بقلم: نوال السباعي

جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر, في وقت كانت فيه أوروبا في أمسّ الحاجة إلى حدث من هذا القبيل, لتستخدمه في اتجاهين أولهما: تبرير قلقها الرنان المترتب عن اتساع تمدد الثقافة الإسلامية التي يحملها معظم المهاجرين إليها, ويفرضونها بطريقة أو بأخرى على الشارع الغربي, إلى درجة دفعت بعض كبار المسؤولين في مقاطعة كاتالونيا الإسبانية وقبل أحداث نيويورك وواشنطن على القول "إن على أوروبا أن تبدأ بتعلم الأذان, وأن تستعد منذ الآن على أداء صلواتها في المساجد".

وقد جاءت أحداث واشنطن ونيويورك هذه لتمنح الطبقة الثقافية والسياسية الأوروبية ومن كل الاتجاهات ممن كانوا يدقون نواقيس الخطر كل المبررات لتأكيد هذه النظرة بالغة التشاؤم حول تفاقم الصراع الحضاري في المجتمعات الغربية.


جاءت أحداث واشنطن ونيويورك لتمنح الطبقة الثقافية والسياسية الأوروبية ومن كل الاتجاهات كل المبررات لتأكيد النظرة بالغة التشاؤم حول تفاقم الصراع الحضاري بين الإسلام والمجتمعات الغربية

التفجيرات غذاء العنصرية
واشرأبت أعناق العنصريين والقوميين واليمينيين وأنصار الصهيونية للحديث في كبرى الصحف الأوربية عن "الإرهاب الإسلامي" الذي اتُهم بالعمل على اجتثاث أسس الحضارة والثقافة الغربية, ودكّ قواعد الديمقراطية في هذه الدول التي فتحت أبوابها على مصراعيها لهجرات تتهم الآن بالنخر في جدران قيمها.

كما قالت وبعد عقد كامل من الصمت الكاتبة الصحفية الإيطالية أوريانا فلاتشي والتي خرجت على العالم بمقالها الطويل والخطير، الذي نشرته "كوريللا ديلا سيرا", والذي عنونته الغضب والكبرياء لتقول فيه "إن أوروبا لاتريد أن تفهم أن هذا الذي جرى في واشنطن ليس إلا حربا صليبية معكوسة "، وأضافت "إننا في مواجهة حرب ليس هدفها الأرض, ولكن القيم ونمط الحياة التي نعيشها في الغرب, ولعل الغرب لا يعي بالدرجة الكافية قدرة الحضارة الإسلامية على التدمير".

من هنا برز الاتجاه الثاني الذي استخدمت فيه أوروبا أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول كسلاح متميز في وجه موجات الهجرة العربية والإسلامية على وجه التخصيص, ولاعجب أن إسبانيا التي تشكل بوابة أوروبا الجنوبية للعابرين نحو الشمال, شهدت ولأول مرة شللا كاملا في حركة "قوارب الموت" المتسللة نزيفا يوميا لاينقطع نحو شواطئها.

لقد استُخدمت تفجيرات البُرجين وبفعالية, في محاولة لإحداث قطيعة كادت أن تكون شبه نهائية بين المهاجرين إلى أوروبا وبين شعوبها, التي تراكم في ضمائرها كمٌ هائل من الكراهية والأحقاد التي لم تعد تستند إلى الذاكرة التاريخية الحاضرة يوميا في إعلام ٍ تمتلكه وتوجهه الحركة الصهيونية, بقدر ماوجدت لنفسها مسوغات نابعة من نظريات "صراع الحضارات" التي قدم لها منفذو هجمات الحادي عشر من سبتمبرخدمة جليلة, منحت نظرية الفيلسوف الأميركي صامويل هنتغتن هذه مصداقية وزخما وقدرة مذهلة على رفع أسوار حقد مخيف بين كتل بشرية تعيش ولو بشكل اضطراري أنماطاً من التداخل الثقافي والحضاري والإنساني, تجعل من أية محاولة لتفكيكها, جريمة تاريخية مؤلمة ترتكب في حق هذا التعايش الخاص بين الحضارات وطريقتها هذه في الحوار الإنساني اليومي في زمن العولمة وسقوط الأسوار.

