بقلم: اللواء طلعت مسلم*

- دوافع التصعيد الإسرائيلي العسكري ضد العرب
- الخيارات العربية المتاحة للرد
- القدرة العربية للردع العسكري ضد إسرائيل
- الآثار المترتبة على التصعيد العسكري

أحياء فلسطينية تحت القصف الإسرائيلي

تتبع الحكومة الإسرائيلية بقيادة شارون والتي تشارك فيها أغلب الأحزاب الإسرائيلية استراتيجية يمكن اعتبارها استراتيجية تصعيد عسكري، بمعنى أنها ترتفع بمستوى العنف العسكري ضد العرب إلى مستوى أعلى. وهذه الاستراتيجية لم تبدأها أو تخترعها هذه الحكومة، فهي قائمة منذ فترة طويلة، بل يمكن اعتبارها مواكبة لنشأة دولة إسرائيل نفسها، وما مذابح دير ياسين وكفر قاسم، ولا مذابح صبرا وشاتيلا وقانا، ولا الاجتياح الجوي الإسرائيلي ببعيد.. ولم يكن شارون موجودا في بعضها.


استراتيجية التصعيد العسكري لم تخترعها حكومة شارون وإنما هي مواكبة لنشأة دولة إسرائيل نفسها

ولم يقتصر هذا التصعيد على حكومة معينة أو رئيس وزراء بذاته، كما أن التصعيد العسكري الأخير المرتبط بانتفاضة الأقصى بدأ في وجود حكومة حزب العمل برئاسة باراك وعضوية بيريز، كما أن مذبحة قانا حدثت في وجود حكومة حزب العمل وبرئاسة بيريز.

وهنا يثور السؤال عن دوافع التصعيد العسكري الإسرائيلي عموما، والتصعيد العسكري الأخير الذي تقوم به الحكومة الإسرائيلية بقيادة شارون بصفة خاصة.

استراتيجية الرد الجسيم
تشتمل استراتيجية التصعيد العسكري الإسرائيلية عموما على ما يمكن اعتباره استراتيجية الرد الجسيم باستخدام القوة المفرطة ضد أي عمل من أعمال المقاومة العربية، وبغض النظر عن حجم العنف الذي يمارسونه، فهي في مواجهة الحجارة تستخدم نيران القناصة والدبابات والطائرات العمودية المسلحة. وفي مواجهة أعمال المقاومة تقوم بقصف وتدمير مراكز الشرطة أو تدمر محطات الطاقة، وتروع السكان المدنيين إما باختراق حاجز الصوت فوقهم وإما بالقصف الفعلي. وفي مواجهة بعض قنابل الهاون تقوم باقتحام القرى، كما تفرض الحصار على المدن والقرى وتوجه النيران إلى كل من تتصور أنه يتحرك، وهي تهدد بالمزيد من استخدام أسلحتها إذا استمرت المقاومة.

دوافع التصعيد الإسرائيلي العسكري ضد العرب

قصف إسرائيلي لمواقع حزب الله
إن الدافع الحقيقي للتصعيد هو أن إسرائيل ومن يقفون وراءها يريدون أن يفرضوا أنفسهم على العرب، وأن يقبل العرب بهم بنفس سلوكياتهم ودون أي تغيير، بمعنى أن يقبل العرب بأن يتميز الإسرائيليون عنهم في الحقوق، وأن يسلموا بأنه طالما أن موازين القوى ليست في صالحهم تصبح حقوقهم المشروعة في تقرير المصير وفي العودة إلى أراضيهم ومنازلهم التي أجبروا على تركها، خالية من المضمون. لذا عليهم أن يسلموا بألا طائل وراء المطالبة بها.


يهدف التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير إلى تليين الإرادة العربية عموماً، وإيقاف أعمال المقاومة للاحتلال، والقبول بما تعرضه إسرائيـل من حلول

لكن الدافع للتصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير هو اكتشاف إسرائيل أنه بعد أكثر من خمسين عاما على قيام دولتهم العنصرية، وبعد توقيع معاهدات سلام مع أكبر دولة عربية ومع الأردن ومع القيادة الفلسطينية، واعتراف موريتانيا بها، وبعد إنشاء نوع من العلاقات مع دول عربية أخرى، فإن استسلام العرب مازال بعيدا، كما أنهم مازالوا يطالبون بحقوق كانت إسرائيل تتصور أنها أصبحت بعيدا عن أحلامهم، لذا فإنها سعت إلى تصعيد عسكري بهدف تليين الإرادة العربية عموما، وإيقاف أعمال المقاومة للاحتلال الإسرائيلي، والقبول بما تعرضه إسرائيل عليهم من حلول مرحلية لا تلتزم بها!

