بقلم/ عماد فوزي شعيبي

مع إعلان تطبيق قانون محاسبة سوريا سيكون فصل جديد من العلاقات السورية الأميركية قد فتح واسعا، خصوصا أن مجرد تطبيق هذا القانون بغض النظر عن البنود المختارة، يؤذي العلاقات السورية الأميركية.


طرد القادة الفلسطينيين من دمشق مطلب غير واقعي ولا يخدم مصالح الولايات المتحدة نفسها
صحيح أنه يخدم الانتخابات الأميركية بشقها المتعلق بدعم المحافظين الجدد والصوت اليهودي والصهيوني المسيحي، إلا أنه بالتأكيد لن يخدم التعاون السوري الأميركي في حملة مكافحة الإرهاب، رغم أنه من المعلوم أن سوريا هي الدولة التي أنقذت أرواح العديد من الأميركيين بما لا يقاس مع أي دور لتعاون أي دولة.

كما تتعرض سوريا نفسها لصنوف من الإرهاب ولها موقف إستراتيجي بالأصل، فضلا عن التاريخ والخبرة في الإرهاب ومستتبعاته، ما يعني خسارة فعلية لفاعلية حملة مكافحة الإرهاب إذ إن الولايات المتحدة تخسر بتطبيقها هذا القانون دولة إستراتيجية بامتياز في شد أزر هذه الحملة.

والأهم من هذا وذاك أن الدور الذي تطالب به واشنطن سوريا في العراق للحفاظ على وحدته واستقراره وأمنه سيتعرض بموجب توقيت هذا القانون لانتكاسة شديدة، خصوصا أننا نؤكد أنه لا أحد يستطيع أن يكون له ذاك الدور إلا سوريا.

فهي وحدها التي لا يعكس دورها أي مشكلة إثنية أو طائفية أو سياسية، والتي يمكن أن تشارك الولايات المتحدة هذا الأمر بغض النظر عن دوافع كل منهما.

فمآل ما تريده سوريا من هذا الدور هو وحدة العراق وقيامه كدولة مستقلة بدون أي تداخلات احتلالية، وهو ما يعني عمليا توفير "إستراتيجية خروج" للأميركيين إذ إن هدف سوريا هنا هو "العنب" وليس لها أي أوهام دونكيشوتية حول "مقاتلة الناطور".

اللافت أنه على التزامن مع إعلان تطبيق هذا القانون، التقى الرئيس الأميركي جورج بوش رئيس تحرير جريدة الأهرام وأجابه عن مبررات اتخاذ قراره تطبيق ذاك القانون فكانت على النحو التالي:

"لأن سوريا لم تستجب للدور الذي طلبته منها الولايات المتحدة بخصوص الشراكة الكاملة في حملة مكافحة الإرهاب، إذ من بين المطالب الواقعية إغلاق مكتب لحزب الله في دمشق".

وإذا كان الدور السوري في حملة مكافحة الإرهاب لا يختلف عليه اثنان لأنه بيّن بالحجة والقرائن والدلائل، فإنه من الغريب أن يكرر الرئيس الأميركي حديثه -مرتين- عن إغلاق مكتب لحزب الله في دمشق.


حقن السياسة الأميركية بالميل إلى عدم الاستقرار يخدم الأيدولوجيين ومن ثم إسرائيل ولا يخدم الولايات المتحدة، ما يجعلنا نتساءل عن مصداقية تلك السياسة في الحفاظ على السلم والاستقرار العالميين
والمعروف أن ليس هنالك مكتب بالأصل لحزب الله، وما تم إيصاله عبر الأقنية الدبلوماسية إلى سوريا إنما يتصل بمكاتب المنظمات الفلسطينية.

وفي هذه الحال يعني أن الرئيس الأميركي "جاهل" ولا يعرف عن أي شيء يتحدث لأن الخطأ تكرر في تسعة أشهر مرتين، أو أن هنالك من يقوم على تجهيله عبر البنتاغون واليمين الجديد لغاية "تراكمية" ضد سوريا. وخطير للغاية أن يتم تجهيل رئيس أكبر دولة عظمى في العالم للتهيئة التراكمية من أجل الحض على سوريا لاحقا.

وعموما فنحن لا نستطيع أن نقبل بأي صورة من الصور أن يكون تصريح الرئيس الأميركي مجرد هفوة عابرة لأن الخطأ تكرر مرتين، ما يعني أن هنالك صورة نمطية تقف وراء تصريحاته.

