بقلم/ داود سليمان داود*

- الطرف الفلسطيني.. مأزق السلطة وتراجع المعارضة
- الطرف الإسرائيلي ومأزق الخيار الأمني
- الطرف العربي وتكريس العجز
- الطرف الأميركي ومطالب الهجوم على العراق

لم تعد الانتفاضة الفلسطينية بعد 18 شهرا من بدئها مجرد حالة فلسطينية محلية، فلم يكن يتوقع أن تستمر الانتفاضة مدة طويلة وتشتد حدتها مع مرور الوقت، فقد كان التعامل معها في البداية يتم على أنها تعبير عن حالة اليأس التي يعانيها الشارع الفلسطيني وأن مآلها إلى التوقف بعد أن يشعر الشارع الفلسطيني بأن تقدما قد يحصل على المسار السياسي، وهو ما لم يحدث.

وقد أسهم ارتفاع حدة القمع الإسرائيلي لمستويات غير مسبوقة تجاه الشعب الفلسطيني في تصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية ونوعيتها، الأمر الذي أدى إلى انفلات زمام المبادرة من القوى الفلسطينية خاصة السلطة الفلسطينية وظهور قوى فلسطينية محلية جديدة غير خاضعة لشروط المعادلة السياسية التي كانت سائدة قبل تفجر الانتفاضة.

أما على الصعيد الإسرائيلي فقد وضعت الانتفاضة النظرية الأمنية على المحك وعرضتها -ولازالت- لإثبات مدى نجاحها أو فشلها، مما أدى بدوره إلى تداعيات مباشرة وغير مباشرة على الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية والعربية وحتى الدولية.

الطرف الفلسطيني.. مأزق السلطة وتراجع المعارضة


لم تقتصر الخسائر على السلطة فقد أسهمت الانتفاضة في تراجع قوة بعض قوى المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وبروز قوى جديدة على الساحة كانت قد بدأت تشهد انحسارا في تأييد الشارع لها من أبرزها كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح
أدى استمرار الانتفاضة وتطور أدوات الصراع فيها إلى إيقاع السلطة في مأزق وجدت أنه من الصعب عليها التعامل معه، فقد وجدت السلطة نفسها مشتتة بين الضغوط الشعبية الفلسطينية والتزامها بالتسوية السلمية، وأن أي محاولة من قبل السلطة لوقف الانتفاضة ستؤدي إلى خسارتها أسهمها في الشارع الفلسطيني الذي لم يعد يتقبل تقديم تنازلات مقابل لا شيء، كما أن أي استمرار للانتفاضة قد يعرض وجود السلطة وعلاقاتها مع إسرائيل والغرب والاعتراف بها للزوال.

فاستمرار الانتفاضة سيعرض السلطة لخسارة ما قد حققته عبر الاتفاقات مع الإسرائيليين وذلك إذا أقدم شارون على تصفية قيادات السلطة وإعادة احتلال المناطق الفلسطينية مرة أخرى.

ولم يقتصر الأمر على السلطة فقط، فقد أسهمت الانتفاضة في تراجع قوة بعض قوى المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي -رغم قيامهما ببعض العمليات النوعية ضد الأهداف الإسرائيلية- وبروز قوى جديدة على الساحة الفلسطينية كانت قد بدأت تشهد انحسارا في تأييد الشارع الفلسطيني لها من أبرزها كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح التنظيم الشعبي للسلطة الفلسطينية وممثلها في الشارع الفلسطيني، الأمر الذي يشير إلى أن الجناح المعارض داخل فتح للسياسة التي اتبعتها السلطة في إدارة الصراع مع الإسرائيليين قد تمكن من السيطرة على الحركة، وهو ما أدى إلى بروز قادة ميدانيين جدد على ساحة العمل الفلسطيني غير مرتبطين بالسلطة أو سياساتها، وأصبحت تلك التيارات الميدانية من أبرز وجوه العمل العسكري والسياسي في الساحة الفلسطينية ومن الصعب أن يتم تجاهلهم. ومما أسهم في بروز قوة كتائب الأقصى استفادتها من خبرات الحركة في العمل العسكري وانتماء العديد من رجال الأمن في السلطة لحركة فتح.