التصعيد ضد الفلسطينيين
الدافع الرئيسي للتصعيد العسكري ضد الفلسطينيين في النصف الأول من عام 2001 هو استمرار المقاومة الفلسطينية على نحو ما يجري من انتفاضة ومن أعمال استشهادية، ومن استخدام لأسلحة خفيفة ولكنها قاتلة، ومن إجراء لتفجيرات في مناطق داخل الخط الأخضر وخارجه، ومن مقاومة سياسية برفض التنازل عن الحقوق المعترف بها خاصة فيما يتعلق بالقدس وحق العودة.

أما الهدف الإسرائيلي فهو إيقاف المقاومة الفلسطينية بكل صورها، وقبول عروض التسوية التي تقدمها للسلطة الفلسطينية. وتتصور القيادة الإسرائيلية تحقيق ذلك عن طريق احتجاز عناصر المقاومة في السجون، وامتناع قوات الأمن عن حماية الفلسطينيين من الاعتداءات الإسرائيلية، وتوجيه نداء من قيادة السلطة الفلسطينية بالتوقف عن المقاومة، وأخيرا بالقبول بشروط التسوية التي تعرضها على الفلسطينيين.

التصعيد ضد سوريا ولبنان
تشكل سوريا ولبنان حجر العثرة الأساسية التي تحطمت عليها القدرات الإسرائيلية برفضهما الأسلوب الذي تمارسه إسرائيل ورفض مقترحاتها كشروط للتسوية، ثم بالمقاومة المسلحة التي تمثلت في حزب الله والمقاومة الإسلامية في جنوب لبنان، ومعاونة إيران التي مكنت المقاومة اللبنانية من الاستمرار وتحقيق الصمود والفاعلية التي أجبرت إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان دون توقيع اتفاق أو قبول شروط.

إن الدافع الإسرائيلي للتصعيد العسكري هو ذلك الصمود السوري واللبناني، والقدرة على استمرار المقاومة رغم الاختلال الواضح في الميزان العسكري بين إسرائيل وأي من الدولتين، بل والدولتين مجتمعتين. وتهدف إسرائيل من هذا التصعيد إلى حرمان المقاومة اللبنانية من السند الذي تستند إليه وهو السلطة الرسمية، ومن التأييد الشعبي الذي يساندها ويشكل القاعدة المادية والمعنوية التي تنطلق منها ويمدها بالقوة المعنوية التي تشكل الزاد الأساسي للمقاومة!

دوافع التصعيد ضد النفسية العربية عموما
لا تقتصر دوافع التصعيد الإسرائيلي على الفلسطينيين وسوريا ولبنان فقط، بل ولا ضد كل دول الطوق فقط، بل ربما كان الدافع ضد النفسية العربية عموما هو الأساس، فإسرائيل تشعر بأنها لم تحقق شيئا حتى بعد أن وقعت اتفاقات مع دول عربية وبعد أن أنشأت علاقات مختلفة مع دول عربية أخرى، حيث ظل الشعور العربي العام مضادا لها، ومازال الأمل في إزالة إسرائيل قائما، ومازال التصميم على عودة الفلسطينيين إلى ديارهم قويا رغم مرور أكثر من خمسين عاما على تهجيرهم.

إن الهدف الإسرائيلي هو إشاعة روح اليأس لدى النفسية العربية نتيجة للشعور بالعجز في مواجهة القوة الإسرائيلية المدججة بالتكنولوجيا العسكرية الأميركية المتقدمة. وليس المطلوب اليأس قطريا فقط، وإنما المطلوب هو الشعور بألا فائدة من التعاون العربي على نحو ما حدث عام 1973 أو بأكثر من ذلك، فالمطلوب ألا يفكر أحد في عمل عربي عسكري مشترك يحقق استراتيجية العمل على خطوط مواصلات خارجية في مواجهة عمل إسرائيل على خطوط مواصلات داخلية، وإقناع العرب شعوبا وحكومات بأن الأضرار الناجمة عنه أكبر من النتائج المحتملة منه، وتنمية الشعور القطري بإمكان تجنب الخسائر والأضرار بالبعد عن العمل القومي والقبول بنتائج أقل مضمونة بدلا من نتائج أفضل غير ممكنة!