محمد الدرة قلب الموازين
في مثل هذه الأجواء بالغة الخطورة, حاولت إسرائيل ممثلة بوزير خارجيتها شمعون بيريز ومعاونيه ركوب موجة مكافحة الإرهاب, وقد بذل الساسة الإسرائيليون جهودا دبلوماسية جبارة لحقن آلة الإعلام الغربية بجرعات مكثفة من تشويه الحقائق, وتصوير الانتفاضة الفلسطينية على أنها مجرد استجابة شعبية لحركة إرهابية انفصالية تهدد أمن وسلامة إسرائيل, وقد بلغ من تأثير الحملة الإسرائيلية أن قال وزير الخارجية الإسباني جوزيف بيكيه وكان حديث عهد بالوزارة إثر زيارة قام بها إلى إسرائيل "كما يحدث في إقليم الباسك, إن أقلية صغيرة ومتطرفة لا تريد النزول عند رغبة الأغلبية الحرة الديمقراطية, فإن الشيء نفسه يحدث في إسرائيل الحرة الديمقراطية التي يوجد بين العرب من لا يعترف بوجودها", وأضاف "إننا نبذل كل جهدنا في إسبانيا للقضاء على منظمة إيتا وإننا واثقون من أن دولة إسرائيل ستتمكن من تحقيق ذلك في أرضها".


ارتباط الانتفاضة بصورة مقتل الطفل محمد الدرة في بث حي ومباشر يبدو وكأنه قد قلب الأوضاع, وبات صعبا على صناع الرأي من الإسبان على الأقل قبول التفسيرات الإسرائيلية لما يجري في فلسطين

لكن ارتباط الانتفاضة بصورة مقتل الطفل محمد الدرة في بث حي ومباشر يبدو وكأنه قد قلب الأوضاع, وبات صعبا على صناع الرأي من الإسبان قبول الأمر بهذا التسطيح بل إن بعضهم وصف ما تفوه به بيكيه في إسرائيل بأنه "حماقات", واندفع آخرون للمطالبة باستقالته, لولا أن بيكيه استدرك معتذرا، بل إن تصريحاته وسياساته شهدت انقلابا كبيرا بعد أن تكررت زياراته إلى إسرائيل في إطار رئاسة بلاده للاتحاد الأوروبي.

وبعد الصفعة القاسية جدا والتي وُجهت إليه وإلى زملائه في الوفد الأوروبي الذي مُنع من لقاء الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أثناء حصاره في رام الله, كتبت البانغوارديا الإسبانية "إن ركوب (رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل) شارون موجة (الرئيس الأميركي جورج) بوش، والتزامه نفس الخطاب الأميركي, وقيامه بتمثيل دور الشرطي المدير في منطقة الشرق الأوسط باسم التحالف العالمي لمكافحة الإرهاب, ليس إلا من باب استعمال عوامل سياسية شديدة الحساسية لأهداف لا طائل من ورائها إلاّ رفع درجة القلق والاضطراب".

لقد باءت بالفشل جميع المحاولات الدؤوبة التي بذلها اللوبي الإعلامي الصهيوني في أوروبا للربط بين تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر, والانتفاضة الفلسطينية, خاصة بعد تكذيب الأخبار التي تسربت إلى وسائل الإعلام مدعية قيام الفلسطينيين بالاحتفالات ابتهاجا بسقوط برجي نيويورك, وقد لعبت في هذا المجال صورة وجوم الرئيس الفلسطيني وانذهاله لدى تلقيه خبر هذه التفجيرات بوجود المبعوث الأوروبي ميغيل موراتينوس, دوراً في إنقاذ سمعة الانتفاضة الفلسطينية لدى الرأي العام الأوروبي, وأُسقط في يد أنصار إسرائيل, الذين كانوا يرجون للرأي العام الغربي أن يمرر الانتفاضة على أنها الوجه الآخر للإرهاب العربي والإسلامي, وجاء هذا الفشل الإسرائيلي في الربط بين الانتفاضة وأحداث سبتمبر على الرغم من الإجماع الأوروبي التام على رفض العمليات الاستشهادية واعتبارها أعمالاً إرهابية يجب محاربتها والقضاء عليها.