وإذا ما كان لدى الولايات المتحدة من مطالب ترفضها سوريا لاعتباراتها الوطنية والإستراتيجية، فإن هذه المطالب إذا ما نظر إليها من جانب أكثر عمقا مما يروج له عقل المحافظين الجدد ستضر الولايات المتحدة فيحال تطبيقها:

أول هذه المطالب تفكيك بنية حزب الله. والسؤال الذي يطرح هنا هو: هل سأل الرئيس الأميركي ومجلس الأمن القومي (كما فعلت وزارة الخارجية الأميركية) أنفسهم أي مصلحة للولايات المتحدة في تفكيك تيار إسلامي غير متشدد وعقلاني ويشكل جزءا من معاملات الردع والحفاظ على الاستقرار في المنطقة؟

والسؤال يمتد إلى: هل تساءل الرئيس بوش عما إذا كان البديل المنطقي والواقعي عن حزب الله هو القاعدة أو منطق القاعدة في العصب المتشددة.

أو ليس حزب إسلامي عقلاني هو الأفضل بل المثال الأنجع عن استبداله بخيار التشدد الظلامي؟ ولمصلحة من إزالة معامل الردع الذي يمنع إسرائيل من أن تتمدد في المنطقة وتخلق مشكلات لدولها وحتى للولايات المتحدة؟

إن السؤال يمتد بعيدا إلى حقيقة أن سياسة خلق بؤر عدم استقرار لم تكن أبدا سياسة للولايات المتحدة، وهي فعليا سياسة اليمين الجديد (التروتسكي سابقا) الذي يرى في الاستقرار عامل عدم تغيير نحو الأفضل وفق نموذج "الثورة المستمرة المعدّلة".

وبالتالي فإن حقن السياسة الأميركية بالميل إلى عدم الاستقرار يخدم الأيدولوجيين ومن ثم إسرائيل ولا يخدم الولايات المتحدة نفسها، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن مصداقية تلك السياسة في الحفاظ على السلم والاستقرار العالميين.


القادة الفلسطينيون في سوريا يمارسون العمل السياسي ودورهم إعلامي سياسي لا غير، إلا أنهم وعلى التوازي يبقون الفرصة الوحيدة للتفاوض السياسي والتوصل إلى حل
ثاني هذه المطالب طرد القادة الفلسطينيين من دمشق وهو أيضا مطلب غير واقعي ولا يخدم مصالح الولايات المتحدة نفسها.

فهؤلاء القادة فضلا عن أنهم يمارسون العمل السياسي ودورهم إعلامي سياسي لا غير، إلا أنهم وعلى التوازي يبقون الفرصة الوحيدة للتفاوض السياسي والتوصل إلى حل. فنحن لم نسمع أبدا عن صراع لا ينتهي بتفاوض سياسي.

ثم إذا كان لسوريا أن تطرد هؤلاء -حسب التعبير الرسمي الأميركي- فإن مكانهم الطبيعي العودة إلى الأراضي الفلسطينية.

فلماذا لا تتدخل الولايات المتحدة لتنفيذ ذلك؟ (وهل لها مصلحة هي أو إسرائيل في إثارة الموضوع بهذه الطريقة؟). ثم إذا كان على هؤلاء أن يخرجوا فما هي إحداثياتهم المكانية المتوقعة؟

والأهم من هذا أنهم إن خرجوا فإن المشكلة ستزداد تفاقما إذ إن مجرد خروجهم سيعني لـ500 ألف لاجئ فلسطيني مقيم في سوريا "إنتاج" قيادة بديلة ستطالب الولايات المتحدة بعد وقت قصير بإخراجهم جميعا منها، الأمر الذي سيعين الطلب من 500 ألف لاجئ بالخروج!

وهذا يعني إعادة إشهار ملف اللاجئين الفلسطينيين بصورة لا نعتقد أنه من مصلحة الولايات المتحدة ولا إسرائيل، مع قناعتنا التامة بهذا الحق التاريخي الموثق بالقرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وهذا ما يجعلنا نتساءل: ماذا يفعل الأيدولوجيون الذين أملوا على الرئيس الأميركي هذه اللغة اللاسياسية؟!
________
كاتب سوري

المصدر : غير معروف