ولكن موقف السلطة لا يبدو بهذا السوء، إذ يبدو أن فشل الإسرائيليين في إيجاد بديل لعرفات سيعزز موقفه في أي مفاوضات قادمة، فهو الوحيد القادر على السيطرة على الشارع الفلسطيني والتوصل إلى اتفاقيات سياسية مع الجانب الإسرائيلي، كما تعول السلطة على أن حركة فتح -وهي التيار الرئيسي الذي يقود الانتفاضة حاليا- سيضع في يدها ورقة ضغط جديدة عند ذهابها إلى أي مفاوضات قد تحدث مع الجانب الإسرائيلي، على عكس ما حصل عندما ذهبت إلى قمة كامب ديفد.

الطرف الإسرائيلي ومأزق الخيار الأمني


يتمثل المأزق الإسرائيلي بعدم وجود أي مشروع سياسي آخر يكون مكافئا لمشروع شارون وحزب الليكود، فحزب العمل المكافئ الوحيد لحزب الليكود شريك لشارون في الحكومة الحالية ولا يوجد لديه أي برنامج سياسي لوقف الانتفاضة والعودة إلى طاولة المفاوضات
سعى أرييل شارون منذ اعتلائه سدة الحكم في الدولة العبرية إلى تنفيذ اقتناعاته السياسية بأن السبيل الوحيد لإخضاع الفلسطينيين لا يتم إلا عبر فوهة البندقية وأنه من المستبعد لإسرائيل أن تذهب إلى أي مفاوضات سلمية دون أن تكون لها الغلبة، كما سعى إلى الظهور بمظهر المخلص للشعب اليهودي الذي أوصله إلى كرسي رئاسة الحكومة مما يعانيه من خوف الذوبان في المستنقع العربي المحيط به وأنه قادر على إعادة الأمن والهدوء للمجتمع الإسرائيلي من جديد.

وقام شارون مدفوعا بغرور القوة بزيادة الضغط على الفلسطينيين فاحتجز الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله، وأتبع ذلك بسياسة التصعيد الإستراتيجي مؤمنا بأن الدولة العبرية ستنتصر في حرب الاستنزاف في نهاية المطاف على المقاومة الفلسطينية وأن تكبيد الفلسطينيين خسائر كبيرة سيجعلهم يدركون أن لا سبيل أمامهم سوى التقدم نحو مفاوضات سياسية يملي الإسرائيليون فيها شروطهم. ولم يؤثر تناقص شعبية شارون خلال العام الذي قضاه بالسلطة بعد أن أبدى 53% من الإسرائيليين عدم رضاهم عن سياسته، في السياسة الأمنية الإسرائيلية إذ أقدمت الحكومة الإسرائيلية على إبداء مزيد من التشدد في مواجهة الفلسطينيين وضرورة تكبيدهم مزيدا من الخسائر كما قال شارون بأنه يجب أن "يتعرض الفلسطينيون للكثير من الخسائر" وأن من "يريد التفاوض معهم عليه أن يهاجمهم بقوة أولا".

ويدرك شارون وأعضاء مجلسه الأمني المصغر أن تقديم أي تنازل للفلسطينيين بهذا الوقت سيشير إلى خسارة إسرائيل للمعركة مع الفلسطينيين وفشل السياسة الأمنية التي يتبناها شارون وتبناها قبله الآباء المؤسسون للدولة العبرية، وهو ما سيعطي الفلسطينيين الفرصة لاتباع الأسلوب نفسه في المستقبل للحصول على ما يريدون.