خوف الرأي العام الأوروبي من اندلاع نزاع شامل في الشرق القريب قد يتسبب في موجات جديدة من الهجرة -الفلسطينية النوعية هذه المرة-, كان أكبر من حرصه على سياسات حكوماته المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية لمكافحة الإرهاب

والأطرف من ذلك أن خوف الرأي العام الأوروبي من اندلاع نزاع شامل في الشرق القريب قد يتسبب في موجات جديدة من الهجرة -الفلسطينية النوعية هذه المرة-, كان أكبر من حرصه على سياسات حكوماته المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية لمكافحة الإرهاب.

لقد ثبت بما لايقبل الشك أن آلة التصوير بيد الفلسطيني وغير الفلسطيني كانت في هذه المعركة سلاحا فعالا وعلى درجة موازية من الفتك كالدبابة الإسرائيلية, كما كان الحجر في الانتفاضة الأولى سلاحا قادرا على الصمود في وجه آلة الحرب الإسرائيلية الجبارة التي كانت تدعي أنها لاتهزم.

وبينما قدمت هجمات الحادي عشر من سبتمبر في حينها المبررات الكافية واللازمة بالمنطق الرياضي, لتأجيج الحقد على الإسلام والمسلمين في أوروبا، قدمت إسرائيل من جهتها جراء أساليبها في مواجهة الانتفاضة، ورفضها الالتزام بتوصيات الأمم المتحدة, قدمت المبررات الكافية واللازمة وبالمنطق ذاته لسحب مصداقيتها كدولة وكأمة وكحليف إستراتيجي للغرب الذي انقلب رأيه العام على إسرائيل بصورة لم يسبق لها مثيل.

وسجلت استطلاعات الرأي مؤشرات عالية لاتهامها بالعنصرية والنازية, فضرب ذلك عرض الحائط بكل الجهود الجبارة التي بذلتها "هوليود" خلال سبعين عاما لتلميع صورة الشعب اليهودي الضحية في الضمير الجماعي الأوروبي, وإن كان هذا الموقف من إسرائيل لم يعن قط ميل كفة المشاعر الأوروبية نحو العرب ولا نحو المسلمين.

دفاع يائس
هذا الوضع المستجد في أوروبا, حمل مجموعة من الكتاب والصحفيين اليهود مدفوعين بمشاعر الظلم والإحباط والهزيمة على شن هجوم غير لائق على أوروبا وعلى رأيها العام بل وعلى بابا الفاتيكان شخصيا, ومن بين هؤلاء غابرييل ألبياك الذي كتب في صحيفة الموندو يقول "إن إسرائيل كانت سور النزاع الوحيد الذي حجز طغيان المد الأصولي – الإسلامي خلال نصف قرن, بل لقد احتملت إسرائيل طويلا دعم اليسار الأوربي لحركات المقاومة الفلسطينية وللفدائيين الذين كانوا يقتلون ويذبحون ويختطفون الطائرات بينما إسرائيل كانت هناك وحدها لضمان أمن العالم".

أما أوريانا فلاتشي فكتبت في كوريللا دي لا سيرا "إنني أجد من أقصى دواعي الخجل, أن تسمح الكنيسة الكاثوليكية لأحد رعاتها المقيمين في القدس أن يخرج في مظاهرة في روما تحمل شعارات تدعو إلى معاداة السامية, وإنني خجلى من سويسرا التي سمحت للفلسطينيين أن يدعوا إلى سحب جائزة نوبل من شمعون بيريز, فلتذهب جائزة نوبل إلى الجحيم, لأنه أصبح من دواعي الشرف اليوم ألا يحمل المرء هذه الجائزة" وأضافت في مقالها الغاضب "إنني مع إسرائيل, ومع العبرانيين, وعليكم أن تشعروا بالخجل, وأنتم ترون في جامعاتكم في بلجيكا وألمانيا والدانمارك وهولندا, شبابكم يلتفحون بالكوفيات الفلسطينية, وأن يسمح في هذه الجامعات للطلبة الفلسطينيين بأن يقودوا الحركات الطلابية وأن ينشروا الكراهية ومعاداة السامية والعبرانيين".