الخيارات العربية المتاحة للرد


التفوق التكنولوجي للقوات الجوية الإسرائيلية يجعل القصف الجوي السوري واللبناني لأهداف إسرائيلية أمراً شديد المخاطرة واحتمالات نجاحه ليست كبيرة

لاشك أن الخيارات العربية للرد على التصعيد العسكري الإسرائيلي ليست كبيرة في ظل الظروف السياسية القائمة. والخيارات المتاحة فعلا هي تلك التي تقوم بها الشعوب والقوات المعرّضة فعلا للعدوان الإسرائيلي، ويرجع ذلك إلى عدة أمور من أهمها:

  1. اختلاف المواقف السياسية للدول العربية حيال إسرائيل.
  2. تفكك الروابط العسكرية والدفاعية العربية، فقد كان آخر اجتماع لمجلس الدفاع العربي المشترك عام 1981، وهذا يقيد من احتمالات استخدام عناصر القوة العسكرية المتيسرة لدى بعض الدول العربية غير المعرّضة فعلا للتصعيد العسكري الإسرائيلي.
  3. إمداد الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل بأسلحة متقدمة ومعاونتها في تطوير أسلحتها لجعل ميزان التسلح لصالحها.
  4. القيود التي تضعها الولايات المتحدة على استخدام الأسلحة التي تمد بها دولا عربية تقيد من إمكان استخدام هذه الأسلحة في الرد على إسرائيل.
وهكذا فإن الخيارات المتاحة تتراوح بين القيام بعمليات فدائية تقوم بها قوات عسكرية أو شبه عسكرية ذات تأثير قوي ضد أهداف إسرائيلية منتقاة، أو القيام بقصف جوي أو صاروخي على هدف إسرائيلي في حدود مرمى الأسلحة القريبة من الحدود اللبنانية الفلسطينية أو الحدود السورية الفلسطينية مع احتساب المنطقة العازلة بموجب اتفاق فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل. ويوضع في الاعتبار الفارق التكنولوجي بين القوات الجوية الإسرائيلية من جهة والقوات السورية واللبنانية من جهة أخرى، مما يجعل القصف الجوي لأهداف إسرائيلية أمراً شديد المخاطرة، واحتمالات نجاحه ليست كبيرة.

القدرة العربية للردع العسكري ضد إسرائيل

أولاً: الفرص
يفترض أن هناك فرصا متاحة بتوفر أسلحة يمكن أن تحقق الردع العسكري ضد إسرائيل، وإذا بدأنا بالأسهل والأقرب يمكننا القول:

  1. إن صواريخ الكاتيوشا اللبنانية لدى المقاومة الإسلامية في لبنان تشكل -وسبق أن شكلت- ردعا لإسرائيل، بل إن رد إسرائيل على هدف عسكري سوري في لبنان يدل على أن إسرائيل قد تجنبت –حتى كتابة هذا المقال على الأقل– إصابة هدف مدني لبناني حتى لا يكون ذلك مبررا لحزب الله لقصف مستعمرات الجليل بالكاتيوشا، لكن ذلك لم يمنعها من إصابة هدف عسكري سوري.
  2. إن توفر صواريخ ذات مدى يمكن أن يصيب أهدافا داخل إسرائيل يشكل فرصة لردع عسكري عربي ضد إسرائيل، ووفقا لتقارير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية فإن لدى سوريا نحو 18 صاروخ أرض أرض من طراز س س 21، و26 صاروخ من طراز سكود ب وسي، في حين أشارت مصادر عسكرية إسرائيلية إلى حصول سوريا على صواريخ أرض أرض مطورة يمكنها أن تصيب جميع المدن الرئيسية الإسرائيلية، بل وإلى أنها أصبحت قادرة على إنتاجها. وفي جميع الأحوال فإن هذه الصواريخ قادرة على أن تشكل قوة ردع. كذلك فإن الصواريخ الساحلية السورية تشكل –نظريا على الأقل– قدرة عربية على الردع بقدرتها على إصابة أهداف بحرية إسرائيلية يمكن أن تشكل ردعا لإسرائيل. وفي مجال الصواريخ فإن التقارير تشير إلى امتلاك مصر لعدد محدود من صواريخ سكود ب، لكن هناك تقارير أخرى تتحدث عن تطوير مصر لصواريخ أرض أرض ذات مدى وقدرة مناسبين يمكن أن تشكل قدرة عربية افتراضية على الردع.
  3. إضافة إلى ما سبق فإن من المعروف أن المملكة العربية السعودية تمتلك تسعة صواريخ صينية ذات مدى يمكنها إصابة أي هدف داخل إسرائيل، وبالتالي تشكل فرصة عربية للردع بغض النظر عن المعوقات.
  4. إن العلاقات السورية الإيرانية تمكننا من اعتبار وجود صواريخ شهاب 3 الإيرانية التي يمكنها أن تصيب أهدافا إسرائيلية، فرصة محتملة لتحقيق الردع العسكري ضد إسرائيل!
  5. كما أن هناك احتمالات استخدام القوات الجوية ضد إسرائيل في مجال الردع، وهي فرص أقل من الصواريخ لتوافر قدر كبير من القدرة على اعتراض الطائرات بواسطة إسرائيل. وتشير التقارير إلى امتلاك سوريا لقاذفات مقاتلة من طراز سو27 وميغ29 وهي طائرات ذات مدى وقدرات يمكنها أن تشكل قدرة ردع عربي ضد إسرائيل، فإذا أضفنا إلى ذلك الطائرات من طراز ف 16 وف 15 لدى كل من السعودية ومصر وبعض دول الخليج الأخرى نجد أن هناك فرصا لتحقيق الردع العسكري العربي ليست بالقليلة.