ويتمثل المأزق الإسرائيلي بعدم وجود أي مشروع سياسي آخر يكون مكافئا لمشروع شارون وحزب الليكود، فحزب العمل المكافئ الوحيد لحزب الليكود شريك لشارون في الحكومة الحالية ولا يوجد لديه أي برنامج سياسي لوقف الانتفاضة والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وعلى الجانب الآخر أثبتت قوى اليسار الإسرائيلي أنها تعيش على هامش المجتمع الإسرائيلي وأنه لا يوجد لها تأثير حقيقي في الشارع الإسرائيلي يمكنها من التأثير في السياسة الأمنية التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية حاليا. ولعل أبرز مثال على تراجع اليسار الإسرائيلي ما حدث في حزب العمل من انتخاب بنيامين بن إليعازر بدلا من إبراهام بورغ لقيادة حزب العمل، وهو ما يشير بوضوح إلى سيطرة الصقور على حزب العمل.

الطرف العربي وتكريس العجز

جاءت الانتفاضة الفلسطينية لتعزيز النظرة إلى أن الجامعة العربية عاجزة عن القيام بدور مؤثر وفعال في الساحة العربية وتوحيد الصف العربي في مواجهة ما تتعرض له الأمة العربية من مخاطر، فلم تتمكن الجامعة العربية في القمتين اللتين عقدتا في مصر والأردن إبان الانتفاضة من التمسك بموقف حاسم تجاه العلاقة مع إسرائيل، ورفض عدد من الدول العربية قطع علاقاتهم مع الدولة العبرية سواء كانت تلك العلاقات سياسية أو لا تتعدى الجانب الاقتصادي فقط.


أفقدت إستراتيجية السلام التي ربطت الدول العربية نفسها بها المقدرة على إيجاد طرق جديدة للتعامل مع الإسرائيليين مما جعلها تقف عاجزة عن تقديم أي دعم فعال وحقيقي للانتفاضة، واكتفت الدول العربية بتقديم بعض المبادرات السياسية وتقديم الدعم المالي للسلطة الفلسطينية
وقد أفقدت إستراتيجية السلام التي ربطت الدول العربية نفسها بها المقدرة على إيجاد طرق جديدة للتعامل مع الإسرائيليين مما جعلها تقف عاجزة عن تقديم أي دعم فعال وحقيقي للانتفاضة، واكتفت الدول العربية بتقديم بعض المبادرات السياسية وتقديم الدعم المالي للسلطة الفلسطينية، ولم تشكل المبادرات العربية التي طرحها العرب رافعة حقيقية لدعم صمود الشعب الفلسطيني وتشكيل قوة ضغط على الجانب الإسرائيلي وقد تمثلت تلك المبادرات بالدعوة إلى عقد قمة تجمع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في شرم الشيخ وتلتها المبادرة السعودية التي يبدو من سياق الإعلان عنها أنها كانت تهدف إلى تحسين العلاقات السعودية الأميركية، ومن ثم المبادرة الليبية التي عرضها الزعيم الليبي معمر القذافي على قمة عمان وأعاد طرحها مجددا.

ومع اقتراب موعد انعقاد القمة العربية في بيروت نهاية الشهر الجاري فإن مختلف الأطراف المعنية بالصراع العربي الإسرائيلي معنية بما سيصدر عن تلك القمة، وسواء شكلت المبادرة السعودية المحور الأساسي في تلك القمة أو دمجت والمبادرة الليبية فإنه لا يتوقع أن تتجاوز القمة في نتائجها دعم الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة والتمسك بالسلام مع إسرائيل على أساس قرارات الأمم المتحدة، والمطالبة برفع الحصار عن المدن والقرى الفلسطينية. ويصعب الحديث عن استخدام أوراق ضغط متاحة للعرب كالمقاطعة الاقتصادية وقطع العلاقات الدبلوماسية التي أقيمت مع الدولة العبرية، الأمر الذي سيثير حنق الشارع العربي الذي بات يؤمن بأن تقديم المزيد من التنازل لا يعيد له حقوقه في فلسطين.