ألحق تساؤل المواطن الأوروبي عن أسباب هذه الحصانة العالمية التي تتمتع بها هذه الدولة قدرا كبيرا جدا من الأذى بصورة إسرائيل المرسومة بعناية فائقة في المحافل الدولية

المعركة لم تنته
كل هذه الأصوات ذهبت أدراج الرياح أمام قدرة الصورة اليوم على التغلب على المدى القريب وبشكل لايقبل الجدل على الكلمة, وإن كانت الكلمة ماتزال تحتفظ بقدرتها وجاهزيتها الكاملة على المدى البعيد والمستمر في الزمان والمكان للتأثير في الرأي العام في مختلف أنحاء العالم ..وهو شيء ينبغي أن لايمرّ عليه العرب مرور الكرام، في وقت هم أحوج مايكونون فيه إلى استثمار هذا الرأي العام الغربي الذي التزم باتخاذ موقف أخلاقي من الطرف المعتدي دون أن يطمع العرب في أن يتحول هذا الموقف سريعاً إلى تيار فكري فاعل في أجهزة الغرب السياسية والاجتماعية قبل أن تنمى لديه القدرة على تقديم الأدلة الدامغة الموثقة بالدراسات والأبحاث لإثبات الحقوق التاريخية المغتصبة والدور الأوروبي التاريخي في إحداث مثل هذا الشرخ الحضاري الذي يعيشه العالم اليوم على هامش الصراع العربي-الإسرائيلي.

ولابد من استناد هذه الجهود على سياسات منهجية أكاديمية حرة مستقلة تدعمها الدول دون أن تتدخل فيها, ترتكز على كوادر مجهزة بالقدرة اللازمة لخطاب كل من هذه المجتمعات الأوروبية من داخلها وبما يمكنها من فهمه من خلال تجاربها السياسية وتاريخه الوطني.

وقبل ذلك وبعده تعتمد على قدرة التجمعات العربية والإسلامية في الغرب على تنظيم نفسها داخل هذه البلدان لتكون جزءا من هذه المجتمعات في نفس الوقت الذي تكون فيه محاضن لتخريج أجيال من الإعلاميين الملتزمين الذين يتمتعون بمؤهلات ومواهب خاصة تجعل منهم ألسنة لهذه الأمة في محافل التعايش والتفاهم والحوار بين الحضارات .

لقد باءت بالفشل الذريع كل الجهود المستميتة التي بذلتها إسرائيل سياسيا ودبلوماسيا, وبذلها مناصروها إعلاميا لربط صورة الهجمات على الولايات المتحدة بصورة أطفال ورجال ونساء الانتفاضة, وتهاوت جهودهم أمام الصور القليلة جدا والتي كانت تتسرب إلى وسائل الإعلام الأوروبية, ولكنها على الرغم من ذلك استطاعت أن توصل إلى العالم روائح الموت في "جنين" , كما استطاعت أن تكشف للعالم شهوة الجيش الإسرائيلي للقتل والذبح وهتك الكرامة الإنسانية لدى الآخر.

ولم تكن صور الرئيس الفلسطيني المحاصر بأقل فعالية في ضمير العالم, الذي كان كل فرد فيه يشعر بعجز النظام العالمي عن إيقاف هذه الدولة عند حدها, وقد ألحق تساؤل المواطن الأوروبي عن أسباب هذه الحصانة العالمية التي تتمتع بها هذه الدولة قدرا كبيرا جدا من الأذى بصورة إسرائيل المرسومة بعناية فائقة في المحافل الدولية.

فلا عجب والحال هذه أن يكتب أحد كبار الأدباء العالميين أنطونيو غالا في صحيفة إلباييس "ليدْعوها بأي الأسماء شاؤوا, هذه الحرب الموقدة في الشرق القريب, فإن إسرائيل لن تنتصر فيها أبداً", "لاسلام ولانصر لإسرائيل في حربها هذه, على الرغم من لامبالاة دولنا التي تدعي شعورها بالهول لدى تفكيرها في الهولوكوست الذي نشهده اليوم, لأن التاريخ تاريخ العالم كله يكتب اليوم هناك في حنايا الإسلام, الذي تداس كرامته مرة أخرى من جديد, حيث تشهد الأرض أكبر قدر من الظلم وسوء معاملة أمة".

المصدر : غير معروف