 ثانياً: المعوقات

  1. أن أسلحة الردع السورية السابق ذكرها تتخلف في حداثتها عن مثيلاتها الإسرائيلية نتيجة لانهيار الاتحاد السوفياتي، وأنها لا تضمن استمرار تعويضها في حال استخدامها.
  2. أن القوات السورية تأثرت بالتغيرات السياسية في المنطقة وفي سوريا نفسها، خاصة أنها لا تضمن أن تسارع أي دولة عربية إلى مساندتها في حال تعرضها للعدوان.
  3. أن احتمال استخدام القدرات المصرية والخليجية ضد إسرائيل تكاد تكون منعدمة وخاصة باستخدام الأسلحة الأميركية.
  4. أخيرا فإن توقعات الرد الإسرائيلي على استخدام أسلحة الردع العربية واحتمالات الخسائر الناجمة عن ذلك تعوق استخدام الدول العربية لأسلحة الردع العربية.

الآثار المترتبة على التصعيد العسكري

رجال المقاومة الفلسطينية يطلقون قذائف الهاون على المستوطنات الإسرائيلية
أولاً- على مستوى أعمال المقاومة:
يفترض أن تنحصر الآثار المترتبة على التصعيد على مستوى المقاومة في احتمالين رئيسيين هما:

  1. إما استمرار المقاومة وتصاعدها رغم احتمالات تصاعد الخسائر الناجمة عن التصعيد العسكري الإسرائيلي، ورغم احتمالات انحسار الدعم الرسمي والشعبي نسبيا نتيجة للخسائر المادية التي يمكن أن تنجم عن ذلك والتي يستغلها الجانب المضاد بإلصاق المسؤولية بالمقاومة.
  2. توقف أعمال المقاومة نتيجة للخسائر التي تمنى بها من التصعيد الإسرائيلي، ولتوفير فرصة أكبر للتسوية السلمية.

ورغم ذلك فإن الاحتمال الثاني ضعيف للغاية حيث سبق لإسرائيل أن استخدمته ولكنه فشل في تحقيق أهدافه نتيجة للشعور بالظلم وتساوي الخيارات الناجمة عن المقاومة وتوقفها.

التصعيد العسكري عادة ما يشكل البداية الحقيقية للوصول إلى سلام عادل وشامل، وعليه قد يكون التصعيد العسكري الإسرائيلي وتصعيد المقاومة بداية النهاية للاحتلال الصهيوني والتسليم بالحقوق العربية
وعلى الأغلب فإن المقاومة ستلجأ إلى تطوير أعمالها بحيث تكون أكثر إيلاما بالنسبة للعدو، وبحيث تشكل في الوقت نفسه رادعا لإسرائيل والقبض على مزيد من الأسرى الإسرائيليين مما يجبرها على التعامل بحذر مع قوات المقاومة خوفا على حياة أسراها!

ثانياً- على مستوى عملية السلام:
يعتبر التصعيد العسكري معوقا لما يسمى بعملية السلام في بدايته، إلا أنه عادة ما يشكل البداية الحقيقية للوصول إلى سلام عادل وشامل، ففشل التصعيد العسكري في إيقاف المقاومة هو الذي يضطر العدو إلى التفكير في التسليم بالحقوق المشروعة. وهكذا فإن التصعيد يمكن أن يشكل بداية النهاية للاحتلال الصهيوني والتسليم بالحقوق العربية، لكن هذا التسليم ليس امتدادا لما عرف بعملية السلام التي بدأت في مدريد، وإنما عملية تؤدي إلى سلام شامل وعادل وتلعب فيه المنظمات الدولية دورا أساسيا ومرجعيا.
ـــــــــــــــ
* خبير مصري في الشؤون الاستراتيجية

المصدر : غير معروف