ولئن شعر العرب بحجم المأزق الذي يشكله لهم استمرار الانتفاضة الفلسطينية فإن سوريا ولبنان والعراق ترى أن استمرار الانتفاضة يشكل دعما لها وتعزيزا لموقفها السياسي. فالجانبان السوري واللبناني يريان أن الانتفاضة تسهم في تعزيز وجهة نظرهما تجاه السلام والتطبيع مع إسرائيل كما تسهم في تخفيف حدة الضغوط الأميركية على السوريين للسير قدما في التسوية مع إسرائيل.

أما العراق فإنه يراهن على أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تشعل جبهة جديدة في المنطقة بالإضافة إلى الجبهة الفلسطينية مما سيجل العراق بمنأى عن أي ضربة عسكرية أميركية كما أن عدم تهدئة الجبهة الفلسطينية سيزيد من معارضة توجيه مثل تلك الضربة للعراق عربيا أو أوروبيا.

الطرف الأميركي ومطالب الهجوم على العراق

إدراكا من الإدارة الأميركية بأنها لن تتمكن من شن هجوم عسكري على العراق إلا بتهدئة الساحة الفلسطينية، فقد سعت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش -التي لم تبد أي اهتمام بالتدخل لإنهاء المجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في الوقت الذي تحارب فيه ما تسميه الإرهاب بأفغانستان- إلى محاولة تهدئة الساحة الفلسطينية لكسب التأييد لأي هجوم على العراق، وهو ما جعلها تتخلى عن شرطها المسبق بضرورة التهدئة المسبقة للانتفاضة قبل إرسال الجنرال أنتوني زيني إلى المنطقة مرة أخرى متزامنة مع جولة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني التي تهدف إلى الحصول على التأييد العربي للحرب على العراق.


يبدو أن الإدارة الأميركية غير قادرة على فرض رؤيتها لترتيب أوضاع المنطقة كما تريد فقد باتت خطة تينيت وتوصيات ميتشل اللتان عولت عليهما الإدارة الأميركية لتهدئة الساحة الفلسطينية حبيستي الأدراج وغير مفيدتين
لكن يبدو أن الإدارة الأميركية غير قادرة على فرض رؤيتها لترتيب أوضاع المنطقة كما تريد، فقد باتت خطة تينيت وتوصيات ميتشل اللتان عولت عليهما الإدارة الأميركية لتهدئة الساحة الفلسطينية حبيستي الإدراج وغير مفيدتين. وتدرك إدارة بوش أن ممارسة أي ضغوط على السلطة الفلسطينية لوقف الانتفاضة قد يسهم في انهيار السلطة وفقدانها السيطرة على الشارع الفلسطيني وفي الوقت نفسه فإن سياسة التشدد التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية في التعامل مع الانتفاضة غير قابلة للمساومة من قبل الطرف الإسرائيلي، الأمر الذي قد يدفع الإدارة الأميركية إلى التعامل مع جبهتين مشتعلتين في المنطقة بالوقت نفسه هما الجبهة العراقية والجبهة الفلسطينية التي تزداد سخونة بمرور الوقت.

يبدو أن الانتفاضة الفلسطينية قد تمكنت بشلال الدماء الفلسطيني من تحريك بركة السياسة الراكدة في المنطقة لتمس أمواجها جميع الأطراف، وأن أيا من تلك الأطراف غير قادر على النأي بنفسه دون التعامل مع تلك الأمواج، وستعمل تلك الأطراف على ترك الوضع قائما كما هو لأن أي محاولة خاطئة قد تزيد الوضع سوءا بالنسبة لهم على أمل أن تأتي الأيام بجديد يخرج كل طرف من مأزقه.

_______________
* كاتب وباحث فلسطيني

المصدر : غير معروف