للأسباب التي ذكرناها آنفا لم تضف هذه الانتخابات مزيدا من الشرعية للحكومة، وهو ما يعد أمرا سيئا للغاية لأن علي بن فليس رئيس وزراء واعدا يمكن أن يجلب الخير للبلد، غير أنه سيحرم من كثير من الشرعية التي يستحقها ويحتاجها لتنفيذ برنامجه الإصلاحي. والأسوأ من ذلك كله، أن الجيش الجزائري قد لا يسمح أبدا لبن فليس بتنفيذ إصلاحاته التي تحتاجها الجزائر بشكل كبير. وقد يكون بن فليس مرشحا رئيسيا لخلافة بوتفليقة في الرئاسة لكن ذلك لن يحدث بدون دعم من الجيش.

إن مقاطعة الانتخابات لم تكن موجهة بشكل أساسي لبن فليس نفسه وإنما ضد النظام الحاكم في الجزائر الذي يسميه الجميع في الجزائر بـ"السلطة". وهذه السلطة تتكون بشكل رئيسي من ضباط الجيش الذين يسيطرون على كل القرارات المهمة في البلاد والمتعلقة بالأمن. وتتحمل السلطة هذه غالبية المسؤولية عن الأوضاع الاقتصادية الفظيعة في الجزائر رغم مستويات الإنتاج الضخمة من الغاز الطبيعي والنفط الخام الذي تملكه البلاد، وهي مداخيل تتم بعثرتها وإضاعتها بسبب الفساد المستشري داخل السلطة والدوائر السياسية والاقتصادية القريبة منها التي لها ارتباطات بفرنسا.


مشكلات الجزائر ستبقى دون حل مادام الجيش يتحكم بالسلطة ويحول دون مشاركة جميع الأحزاب السياسية في الحكم

ومادامت هذه السلطة تهيمن على هذا البلد الذي يبلغ تعداد سكانه حوالي 32 مليونا فإن الجزائر ستظل تراوح مكانها. ومازالت الجزائر تحافظ على معدل مرتفع جدا من البطالة ونقص في المساكن وهو ما يثير مشاعر السخط بين الناس في طول البلاد وعرضها.

إن هذه السلطة ترفض السماح لجبهة الإنقاذ بالقيام بأي دور في الحياة السياسية حتى وإن كانت لاتزال تعتبر أكبر حزب سياسي في البلاد، وهي حقيقة من المستحيل التأكد منها بسبب حظر الجبهة وتبعثرها خلال سنوات الحرب الأهلية العشر. وجبهة الإنقاذ تتحمل فقط مسؤولية جزئية عن الحرب لأنها لم تبدأ إلا نتيجة حرمان الجبهة من الحصول على ثمار انتصارها الشرعي في الانتخابات. وتواصل الحكومة اتهام الجبهة بالإرهاب، كما سارع الرئيس بوتفليقة إلى استغلال حرب الرئيس الأميركي جورج بوش على الإرهاب ليحصل على دعم منه بعد أن عرض لعب دور في محاربة الإرهاب في الجزائر. والواقع أن بوتفليقة قام بزيارة واشنطن مرتين منذ انتخاب الرئيس بوش.

وهكذا فإن الجزائر تعطي صورة مشوشة تعكس كثيرا من الحقائق التي نراها في أماكن أخرى من العالم العربي كالديمقراطية الجزئية، والجيش المتنفذ الذي يتلاعب بالحياة الديمقراطية من وراء الكواليس، وفساد الطبقة الحاكمة التي لا يمكن إبعادها عن السلطة وهي غير منتخبة، وحظر الحركة الإسلامية الرئيسية في البلاد، والمشكلات السياسية مع البربر المسلمين الذين يشكلون أقلية عرقية في الجزائر. وسأتحدث في مقال الأسبوع القادم عن البربر بسبب أهمية هذه الظاهرة في العالم الإسلامي.

ورغم هذه المؤشرات السلبية فإن الانتخابات البرلمانية الأخيرة أفضل من كثير من الانتخابات التي جرت في بقية العالم العربي (حيث لا يوجد انتخابات برلمانية في كثير من الدول العربية أو لا يسمح بتأسيس أحزاب سياسية). كما أن الصحف الجزائرية من أكثر الصحف العربية انفتاحا سواء الصحف الصادرة بالعربية أو الفرنسية. وإذا كنا نريد التغلب على هذه المؤشرات السلبية فسنكون بحاجة إلى صحافة حرة كتلك الموجودة في الجزائر اليوم. إن العالم العربي يجب أن يحذو حذو الحالة الجزائرية لأنها تحتوي على العديد من الدروس الضرورية للأنظمة العربية الأخرى.

المصدر : غير معروف